الملحق الثقافي

دروس المدن الإيطالية

فلورنس.. التاريخ الرابض في الشوارع

فلورنس.. التاريخ الرابض في الشوارع

د. هند السليمان

الغريب يزور مدينة للمرة الأولى كيف له أن يفهمها؟ كيف تُفهم المدن؟ هل زيارة معالمها السياحية الشهيرة بمتاحفها وأسواقها وتذوق طعامها كافٍ؟ وإن أراد أن يكون سائحاً ذكياً، هل زيارة الأزقة الضيقة والأماكن المخفية عن السائح هو ما يجعلنا نفهم روح المدينة ونتذوق نكهتها؟ الإجابة بلا أو نعم مضللة في كلتا الحالتين، فسؤال كهذا يلزمنا فهم المدينة وتعريفاتها بمفهومها لا الجغرافي المادي فقط بل والثقافي والنفسي، ولأن تعريف المدينة قد يكون محله أحد الأبحاث، فسنحاول هنا الإجابة على السؤال واضعين في الاعتبار أن للمدينة تعريفات متعددة الزوايا والطبقات، كما بنية المدينة ذاتها، ولعل أحد أفضل الطرق هو أن يقدم كل شخص تعريفه الخاص للمدينة، بما يعكس تجربته كما شكلته المدينة في مخيلته ووعيه.
في رحلة ما بين روما وفلورنس تجدك تغوص ما بين قصص التاريخ والآثار في روما، والفن وعظمة الإنجاز البشري في فلورنس. إلا أن ما يهم وما يثير الخيال حقاً في رحلة كهذه هو التعرف أكثر إلى الإنسان. مراقبة كيف يحيا الناس حيواتهم ضمن اشتراطات مختلفة، وهل فعلاً تختلف الاشتراطات أم أننا نتصورها كذلك؟ المشي في أزقة روما والتجول بلا هدف غير اكتشاف شوارعها، تنظيمها، نوعية وطبيعة مُشاتها، وما يكشف هذا عن البنية الذهنية لسكانها، هو ما يمنحك فرصة أعمق للاقتراب من روح المدينة. في الزيارة الأولى لمدينة جديدة، أول ما أفعله هو الحصول على خريطة المدينة ثم وضع علامة لموقع سكني على الخريطة، لتبدأ جولة الاكتشاف سيراً على الأقدام بلا هدف محدد. الخريطة لن تكون مرشداً في التجوال، بل فقط لإيجاد طريق للعودة للسكن حين تنتهي الجولة بانقضاء اليوم. أُخرج الخريطة وأسأل أحد المشاة أين هي أقدامي على الخريطة، لأتبين من ذلك طريق العودة إلى السكن. قد أضيع قليلاً حتى أصل للسكن ولكن في الضياع بعض من الاكتشاف.

