الملحق الثقافي

عوالم البريق والخشونة

في العام 1996 فقدت بولندا إحدى قاماتها السينمائية المتمثلة في المخرج كرزيستوف كيزلوفسكي، الذي استقى رصيده الفني من إرث ضارب في الرؤى البصرية الموصولة بحراك سياسي واجتماعي، وبمعالجات متفردة جعلته يصيغ عوالم وبيئات بصرية أكثر خصوبة وبريقا من راهنية اللحظة التاريخية الحرجة، ومن واقعيتها الخشنة أيضا.
فبجانب المخرج البولندي العبقري: «أندريه فايدا» فإن الأسلوبية المميزة لمناخات كيزلوفسكي السينمائية، أسست له اسما وحضورا عند النقاد، وفي أروقة المهرجانات الأكثر شهرة وعراقة في العالم مثل «كان» و»فينيسيا» و»برلين».
وكيزلوفسكي المعروف بعناده ومشاكسته، رحل قبل أن ينجز مشروعه الخاص في تحويل السينما إلى واقع بديل يسمو فوق التجاذبات والصدامات البشرية، ويصبح أقرب إلى اليوتوبيا الملموسة أو الحلم المتمرد على الأسطورة وما تستدعيه هذه الأسطورة من وهم وبراءة وخيالات متلاشية ومنسية، رحل كيزلوفسكي متذمراً من الحياة نفسها، تاركاً هموم المجتمعات الحديثة لرحمة الخلاص الفردي، بإزاء المزاج النزق للمتحكمين في مصير العالم.
خرج كيزلوفسكي من المهرجانات السينمائية غاضباً مرتين، مرة عندما فاز فيلم: «رواية الجيب»ـ pulp Fictionللمخرج الأميركي كوانتين تارانتينو بالسعفة الذهبية لمهرجان كان السينمائي في العام 1994 واعتزل في يخته دون أن يدلي للصحافيين سوى بتعابيره المتجهمة التي لم تكن لتحتاج إلى تعليق، ومرة ثانية عندما صنف فيلمه الذي حمل عنوان: «أزرق» كفيلم فرنسي في احتفالية الأوسكار عام 1993، فهذا الفيلم الذي كان إنتاجا فرنسيا وبولنديا مشتركاً لم يكن يحتاج سوى لفضّ اشتباك إداري وقرار تنظيمي للقائمين على الأوسكار الذين انحازوا للغة السرد ومناخ الفيلم المصور في فرنسا، لتثور انفعالات الغضب لدى كيزلوفسكي الذي يعتبر نفسه بولندياً في المقام الأول وعلى الفيلم أن يتبع جنسية مخرجه بغض النظر عن موضوعه ولغته وشخصياته، فهو الذي قال مرة: «أشعر أنني بولندي، وبشكل أكثر تحديدا، أشعر وكأنني منتم لإحدى القرى الصغيرة في الشمال الشرقي من بولندا، حيث أمتلك بيتا، وأتسلى بالوقت، ولا صفة لي هناك، سوى كوني حطّاباً»!
بدأ كيزلوفسكي حياته مخرجاً للأفلام الوثائقية التي ركزت على المعوقات الاجتماعية والاقتصادية والتي اندلعت وسط أجوائها المتوترة الشرارة الأولى للقمع العسكري في بلده الأم بولندا، وكان فيلمه الأول بعنوان: «آماتور» الذي أنتجه في العام 1979 ذا صبغة تهكمية رغم تناوله لموضوع الفساد المستشري في المصانع القروية، أما فيلمه الثاني: «الفرص العمياء» الذي أنتجه في العام 1981 فقد منع من العرض مدة خمس سنوات قبل أن يفرج عنه في العام 1987.
ومع ظهور فيلمه: «ديكالوج» في العام 1988 والمستند على الوصايا العشر، حجز كيزلوفسكي مكانه كأحد المخرجين المعاصرين الكبار، وهذا الفيلم الذي يمتد زمنه لعشر ساعات تم تمويله من قبل التلفزيون البولندي، وفي نفس العام أخرج فيلمين مهمين هما: «فيلم قصير عن القتل»، و:»فيلم قصير عن الحب»، وبدا أنه فصلهما عن بعضهما قصدا، بدل أن يجمعهما في فيلم واحد طويل.
