الملحق الثقافي

الكنز الداخلي

إدراك اللحظة طريق إلى وعي الذات وتحقيق الصفاء الداخلي (من المصدر)

إدراك اللحظة طريق إلى وعي الذات وتحقيق الصفاء الداخلي (من المصدر)

المارية حامد

«وعي اللَّحْظَة»، هذه العبارة البسيطة العميقة المدلول، لا تغيبُ عن ذاكرتي. بل هي تظل «خَيَالَ» فكرةٍ غير مُتجسِّدة، والخيالُ يتمظهرُ عادةً في الظَّلام... والظَّلامُ يتلاشى في حضرةِ النور... إلى أن يحين أوان تظهير الفِكرة، فيُسلِّطُ عليها الفكر ضَوءه، لتُطبَّق بوعيٍ وإدراك ولتتحوّل فَهمًا ومعرفةً حياتيَّة... فجأةً صَدحت عبارة أخرى في رأسي كصفارة إنذار»التَّجربة والبُرهان لا يأْتيان إلاَّ عند التَّطبيق العملي» هذه المقولة اعتاد عليها طالب المعرفة! حيث إنَّ التَّطبيق العملي للمعرفة هو العمود الفقري، وحجر الأساس الذي يبني عليه المختبِر تجاربه واستنتاجاته لإيجاد الإجابات عن أسئلته أو الحلول للمُنَغِّصات التي تواجهه، حيث إنّه هو المختبِر وهو أيضًا المختَبر في آنٍ معًا!
هذا ما تُذَّكرنا به دائماً علوم الإيزوتيريك (علوم باطن الإنسان). ويُعدّ مركز علوم الإيزوتيريك المركز الأوَّل من نوعه في العالم العربي- منشأه لبنان- بيروت، برعاية وتوجيه مُؤسِّس هذه العلوم القيّمة الدكتور جوزيف مجدلاني (ج.ب.م). ولديه أكثر من مئة مؤلف حتى تاريخه، هذا وتُرجم عدد كبير من كتب الدكتور مجدلاني إلى لغات أجنبيّة، وقد ألقى آلاف المحاضرات المجانيَّة في مركز الإيزوتيريك، منذ تأسيسه في أواخر الثمانينيَّات في بيروت، أيضًا وأيضِاً قام بنشر آلاف المقالات في الصحف والمجلات المحليّة والعربيّة والأجنبيّة. وتعريف منهج الإيزوتيريك باختصار هو التالي: «ان العلم الأفضل والأهم هو ذلك الذي يمكن تطبيقه عملياً... ذلك الذي يؤدي بالإنسان إلى التطور من خلال هذا التطبيق... ولا فائدة ترتجى من علم يقوم على النظريات، ولا يقدم سوى النظريات!! والواقع أن هذا القول الصائب يختصر منهج الإيزوتيريك. فعلم الإيزوتيريك لا يرتكز إلا على التطبيق العملي... بل هو التطبيق العملي لمجمل العلوم والمعارف والمبادئ التي تسير بالإنسان نحو التطور الذاتي». استشهاد من موقع الإيزوتيريك الرسمي، بيروت-لبنان (1).

