دنيا

رمضان في جيبوتي صوم وعبادة وختم للقرآن والتئام شمل العائلة

تعددت الألوان والأعراق والألسنة بتعدد البلاد والشعوب، فاختلفت العادات والتقاليد عبر دول العالم الإسلامي التي يعيش فيها أكثر من مليار نسمة في شتى قارات العالم، ولا يجمعهم إلا الإسلام تحت راية «لا إله إلا الله محمد رسول الله». وفي رمضان من كل عام، يتحول المسلمون في شتى ربوع الأرض إلى كتلة واحدة عملاقة، تهيمن عليها روحانيات الشهر الفضيل، فيؤدي الجميع العبادات نفسها من صيام وصلاة وإقبال استثنائي على فعل الخير ونزعة أقوى للتسامح والتواصل مع الآخرين. لكن رمضان بسماحته، يعطي أحبابه في مشارق الأرض ومغاربها فرصة عظيمة ليضع كل مجتمع بصمته ولمساته المستمدة من عاداته وتاريخه على طقوس استقبال ومعايشة الشهر الفضيل.
وتنشر «دنيا الاتحاد» على مدى الشهر سلسلة حوارات مع العديد من زوجات سفراء الدول العربية والإسلامية في الإمارات، لإلقاء الضوء على عادات وتقاليد شعوبهن خلال رمضان.