«فيلم قصير عن القتل» عبارة عن حكاية عنيفة وشرسة تتناول التماثل الظاهري والشكلي بين فعل القتل نفسه، وبين الإجراءات الأمنية الباحثة وبقسوة عن أدلة ومفاتيح حول الحادثة وحول شخصية القاتل، وفاز الفيلم بجائزة مهرجان «كان» في ذلك العام.
أما فيلمه: «الحياة المزدوجة لفيرونيك» الذي أخرجه في العام 1991 فكان أحد أكثر الأفلام التي أثارت شهية النقاد لتحليل أبعاده السيكيولوجية المعقدة، والتي لم تخل من جماليات بصرية ورهافة شعرية في تقديم صورة مقربة وضبابية في ذات الوقت عن أسئلة الذات ومتاهاتها وسط مجتمعات تخفي وحشيتها تحت أقنعة مدنية برّاقة ومخادعة. وحفاظا على نزعته النقدية المستندة على مفاهيم فكرية حول موقع الإنسان في العالم الحديث، قام كيزلوفسكي بالعمل على ثلاثيته السينمائية الشهيرة: «ثلاثة ألوان» والتي ابتدأها بفيلم «أزرق»، ثم «أبيض»، وختمها بفيلم: «أحمر»، وهي الألوان التي ترمز بالأساس لعلم جمهورية فرنسا ولفكرها الأممي الحرّ، القائم على المساواة والتآخي والحرية.
لقد أسس كيزلوفسكي من خلال عمله مبكرا في الأفلام الوثائقية لأسلوب سينمائي خاص يمزج بين واقعية الحدث وغرابة الشخوص المتأثرين والمؤثرين بهذا الواقع، وكان قاسيا مع المادة الفيلمية بين يديه، ومفضّلا حذف المشاهد كلها إذا لم تتماشى مع المجرى الأساسي أو الهدف المرصود في ذهنه حول الفيلم، ففي عمله الوثائقي: «عمال 71» صور فيلمه بمجال بصري واسع هو 25 إنش، والذي يعدّ حتى في المقاييس الغربية، مجالا مبالغا فيه جدا، وكان منغمسا في العمل مثل شخص مهووس، أما العمل نفسه فكان إحدى الخبرات الكبيرة بالنسبة لمساعديه الشبان من مصورين وتقنيي صوت وإضاءة، لقد كانت لكيزلوفسكي هيكلية مسبقة يستند عليها قبل شروعه في التصوير، وكان يعتمد كثيرا على المجاميع ويختار اللقطات البعيدة والعالية لإضفاء البعد الملحمي على أفلامه، خصوصا المبكرة منها، حيث ألغى في أفلامه الروائية اللاحقة ما يسمى: بـ»وهم المجاميع»، أو بحضورها الافتراضي، ولم ينقلها بشكلها البصري المحض.
اعتمد كيزلوفسكي كثيرا على مساعديه التقنيين وعلى عدة باحثين،عندما كانت نظرة السلطات البولندية للأفلام التسجيلية أشبه بترصد شخص يتوقع منها ارتكاب جريمة في أية لحظة، وكان يبحث طويلا قبل الشروع في تصوير عمله القادم، مؤمنا بوجود علاقة داخلية ما بينه وبين موضوع فيلمه، وحتى الطاقم المساعد له كان عليه أن يتفهم خصوصية هذه العلاقة وأن يتعايش معها، وكان يجلس لساعات ممتدة مع الممثلين الواقعيين في أفلامه الوثائقية، ويملك هذه الصفة النادرة، وكأنه المستمع للخطايا في الكنيسة، ولم يكن ليفرض نفسه على الناس البسطاء الذين شاركوه بملامحهم البائسة وظهروا في أفلامه مثل أشباح منكسرة وذاهبة لمجهولها، في وقت كانت فيه بولندا تتعثر وسط أزمتها الاقتصادية وتمارس السلطات أساليبها البشعة لإطالة أمد الخوف وعدم الاستقرار حتى لا يشعر سكانها بخطورة هذه الأزمة ونتائجها الكارثية المحتملة.