نحو وعي الذات
فاجأتني خيوط الشمس الذهبيَّة وهي تتسلَّل بخجلٍ من نافذتي، فخيوطها الشَّفَّافة لامست فكري برقّةٍ ونعومة لتُذكرني بجُرأة ووضوح، كوضوح هذا الصباح، «إنه يوم الاختبار»، فانتعش فكري وهمس مُذكرًا: «عليكِ ألا تنسي اكتساب الهدوء الدَّاخليّ»، فتمعنت بهذا الهمس وقلت في نفسي: «صحيح من دون الهدوء الدَّاخليّ ستكون التَّجرِبة ناقصة، فالهدوء يمهد الطريق للاختبار، فاسحًا في المجال (للوعي) كي يتوغّل، ليبُثَّ نوره في كياني».
عاد فكري إلي برسالةٍ أخرى وهي «الصَّفاء الذِّهني»، فتمعنت فيها وحاولتُ أنْ أجد الرابط بينها وبين الجملة التي سبقتها، ثم استدركت أنَّ «الهدوء الدَّاخليّ يُعزّز الصَّفاء الذِّهني!». ولكنني تساءلتُ مجددًا: «كيف أحقِّق الهدوء الدَّاخليّ إنْ لم يجتحْ كياني فعلًا؟!، فالمرء يفقد الهدوء الدَّاخليّ ويختلّ توازن النَّفس لديه، عندما يواجه المصاعب في الحياة، ولكن ما هو سبب هذا الاختلال؟!!!».
وجدتني في حوار مع فكري الذي عاد إلي بمداخلة سريعة وهي: «هذا إنْ أهملتِني وفَضَّلتِ المشاعر عليّ!». سألته: «وماذا لو فَضَّلتُك أنت فقط، ألا يسمى هذا اختلالًا أيضًا؟». فأجاب: «أنْ توازني بيني وبين المشاعر هو الحل الأمثل، أنا من يَلجِم انفعالاتها ويقوِّم تفاعلاتها!، أنا من سيأتي بسُبل النَّجاة عند هبوب العواصف، أنا هو من يُعيد الأمور إلى نِصابها!» فسألته من جديد: «ومن الذي يقودُ هنا في حال تحقَيق التَّوازُن المنشود بينك وبين المشاعر؟!»
أحسستُ بثقلٍ في رأسي، وناشدت فكري أنْ يُمهلني قليلًا من الوقت، فقد اِنهال عليَّ دفعةً واحدة! وشغلني برسائله المُتتالية، وما عُدت أذكر كم مضى من الوقت على «حوارنا» الصامت.
لكن فكري نَبهني قبل أنْ يهدأ ويستكين: «لا تنسي مُهمتك الأولى وهي (وعي اللَّحْظَة)»، فتساءلت مجددًا في قرارة نفسي: «كيف أعي اللَّحْظَة وأنا في زِحام هذه الأفكار؟ هل يهزأ بي فكري؟! لقد شغلني مرّةً ثانية. لم لا يتركني ارتاح لبعضِ الوقت؟». وفي خضم تساؤلاتي تذكَّرت أنَّ إدراكي زَخْم الأفكار، هو بحدّ ذاتِه فهمٌ لآنيّة «وعي اللّحْظَة»، وإدراكٌ واستشفافٌ لها أيضًا!
تسلَّلت عيناي بنظرةٍ خاطفة عبر زجاج النَّافِذة اللاَّمع، وتفاجأتُ بقرص الشمس يتوسَّط السَّماء، لقد مضى الكثير من الوقت، وأنا في حوارٍ مع فكري، ووقعت عيناي على انعكاس الأشعَّة المُتكسرة على سقف الغرفة، وكأنها أفكار مُبعثرة هنا وهناك، تنتظرُ أوانَ تَجسُّدِها في الزمنِ الحاضر! فتساءلتُ من جديد: «هل الذي اختبرته الآن هو ما يُسمّى بـ (وعي اللَّحْظَة)؟».
لم أعدْ أشعر بالوقت، فكري متوثِّب، مشاعري هادئة، مُستكينة ومُتناغمة مع جسدي. ترى، هل هذه التَّجرِبة التي مررتُ بها للتو، هي حالة من التَّناغم والانسجام بين ثلاثيَّة «فكر، مشاعر، وجسد». وإنْ تزامن تَحقُقُ هذه الثُّلاثيَّة، هل يعني ذلك اختبار «وعي اللَّحْظَة»، حيث يغيب الماضي والمستقبل، وتبقى هذه اللَّحْظَة فقط، «لحظة الحاضر».

