دنيا

صهيب الرومي تنازل عن ماله حتى يهاجر في سبيل الله

أحمد مراد (القاهرة) ـ صهيب الرومي، صحابي جليل من صحابة النبي صلى الله عليه وسلم، أسلم مبكراً في دار الأرقم، وجهر بإسلامه، ولقي في ذلك تعذيبا من قريش، وحارب إلى جوار النبي في كل غزواته وحروبه.
هو صهيب بن سنان بن مالك، أبو يحيى، وأمه من بني مالك بن عمرو بن تميم، وسمي بصهيب الرومي لأن قوات من جيش الروم سبوه صغيراً، وكان والده حاكم «الأبلة»، فقد ولاه عليها ملك الفرس كسرى، فهو من العرب الذين نزحوا إلى العراق قبل الإسلام بعهد طويل، وله قصر كبير على شاطئ الفرات، فعاش صهيب طفولة ناعمة سعيدة، إلى أن سبي بهجوم رومي على بلدته، وقضى بقية طفولته وصدر شبابه في بلاد الروم، وأخذ لسانهم ولهجتهم، وباعه تجار الرقيق لعبد الله بن جدعان في مكة، وأعجب سيده الجديد بذكائه ونشاطه وإخلاصه، ونتيجة إعجاب سيده بذكائه ونشاطه وإخلاصه أعتقه وحرره وأخذ يتاجر معه حتى أصبح لديه المال الكثير.
وأقام صهيب بمكة إلى أن مات ابن جدعان وبُعث النبي محمد صلى الله عليه وسلم فأسلم، ويقول عمار بن ياسر: لقيت صهيب بن سنان على باب دار الأرقم، ورسول الله فيها، فقلت له: ماذا تريد؟ فأجابني: ماذا تريد أنت؟ قلت له: أريد أن أدخل على محمد، فأسمع ما يقول. قال: وأنا أريد ذلك. فدخلنا على رسول الله فعرض علينا الإسلام، فأسلمنا ثم مكثنا على ذلك حتى أمسينا، ثم خرجنا، ونحن مستخفيان. فكان إسلامهما بعد بضعة وثلاثين رجلاً. وروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «السباق أربعة: أنا سابق العرب، وصهيب سابق الروم، وبلال سابق الحبشة، وسلمان سابق الفرس».
وحينما أراد صهيب الهجرة من مكة إلى المدينة في نصف شهر ربيع الأول تبعه نفر من أهل قريش، فنزل عن راحلته ثم قال: يا معشر قريش لقد علمتم أني من أرماكم رجلاً، وأيم الله لا تصلون إليّ حتى أرمي بكل سهم معي في كنانتي ثم أضربكم بسيفي ما بقي في يدي منه شيء، فافعلوا ما شئتم، فإن شئتم دللتكم على مالي وخليتم سبيلي . فقالوا «نعم»، ففعل.
فقدم المدينة وهو رمد قد أصابته مجاعة شديدة، فلما وصل قباء وجد بها النبي محمد مع أبي بكر وعمر فأقبل يأكل التمر فقال النبي محمد: «تأكل الرطب وأنت رمد»، فقال: إنما آكله بشق عيني الصحيحة. فتبسم النبي محمد ثم قال صهيب لأبي بكر: وعدتني أن نصطحب فخرجت وتركتني. وقال للنبي: وعدتني يا رسول الله أن تصاحبني فانطلقت وتركتني فأخذتني قريش فحبسوني فاشتريت نفسي وأهلي بمالي فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «ربح البيع أبا يحيى، ربح البيع»، وهنا نزلت فيه آية من القرآن الكريم وهي قول الله سبحانه تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ وَاللّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ)، «سورة البقرة».
وكان صهيب جوادا كريم العطاء، ينفق كل عطائه من بيت المال في سبيل الله، يعين المحتاج ويغيث المكروب، ويطعم الطعام على حبه مسكينا ويتيماً وأسيراً.