ففي فيلمه التسجيلي بعنوان: «عمال المرفأ الليليين»، كان كيزلوفسكي يتلمس يوميات هؤلاء العمال في المصانع البائسة، وكان يضفي مناخاً روائياً مفعماً بالمشاعر مبتعداً بذلك عن حس الريبورتاج التلفزيوني الذي يحول الشخوص إلى علامات محايدة ومتحركة في أفق بصري يجب ملؤه حيثما اتفق.
واعتبر هذا الفيلم أحد أنجح أفلام كيزلوفسكي الوثائقية على الإطلاق، ولم يكن أحد من المسؤولين وقتها راغباً في عرض الفيلم، لأنه يكشف الكثير عن الإجراءات اللاإنسانية للمجتمع التوليتاري وعن توجهات الأشخاص المنتفعين من خلق هذه المجتمعات والذي كان المرفأ الليلي جزءاً صغيراً منها.
أما فيلمه الروائي بعنوان: «الشخصية»، وهو مازال في طور التعرف على آليات العمل في السينما الروائية، فظل ماثلًا كأحد أكثر الأفلام تعبيراً عن شخصية كيزلوفسكي نفسه، لقد عمل في هذا الفيلم كمتدرب مسرحي، يعي جيدا ما يحدث في خبايا وخفايا الكواليس، ولكن حتى تلك اللحظة ومنذ بداية عمله في مهنة الإخراج، فإن تجربته مع الأفلام الروائية كانت فقيرة جدا، لقد كان مهووسا بالممثلين الذين اختارهم، وفي نفس الوقت كان مرعوبا من فكرة التعامل معهم كمخرج.
تستند فرضية كيزلوفسكي السينمائية على مقولة أن: «العالم الذي لا يمكن وصفه بدقة، هو عالم غير موجود أصلا»، لذلك كان إنجازه السينمائي مكثفا وقصيرا، كما هي حياته، حيث كان عليه فقط رؤية ذلك الجزء الصغير من العالم الذي عاشه ونعته بما يستحق من ازدواجية مترنحة بين الخير والشر، والموت والميلاد، والطفولة والشيخوخة، والحنين والخيبة.

هيفاء المنصور تترأس لجنة تحكيم في مهرجان فينيسيا

اختيرت المخرجة السعودية هيفاء المنصور لتترأس لجنة التحكيم الدولية الخاصة بجائزة «لويجي دي لاورينتيس» التي ستمنح جائزة «أسد المستقبل الذهبي» إلى أفضل مخرج شاب في الدورة السبعين من مهرجان فينيسيا السينمائي الدولي الذي سيقام في الفترة من 28 أغسطس وحتى السابع من سبتمبر المقبل. ويأتي اختيار المخرجة السعودية لهذه المهمة رفيعة المستوى تتويجًا لسنة من النجاحات حققها شريطها الروائي الطويل الأول «وجدة»، الذي افتتح عروضه في مهرجان فينيسيا تحديدًا، وطاف مهرجانات عديدة، وحقق جوائز مهمة في مهرجاني دبي والخليج الماضيين، وفاز بجائزتي أفضل فيلم في كلا المهرجانين. وكان حضور هيفاء المنصور وشريطها في مهرجان فينيسيا أثار اهتمامًا كبيرًا من النقد والجمهور، فإضافة إلى أنها كانت المشاركة الأولى على الإطلاق للمملكة العربية السعودية في أعرق مهرجان سينمائي عالمي، فقد اعتبر إنجاز المنصور «خطوة مهمة في طريق إطلاق طاقات المرأة السعودية والعربية في مجالات الإبداع والحوار المجتمعي». وقد دعا النجاح الكبير، الذي حققته بشريطها الروائي الأول، مجلة «فاراييتي» السينمائية الأميركية الشهيرة إلى إدراج اسمها من بين أسماء «10 مخرجين للمشاهدة» في عام 2013.