التحقّق الذاتي
أحسستُ بشعورٍ من الراحة والهدوء، يكتنفان كياني ككلّ، ووددت أنْ أحافظ على هذا الانسجام الدَّاخليّ طوال اليوم. أخذتُ نفساً عميقاً، وأحضرت فنجانًا من القهوة السادة، عندها تنبَّهتُ أنَّ ما أحبّه في القهوة، هو رائحتها أكثر من نكهتها! جلستُ على الكرسي في شرفة المنزل، أتمعَّنُ في حركة البُخار المُتصاعد من الفنجان، ورأيتُ مدى تكثّفهِ عند ملامسته أطراف الفنجان، تاركًا خلفهُ قطراتٍ نديَّة، وكأنها خُلاصة أفكار مُستوحاة من تجربة حواري الفكري.
تذكرتُ حينها، بعض ما قرأت في كتب الإيزوتيريك، من تفسيرات واستنتاجات وحلول، تفاعل معها فكري وتشرَّبها كياني: وعي اللَّحْظَة، يُتيح لنا رؤية تفاصيل صغيرة، تكون بمثابة محطَّات يتوقّف عندها الفكر، ليقوم بدوره في «التَّركيز، والتَّحليل، والتَّمييز، والاستنتاج» (وذلك دائمًا بحسب علوم الإيزوتيريك). هذه الوسائل الذهنيَّة تُعزِّز مقدرات الفكر، على ربط الأمور ببعضها البعض، فتوسّع مداركُنا. وبمُمارسة القاعدة الفكرية الرباعيَّة المذكورة تنتعشُ حواسُّنا، وتتحسّن حياتُنا في مُجملِها.
بدا لي أنَّ التَّفاعل الفكري، مع هذه التَّجارب الحياتيَّة البسيطة، هو بحد ذاته، عمليَّة تفعيل وبث لذبذبات عالية وراقِية من الفكر، وهذه الذبذبات تقومُ بدورها بإنعاش المراكز الباطنيَّة (أو أبعاد الوعي) في الكيان، كما تُعرّفها علوم الإيزوتيريك، وباختصار هي تشمل، الجسد، الهالة الأثيريَّة، بُعد المشاعر، بُعد الفكر، بُعد المحبَّة، بُعد الإرادة، وبُعد الروح. وهذه الأبعاد تتمدَّد وتتوَّسع وتقومُ بمَهامها على أكمل وجه، أثناء عمليّة التَّفاعل الفكري. بالتزامن مع العمل المُستمر والدّؤوب على تنقية النَّفس من سلبيَّاتها أولًا، وفي الوقت نفسه تعزيز الإيجابيَّات فيها، كأداة تحوُّل داخليّ، يؤدي إلى الانفتاح، والتَوَسُّع في آفاق النَّفس، معززًا التَّوازُن والانسجام الدَّاخليَّين فيها، فتنطلق في تفاعلاتها مع محيطها الخارجي.
توقفتُ قليلًا، مع آخر رشفةٍ من فنجان القهوة، التي أصبحت باردة بعض الشيء، وكأنها قد تأثرت هي أيضًا بما يجولُ في داخلي، من سكون وهدوء. فحتى سطح القهوة استوى كالمرآة، عاكسًا ملامح وجهي، كلما اقتربتُ من فوهة الفنجان مع كل رشفة. عندها تناولت دفتر ملاحظاتي، فهو مرآتي التي تعكس كل ما يعتمر في داخلي، من أفكار ومشاعر ورؤى، ودونتُ فيه ما يلي:
ما أجمل حال النَّفس البشريَّة حينما تتلقفُ الهِبَات من الذّات الإنسانيَّة، حين تُشرِّعُ لنا أبوابها الموصدة، بابًا تلو الآخر وتكشفُ لنا عن كنزها الدفين، الذي لا تراه العين المجرّدة. فذلك الكنز، لا يتلقف نعمته، إلّا من سعى، وطبقَ، واستفاد، وأفاد، حبًا خالصًا شغوفًا، بالمعرفة. حينها تعطف عليه ذاته الإنسانيَّة، بحنان ورقة... وتهبه بعضًا من نسائم الخلود، تأخذه في لحظةٍ تلو الأخرى، نحو لحظة الوجود... نحو لحظة الحاضر... ونحو لحظة الخلق الأزليَّة... حيثُ إنَّ الكمال بكل حنوٍ ومحبَّة، هو ساكنها الأوحد. عندئذٍ نختبرُ حالة الانخطاف والانتشاء، ونعيشُ من خلالها، بعضًا من نعيم الجنان. ونعود بعدها إلى هنا، إلى واقعنا، حيثُ نعيش ونختبر، لنُزينه بهذه الرؤى والتَّوصلات، ولنُضيفَ إليه لمسةً جديدة، ولنحكي حكايةً مثيرة، تتراقصُ فيها المشاعر فرحًا وانسجامًا مع الفكر، لينتشي بها الكيان، ويشدو بهذا الانسجام أعذب الألحان، تسودها المحبَّة والسَّكينة، ملؤها التفاؤل والإيجابيَّة.
وفي آخر صفحة، تنبهتُ أنني قريبًا سأودعُ صديقي الوفي «دفتر ملاحظاتي»، فقد شارفت رحلتي معه على الانتهاء، ولكنني سأبقى وفيَّةً، وسأعودُ لزيارتهِ من وقتٍ لآخر، وسأقلّب صفحاته وأنُاجيها، كما يُناجي الصديق صديقه في خلوتهما معًا بعد فِراق. وأحببتُ أنْ أدون فيه آخر نتيجة، لتبقى محفورةً في صفحاته كذكرى له ولي أيضًا: «عندما يصل نورُ الوعي إلى فكرنا ومشاعرنا، يرتقي بهما معًا بهدوء وانسجام إلى إحدى مرافئ الأمان، إلى مرسى التوَّازن والاستقرار، مُحملاً إياهما عبقًا من الطّمأنينة والسَّكينة. وتتجلّى هذه المشاعر الدَّاخلية المتوازنة في الخارج، كوشاحٍ من نور، يشع جمالًا وصَفاءً ورِّقة، في مُجمل تصرفاتنا مع الآخرين. فكيف إذًا، إنْ اجتاح نور الوعي كيانَنا ككُل؟!...».
إنَّ ما يصبو إليه مُطلق إنسان في هذا الوجود، هو «الوعي»... وليكنْ إذًا الوعيُ طريقَنا... وبالوعي لا غيره، وبه دائمًا، نخطو كل خطوةٍ من خطواتِنا، في حياتِنا الحاضرة، بثباتٍ وعزيمةٍ وإرادةٍ... نحو الاكتمال بصفاتِنا البشريَّة إلى الإنسانيَّة... لنَنعم بسلامٍ داخليّ... ولتستمرَّ مسيرة الوعي من اكتمالٍ إلى كمالٍ... وإلى كمالاتٍ أخرى وأخرى.