حب ونفور
ما هي المدينة، إن لم تكن المنتج المادي لمجمل ذهنية سكانها؟ كل مدينة هي انعكاس أو تمثيل للبنية العقلية لساكنيها. لذا، بعض المدن حين ندخلها نقع في غرامها مباشرة وبعضها نشعر بنفور لا يمكن تفسيره، مع أن المدينة تعج بالأماكن السياحية. مدن أخرى نقع معها على الحياد المتشكك، إنه موقفنا ذاته من الأفراد الغرباء. ردة فعلنا هذي لا تأتي من جودة المنتج السياحي للمدينة، بل كيف يُلون سكان المدينة منتجهم، وذلك وفق تصوراتهم الذهنية وطبيعة انفعالاتهم. وإن وجدنا في تلوينهم هذا، ما يروقنا، أحببنا المكان والمدينة.
في روما، أمران جديران بالملاحظة: غياب المباني الزجاجية تماماً عن فضاء المدينة، وتلازم هذا مع غياب ستاربكس بشكل كامل عن المدينة! الأمر الآخر، علاقة سكان المدينة بالطعام، فأهلها يشربون الكحول كثيراً ولا يسكرون، وكذلك يأكلون كثيراً ولا يسمنون! منذ وجبة الغداء في الثانية ظهراً تجد كؤوس النبيذ تُقدم، وحين تتجول في المدينة متأخراً إلى ما بعد منتصف الليل لا يصادفك السكارى. الأمر نفسه مع الأكل، الخضراوات والفواكه قليلة في المطبخ الإيطالي، بالمقابل تحضر المعجنات من الباستا إلى الحلويات ومع هذا فسكانها يجوبون المدينة بأجساد معتدلة جداً. فما السر هنا؟
في فلورنس وعبر دينيس، العجوز الإيطالي، استطعت الاقتراب أكثر من ذهنية سكانها. من استاجرت شقته في مدينة فلورنس اقترح عليّ أن يصاحبني والده ليعرفني على المدينة. كان خياراً جيداً لكلانا، فبهذا سيُخفف الأرمل الستيني من شعور الوحدة لديه، وأنا سأتخفف من شعور الجهل بالمكان وكذلك من وحدتي. لم يكن دينيس من سكان المدينة فهو هنا في إحدى زياراته المتكررة لولده. أثناء تجوالنا، كان دينيس يُكثر من الضياع في شوارع المدينة، وحين نُقرر التوجه لأحد المتاحف نُمضي نصف الوقت، ونحن ندور في الشوارع بحثاً عن المتحف، وأحياناً يكون الدوران بالشارع ذاته! حين اقترحت عليه إخراج الخريطة وإتباعها، نظر إليّ بهلع، وقال: أنا إيطالي كيف لي أن أسير بمدينتي وأنا أحمل خريطة؟! بل حتى سؤال المشاة العابرين يرفضه، فهذا فعل لا يقوم به إلا السياح. كان يضع حداً فاصلاً بين السكان والسياح، فللسياح سلوكياتهم وأماكنهم، والتي تختلف عن سكان المدينة «الحقيقين» كما يسميهم دينيس. فمثلاً، حين نشعر بالجوع ونرغب في الذهاب لمطعم، تأخذنا العملية أكثر من ساعة لاكتشاف مكان يتناسب ومعاييره، وهي المعايير ذاتها التي تجعله إيطالياً بحق لا مجرد سائح، بحسب وجه نظره. فلابد من قراءة وتفحص «منيو» المطعم أولاً، فالمطعم الذي يقدم «سباجيتي بولينيز» أو «الفريدو فيتوشيني» لا يُعد مطعماً أصيلاً، فهذه مطاعم أُعدت للسياح، ثم يبدأ بشرح تاريخ قدوم السياح، وتحديداً ممثلي هوليود، إلى إيطاليا في خمسينيات القرن الماضي، وكيف أسهم هذا بتشكيل أطباق جديدة لا تمت للمطبخ الإيطالي، بل تنتمي للذائقة الأميركية! ليس هذا فقط، بل ليكون المطعم إيطالياً أصيلاً، عليه ألا يفتح للعشاء إلا بعد الساعة الثامنة مساءً، ومن يفتح قبل هذا، فهو مطعم تم تصميمه للسياح، وبالتالي يحتل قيمة أقل. فتخيل أن يُداهمك الجوع عند الساعة الخامسة مساءً وأنت تتجول بصحبة دينيس، حامي المطبخ والثقافة الإيطالية هذا، عليك حينها الانتظار لثلاث ساعات ليسمح لك بالأكل! ولكن لعل للمتعة ضريبتها. فلم يكن الأمر بهذا السوء، فصدقاً المطاعم التي اصطحبني إليها مختلفة بفارق نوعي، متميز جداً عما اعتدته من طعام إيطالي، كانت مطاعم شهية بحق، فلعله كان محقاً بوجهة نظره. الأمر الآخر، مع هذا العجوز شعرت وكأنني عُدت مراهقة في الثانية عشرة من عمرها تقوم بزيارة لجدها الإيطالي. جد نزق، عصبي، ثرثار، ذكوري وتقليدي، هاوٍ للفنون والموسيقى وذو حاسة تذوق فاخرة للطعام، كانت تجربة جميلة تستحق العيش.
دينيس، أرمل منذ خمس سنوات، يقيم وحيداً في مدينة لا تبعُد كثيراً عن فلورنس. أخبرني أنه منذ سنوات قليلة التقى حبيبته الأولى، التي أحبها حين كان طالباً في الثانوي. كان لقاء مصادفة فقد تفرقوا منذ دخولهما الجامعة، ليلتقيها وهو أرمل ستيني. حين صادفها كانت على علاقة مساكنة مع رجل آخر، وبالوقت ذاته على علاقة عاطفية مع صديقة لها، وهذا لم يكن سبباً في أن لا تُعيد علاقتها العاطفية مع دينيس. الأربعة يعلمون عن بعضهم بعضاً، بل ويلتقون أحياناً مصادفة أو في أحد المطاعم كأفراد عائلة. دينيس كان يحكي هذا من دون ارتباك عاطفي، تحركه مشاعر غيرة أو ارتباك أخلاقي تحركه مشاعر دينية، بل كان يحكي كوقائع وتفاصيل حياتيه يومية. على أي حال، للبشر طُرقهم المتعددة للعيش، ومن نحن لنحاكم الآخرين. ما أثار استغرابي أننا في مرة كنا نمشي بقرب الكنيسة الأكبر في فلورنسا بمبناها فائق الفتنة. وحين طلبت منه الدخول لرؤية الكنيسة من الداخل، قال لي: لا يمكنك ذلك بفستانك القصير. سألته: أهو ممنوع؟ قال: لا، ولكن احتراماً للكنسية! صدقاً لم أفهم. لماذا لم يجد في علاقته العاطفية ما يُناقض احترام الكنيسة؟