لكبيرة التونسي (أبوظبي) - تنتظر السيدة أمينة جوليد حرم سفير جيبوتي لدى الدولة، رمضان من أجل التئام شمل العائلة. فالشهر الفضيل هو أفضل مناسبة تجمعها وزوجها مع أبنائهما السبعة على مائدة واحدة. إذ سيعود عباس وبيلان من فرنسا حيث يدرسان، وهابون التي تعمل في سويسرا بالإضافة إلى غنية العروس الجديدة. وسينضمون جميعا إلى أشقائهم، حمزة وأحمد ومروان البالغ من العمر خمسة أعوام.
تحاول السيدة أمينة أحمد جوليد حرم السفير الجيبوتي أن توفر لعائلتها في الإمارات الأجواء الرمضانية المميزة نفسها التي اعتادها الأبناء في جيبوتي. ولذا فإنها تستحضر كل الطقوس المرتبطة بالشهر الفضيل في منزلها بأبوظبي. فتقوم بتجهيز الملابس التقليدية، وإعداد أنواع الحلويات والمأكولات التراثية التي اعتاد الصغار تناولها في بلدهم الأم خلال رمضان.
احتفالات خاصة
وفي حوار مع «الاتحاد» بدت السيدة أمينة سعيدة للغاية بتجمع أولادها معها خلال الشهر الكريم في أبوظبي، بحضور والدتها التي تعيش معها وتساهم بشكل كبير في ربط الأبناء بعاداتهم وتقاليدهم، من خلال جو رمضاني مميز تحكي لهم فيه قصصاً من سالف الزمان.
تقول السيدة أمينة إن رمضان في جيبوتي الواقعة على البحر الأحمر، له نكهة خاصة بما يصحبه من احتفالات شعبية واسعة النطاق، يشارك فيها الجميع صغارا وكبارا.
فما أن يهل أول أيام الشهر، حتى تضاء منارات المساجد، وتتلألأ في السماء أنوار الألعاب النارية، وتبث الإذاعة العديد من البرامج والمدائح الدينية، وسط أجواء روحانية خالصة، يعيشها المسلمون الذين يمثلون نحو 94% من إجمالي السكان البالغ عددهم 864,000 نسمة.
وعادة ما يشجع الآباء والأمهات في جيبوتي الصغار على الصيام والصلاة عندما يبلغون السابعة من العمر.
ويقبل الكبار والصغار في جيبوتي الواقعة على الشاطئ الغربي لمضيق باب المندب، على المساجد للصلاة وحضور دروس التلاوة والتفسير والتي عادة ما تقام بين صلاة العصر والمغرب. وبالطبع لابد من ختم القرآن الكريم مرة واحدة على الأقل خلال رمضان.
وتوضح السيدة أمينة جوليد أن من عادات الجيبوتيين الإفطار على البارد، بحيث يتناولون شوربة القمح مع التمر، أما الأيام التي تسبق رمضان فيتم استغلالها للصوم من أجل التقرب لله.
كما تجهز البيوت وتنظف، ويتم شراء المؤونة لرمضان، وخاصة القمح والشعير والحبوب التي يتم استعمالها في تجهيز الشوربات، لافتة إلى أن أغلب الناس في جيبوتي ما زالوا يتسحرون بعصيدة الشعير أو القمح مع اللبن.
تؤدي النساء صلاة الجمعة في المساجد طوال العام، لكنهن يقبلن بقوةعلى صلاة التراويح. وبالتالي لابد أن يخرج كل من في المنزل، بمن في ذلك الخدم، لأداء الصلاة في جماعة، ويبلغ الأمر ذروته خلال العشر الأواخر من رمضان، عندما يتلهف الأطفال والكبار على ليلة القدر.
إضاءة الفوانيس
وبعد سنوات عدة قضتها مع زوجها في كل من العراق والسعودية ودبي ثم أبوظبي، تقول حرم سفير جيبوتي إن هناك فروقا بين العادات الخليجية وبعض المظاهر الرمضانية في جيبوتي. وتؤكـد تمسك الناس بعاداتهم وتقاليدهم المتوارثة منذ سنين طـويلة. إلا أنه في السـنوات الأخيرة فقط بدأ الأطفــال يضـيئون الفوانيـس ويجـولون بها في الشـوارع.
لكن تبقى الأكلات الشعبية هي الأهم على المائدة خلال رمضان، كما يتعين النوم مبكرا والاستيقاظ قبل صلاة الفجر بوقت كاف لتناول طعام السحور اقتداء بالسنة النبوية المشرفة.
مائدة رمضان
وتستعد العائلات في جيبوتي لاستقبال رمضان، قبل موعده بأيام. وتقول السيدة جوليد «نشتري الأواني ويتم تنظيف البيوت وتجديدها، ونقتني أيضا القمح والشعير الذي يستعمل في العصيدة التي يتم تناولها وقت السحور، كما نتناول خلال هذه الفترة أي السحور القمح الذي يرطب ويقشر ويفور ثم يتم تناوله مع اللبن، إلى جانب ذلك تجهز منه شوربة قمح».
وتؤكد أمينة أحمد جوليد أن حضور شوربة القمح ضروري جدا على مائدة الإفطار الجيبوتية، وهي تجهز من القمح مع قطع من اللحم، ويضاف لها البصل والطماطم وأعواد القرفة، والكمون، والملح والفلفل الأسود، ويضيف البعض الهيل حسب الرغبة وتوضع على النار، وتستغرق عدة ساعات في طهيها، بحيث توضع على نار هادئة من الساعة 11 صباحا إلى غاية أذان المغرب، مع إضافة الماء كلما جفت.
وتوضح أمينة جوليد أن هذه الشوربة تقدم ساخنة مع التمر ساعة الإفطار وتكون خفيفة وليست ثقيلة، كما تلفت إلى أن الشعب الجيبوتي يتناول أيضا عند الإفطار شوربة الخضروات، موضحة أن وجبات السمك التي تثري المائدة الجيبوتية طوال السنة تغيب خلال شهر رمضان لاعتقادهم أن تناول السمك يسبب العطش خلال الصوم، مؤكدة أنه يحضر خلال يوم العيد بشكل كبير، بل يتسيد المائدة.
من المطبخ الجيبوتي
يبدأ الجيبوتيون الإفطار في العادة على التمر، ثم يؤدون صلاة المغرب، وبعدها يتناولون العصائر مع المعجنات، ثم الإفطار وبعده تدور كؤوس الشاي والقهوة. ولأن أغلب الناس ينامون هناك مبكرا، فإنهم يتناولون وجبة عشاء تشمل اللحم والأرز. وتعد فطائر الخمير من أشهر الفطائر في جيبوتي. وهي تتكون من دقيق تضاف إليه خميرة فورية، حبة البركة، بيض، حليب بودرة وماء، وخميرة حلويات وسكر بعد خلطها تترك لتخمر ثم تقلى في الزيت.
كما توجد فطائر «باجية» وهي تتكون من الفاصـوليا الصـغيرة المنقوعــة في الماء ليلة كــاملة، ثم تطحن في خـلاط يضــاف لها بصـل وكزبرة، وفلفل أخضر، مع ملح خميرة فورية، وتجمع وتقلى في الزيت على شكل كويرات.
ويتم تقديم بعض الفطائر إلى جانب «باجية» ومنها على الأخص سمبوسة بالخضراوات واللحم والبصل المفروم، بالإضافة إلى شعيرية مقلية في الزيت وتقدم مع السكر، كما يتم تجهيز خبز «الحاح» وهو يشبه الكريب الفرنسي ويتكون من ماء وخميرة ودقيق، ويقدم مرفوقا بالعسل خاصة عند السحور، بينما يقدم «الحاح» يوم العيد بطريقة مختلفة، بحيث يدخل في مكوناته البصل، الثوم بالإضافة إلى الكركم، ويقدم صباح يوم العيد.
وبالنسبة للحلوى فهناك ما يعرف باسم «مخبزة» بضم الميم، وهو عبارة عن رغيف جيبوتي كبير يفتت ثم يضاف له الموز والعسل ويخلط في الخلاط الكهربائي، بينما كان في السابق يخلط باليد بقوة، ويتم تناوله في رمضان أيضا، أما الشاي فيتم تطييبه بإضافة أعواد القرفة والهيل. كما لا يستغني الناس عما يعرف بحلوى اللوز وحلوى أخرى تشبه الجيلي.



