دنيا

الحكم على أي ميت بالشهادة جرأة على الله

حسام محمد (القاهرة) - أصبح شائعاً على لسان كثير من الناس قولهم «فلان شهيد» على كل من يعتقدون أنه مات بسبب من الأسباب التي جاء الشرع بإثبات الشهادة لمن مات بأحدها دون التيقن جدياً بأن الشارع الحكيم يعتبر هذا المتوفى شهيداً من عدمه وهكذا أصبح وصف شهيد يطلق بلا ضابط.
يقول الدكتور عبد الله سمك - أستاذ الفقه بجامعة الأزهر: لابد أن يعي المسلم أن مقام كل واحد وحقيقتَه عند الله، ومآلَه في الدار الآخرة، لا يعلمه يقينا إلا الله تعالى، فهو سبحانه - وحده - الذي يعلم المؤمن حقاً، والشهيد حقاً، والسعيد حقاً، ويعلم وحده من هو من أهل الجنة ومن هو من أهل النار، ومن هو المغفور له وغير المغفور له، وحتى أنبياء الله عليهم الصلاة والسلام، فلا علم لهم بشيء من ذلك، إلا ما أعلمهم إياه وأوحي إليهم به.
تفسير المشرع
ويضيف د. سمك: هناك نوعان من الشهادة في الإسلام، الأول شهادة حقيقية وهو القتيل من المسلمين ممن يقتل في المعركة في سبيل الله وهو يقاتل كافرا يواجه الموت باستبشار بلا هرب أو يوليه ظهره وأحكامه معروفة، فلا يغسل ولا يكفن ويدفن في ثيابه وبدمائه الزكية وفي مكان موته وأجره في الآخرة معروف ومشهود والشهادة الثانية، وهي شهادة حكمية،. وهي تختلف بتفسير المشرع أو المفتي مثلاً، حيث يقول الرسول صلى الله عليه وسلم «من مات دون ماله فهو شهيد، ومن مات دون دمه فهو شهيد، ومن مات دون أرضه فهو شهيد، من قتله بطنه فهو شهيد، من قتل في الغرق أو الهدم فهو شهيد، من قتل بداء السل فهو شهيد، المرأة الجمعاء تموت في نفاسها فهي شهيدة» والعلماء مجمعون على أن هذا الإطلاق لا يعطيه فضيلة الشهيد الذي مات في المعركة، ولا يصح لأي واحد منهم أن نسميه تسمية مطلقة بالشهيد فلان.
ألقاب
ويشير إلى أنه للأسف الكل الآن يتسابق في إطلاق لقب شهيد على كل من وافق مذهبه وفكره وهواه فهناك شهيد الحرية وهناك شهيد البيئة وهناك شهيد العلم وهناك شهيد الفن، وهذه كلها دعاوي باطلة وتسميات زائفة أرخصت بها منزلة الشهادة العظيمة التي جاء الإسلام برفع مكانتها وإعلاء شأنها، وأصحاب الأوصاف السابقة الذكر لا يجوز لأحد أن يطلق عليهم شهداء، وكذلك لا ينبغي التمييز في القتل بين قتل المسلم وقتل النصراني لأنها أمور تخالف الأصول الشرعية.
وأي قتيل أو ميت أمره راجع إلى الله ولا ينطبق عليهم لفظ شهيد، لأن الشهيد حدده الشرع في مواطن معينة وله شروط خاصة به، ولا يعتبر القتلى بسبب التزاحم على سبيل المثال شهداء، ومن يقول إنهم شهداء يؤدي إلى مزيد من القتلى والتناحر، لأن الله تعالى نهي عن التزاحم في الحج بأن قال لمن لا يستطيع الوصول للكعبة أن يشير إليها فقط، فماذا لو كان هذا التزاحم يؤدي إلى هلاك النفس وقد قال عمر بن الخطاب: «إنكم تقولون لمن مات في معارككم فلانٌ شهيد فلانٌ شهيد، والله أعلم بمن يُكْلَمُ في سبيله، والله أعلم بمن يقتل في سبيله «لأنه هل كان يُقَاتِلُ يريد أن تكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى فهذا أمر غيبي فلذلك لا تجوز الشهادة لمعين، لكن نرجو له حتى من مات في أرض المعركة نحن نرجو له الشهادة، نقول نرجو الله أن يكون شهيداً وهذا تبع للأصل أننا نرجو للمحسن ونخاف على المسيء فلو شهدنا لأحد بعينه بأنه شهيد لزم من تلك الشهادة أن نشهد له بالجنة وهذا خلاف ما كان عليه أهل السنة فإنهم لا يشهدون بالجنة إلا لمن شهد له النبي، صلى الله عليه وسلم، بالوصف أو بالشخص.



الله يتولى السرائر
لا بد أن يعي المسلم أن هناك حالات يكون باطن أصحابها على خلاف ظاهرهم، فلا ينبغي الجزم بما هو غيب عند الله. وإنما نحن نحكم بالظواهر والله يتولى السرائر، فالحكم بأن فلاناً شهيد، أو بأن هؤلاء شهداء، إنما هو من باب حسن الظن والبناءِ على ظاهر الأمور، فهو جائز لا إشكال فيه. وأما الاسترسال فيه بلا ضابط، والجزمُ بذلك رجما بالغيب، فهذا لا يصح ولا ينبغي. وفي هذا جاء ما جاء عن عمر رضي الله عنه، وعليه يحمل كلام الإمام البخاري. ولذلك قال الحافظ ابن حجر في الفتح «قوله في باب لا يقال فلان شهيد، أي على سبيل القطع بذلك إلا إن كان بالوحي... وإن كان مع ذلك يعطَي حكمَ الشهداء في الأحكام الظاهرة».