في يوم آخر وفي طابور، انتظاراً لدخول أحد المتاحف، اشتكيت من سوء التنظيم الذي يجعل عملية الانتظار مضاعفة، نظر إلي دينيس وقال لي بضجر: إن كنت تريدين نظام اذهبي إلى أميركا، أما إن كنت تريدين جمال فتعالي إلى إيطاليا! أردت مشاكسته، فقلت له: أريد الاثنين. نظر إليّ وكأنه ينظر لحفيدته الساذجة والمزعجة، وقال: لا، لا يمكن ذلك. هل كنت ساذجة حقاً؟ هل في بعض الفوضى توازناً يحقق جمالاً ما في الحياة؟ ألا توصف الشخصية الإيطالية باعتبارها شخصية عابثة فوضوية، هل هذا أحد عيوب الشخصية الإيطالية أم سر عبقريتها؟ ألهذا يأكل الإيطاليون الباستا بكثافة ولا ترتبك أجسادهم، كما لا ترتبك وتترنح مع كؤوس النبيذ العديدة؟ أهو التخلي عن المثالية في التنظيم والأداء، مقابل استرخاء بسيط وغير متكلف، هو ما حقق لهم جمالية عيشهم؟
صورة مختزلة
في أحد أحاديثنا، سألت دينيس لماذا تصادف السائحة في روما كثيراً من العروض للحصول على متعة جنسية سريعة، وإن كانت عروض تُقدم من دون تطفل، فبمجرد رفض السائحة، يذهب الرجل بعرضه، ربما إلى سائحة أخرى. دينيس أرجع الأمر إلى الصورة النمطية الرومانسية المختزلة عن مدينة روما، هذه الصورة المختزلة تُسهم في تشكيل حلم السائح الغريب أو الغريبة بتجربة الجنس والحب على الطريقة الإيطالية في المدينة العتيقة والجميلة. هذه التصورات تجعل بعض السياح يأتون محملين بهذه الرغبة، لتنسحب هذه الصورة النمطية على بعض سكان المدينة، حيث يتوقعون أن السائح يأتي محملاً بهذه الرغبة وهذا الحلم، لذا تكثر هذه العروض في المدينة. انطلق دينيس بعد ذلك للحديث عن طبيعة العلاقات العاطفية في إيطاليا، عبر تبيان الفارق بين مفهومي: علاقة الليلة الواحدة أو ما يسمى «وان نايت ستاند» الأميركي وعلاقة رومانسية وهي ما يستخدم للوصف في إيطاليا. في علاقات الليلة الواحدة، كما يحدث في أميركا، بحسب دينيس، يذهب أحدهم أو إحداهن إلى البار ليشرب حتى يفقد بعضاً من وعيه، مما يجعله يتخفف من قيوده الداخلية من مخاوف أو ارتباكات شخصية. وهناك إن كان محظوظاً وجد ضالته في أحد/‏ى الموجودين هناك. علاقة كتب لها أن لا تستمر. هي علاقة لتحقيق هدف براجماتي محدد. علاقة تتماشى والذهنية الأميركية، البسيطة والمباشرة والبراجماتية، ولكن الحذرة جداً فيما يخص اشتراطات السلامة. هذا الشكل يحافظ على السلامة النفسية والعاطفية للفرد عبر حمايته من الوقوع في متاهات العلاقات وتكلفتها العاطفية. فوسط إيقاع الحياة السريع الصاخب لا وقت للفرد ليمنح العلاقات والمشاعر جزءاً من يومه، لتصبح علاقة لنهاية أسبوع بلا تكلفة لأي حمولات أو تبعات ممارسة مريحة، خاصة ممن يسعون لبناء نجاح حياتي، وما يستلزم هذا من ضرورة تركيز وقتهم وطاقتهم على أمور أخرى. فمثلاً، العاملون في منتصف العمر يتوجه جل تركيزهم على أدائهم المهني، أما المتزوجون غير الراغبين في خوض تجربة الطلاق أو الانفصال، فتكاليف ذلك عالية، لذا علاقة عابرة تحقق لهم مرادهم من متعة تتوافق ووقتهم المحدود.
وفق دينيس، في إيطاليا مفهوم علاقات الليلة الواحدة غير موجودة، ولكن يقابلها ما يسمى علاقة رومانسية، بمعنى أن لا تحديد زمني بمدتها، ولكن علاقة لا تتطلب تعقيدات ومقدمات طويلة لتحقيقها. لا يحرك العلاقة الرومانسية الخوف من العواقب وتعقيدات العواطف بالمنظور البرجماتي بل عبر فلسفة عيش اللحظة الجميلة، لتصبح هذه العبارة متوائمة مع شكل الطابور الإيطالي. فهناك طابور يحركه النظام، وطابور يحركه سعي للجمال، وهذه الفلسفة ذاتها تنطبق كذلك على العلاقات؛ علاقات براجماتية وفق نظام ما محدد، أو علاقات لا تسعى إلا إلى الجمال على الرغم من الفوضى فيها. فتشكل الطابور بشكل مجرد ممارسة تحركه ذهنية، هي الذهنية ذاتها التي تحدد علاقاتنا بالآخر وتصوراتنا عنه وعن الذات.
قد يكون منظار دينيس متحيزاً في تفسيره، ولكن عملاً بقاعدة أستاذي في مادة التحليل النفسي: «حين يُخبركم أحدهم حكايته، صدقها، فهي حكايته، ولكن لا تتوقف أبداً عن التشكّك بها. عليك أن تصدق وتتساءل بالوقت ذاته». هكذا يرى ويحكي إيطالي عن بلده وثقافته وناسه، فليس لنا إلا أن نصدقه. أما السائح فليس بالضرورة عليه عيش خيارات الإيطالي أو الأميركي، يكفيه تأمل جماليات الخيارات الإنسانية وتعدد التجارب الإنسانية، والتي تكشفها المدن لنا، بما تمنحه من نمط متنوع ومتعدد للعيش. فالمدن في المحصلة لا تُعرف بالبيوت والشوارع بل بالإيقاع اليومي لسكانها وكيف يعيش الأفراد فيها. وكيف يعون نمط عيشهم.