تجربة الاغتراب الدبلوماسي
تقول السيدة أمينة جوليد إنه بحكم ولادة أبنائها في أماكن مختلفة حول العالم، فإنهم تعودوا على تجربة الغربة. ومع ذلك فهم «يعرفون كل شيء عن بلدهم»، كما يحتفظون بذكريات من مختلف دول العالم، موضحة أن ذلك يساعدهم على الانفتاح على حضارات شتى ويغني تجاربهم.
ومن جانب آخر، تقول إن عيش والدتها بقربها يساعدها على تجاوز هذا الاغتراب كما يخلق جوا أسريا رائعا، كما أن الإقامة في الإمارات تخفف عن أسرتها الكثير من مشاعر الغربة.

عادات
في العيد، اعتاد كثيرون ذبح المواشي للتوسعة على الفقراء، ولتعم الفرحة على الجميع، كما يقبل كثيرون على أكل السمك المقلي بصفة خاصة، مع الأرز الأبيض وصوص أحمر «صالونة». ويتوقف أهل جيبوتي عن أكل السمك طوال رمضان، لاقتناعهم بأنه يسبب عطشا شديدا. لذلك يتناولونه بكثرة في العيد.


الدرع .. زي تقليدي ترتديه المتزوجات فقط

تشير حرم السفير الجيبوتي إلى أن عيد الفطر في بلدها تستقبله النساء بنقوش الحناء، وتجهيز الحلويات كالكعك وغيرها من الحلويات، كما تلبس النساء الملابس التقليدية وأكسسوارات تتكون عادة من «اللوبان» وهو نوع من الأحجار وتتزين بشرائط العقيق التي توضع على الجبين، بينما تلبس النساء المتزوجات «الدرع»، وهو ثوب تقليدي لا تلبسه العازبات في جيبوتي، وترتديه المتزوجات فقط، وتلبسه أيضا النساء ليلة القدر.
وبالنسبة للرجال، يوجد هناك زي «المكاوي»، وهو رداء يشبه الساري ويرتديه الرجل حول الخصر خاصة ليلة زفافه.
ويختلف الزي في المدينة عنه في البادية، بحيث يلبس الرجال الملابس الفضفاضة البيضاء القطنية وهو رداء يسمى الثوب ويغطي إلى ما تحت الركبة في البادية، وتلقى النهاية الأخرى فوق الكتف، أما المرأة فترتدي عادة «الديراك»، وهو زي طويل وخفيف مصنوع من القطن أو البوليستر وتلبسه النساء فوق زي آخر كامل.
وتميل المرأة المتزوجة إلى ارتداء شال معروف باسم جاربسار. بينما ترتدي البنات صغيرات السن ملابس تقليدية تتكون من قطعتين تنورة وقميص، وعادة ماتكون تحمل أشكالا هندسية مربعة الشكل بألوان مختلفة.