هِبَات الذّات
توقفتُ قليلًا، مع آخر رشفةٍ من فنجان القهوة، التي أصبحت باردة بعض الشيء، وكأنها قد تأثرت هي أيضًا بما يجولُ في داخلي، من سكون وهدوء. فحتى سطح القهوة استوى كالمرآة، عاكسًا ملامح وجهي، كلما اقتربتُ من فوهة الفنجان مع كل رشفة. عندها تناولت دفتر ملاحظاتي، فهو مرآتي التي تعكس كل ما يعتمر في داخلي، من أفكار ومشاعر ورؤى، ودونتُ فيه ما يلي:
ما أجمل حال النَّفس البشريَّة حينما تتلقفُ الهِبَات من الذّات الإنسانيَّة، حين تُشرِّعُ لنا أبوابها الموصدة، بابًا تلو الآخر وتكشفُ لنا عن كنزها الدفين، الذي لا تراه العين المجرّدة. فذلك الكنز، لا يتلقف نعمته، إلّا من سعى، وطبقَ، واستفاد، وأفاد، حبًا خالصًا شغوفًا، بالمعرفة. حينها تعطف عليه ذاته الإنسانيَّة، بحنان ورقة... وتهبه بعضًا من نسائم الخلود، تأخذه في لحظةٍ تلو الأخرى، نحو لحظة الوجود... نحو لحظة الحاضر... ونحو لحظة الخلق الأزليَّة.

......................................
(1) موقع الإيزوتيريك الرسمي: (http:/‏/‏esoteric-lebanon.org/‏)