تاريخ الباستا
نشأت الباستا وصنعت في إيطاليا، وهي لفظ مرادف لـ«العجينة». وهناك تقريباً 350 شكلاً مختلفاً من الباستا.
ويعتقد العديد من الأشخاص أن الرحالة ماركو بولو كان قد أحضر الباستا من الصين إلى إيطاليا في إحدى رحلاته، ولكن هذا الأمر غير صحيح، حيث إن الباستا كانت قد أصبحت من الأطعمة التقليدية في صقلية، ومدينة كالياري، وجزيرة سردينيا قبل عودته من رحلته عام 1296. وهناك وثائق تاريخية ووصفات ترجع لعام 800 م، وكانت تحتوي على وصفات للباستا المجففة المصنوعة من القمح الصلب.
وهناك قصص تدّعي أن امرأة ريفية تدعى «لبيستا» هي من قامت بابتكار باستا الرافيولي المحشوة واللازانيا، ولكن هناك نوعاً من الباستا المحشوة الشبيهة بالرافيولي يمكن تتبع أصولها للقرن الحادي عشر في العالم العربي، وعندما قام الإيطاليون بنقل هذه الأصناف صنعوا باستا محشوة بحجم صغير وأسموها Tortellini، أي الكعكات الصغيرة وغالباً ما كان يتم قليها.
ويقول المؤرخون أيضاً إن مكرونة الاسباجيتي لم يتم ابتكارها في منطقة حوض البحر المتوسط، وإن أصل نشأتها كان في العالم العربي وأفريقيا، حيث تشتهر هذه المناطق بقمح الكاموت المستخدم في صنع باستا ذات جودة عالية.