الملحق الثقافي

علي الكعبي: جامعاتنا حصون منيعة ضد التطرف والأفكار الهدامة

حوار - محمود عبد الله

أكد الدكتور علي سعيد الكعبي نائب مدير جامعة الإمارات العربية المتحدة لشؤون الطلبة والتسجيل أن التعليم هو رافعة ثقافية ومجتمعية مهمة تنقل المجتمعات من حالٍ إلى حال أفضل على الصعد كافة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية. وأضاف في حوار خاص مع «الاتحاد الثقافي»، أن الدول التي لديها رؤية مستقبلية تولي التعليم الأهمية التي يستحقها، وتؤمن بأنه الخيار الأمثل لتقدمها وتحقيق أهدافها، وأنه الطريق الأقصر والأكثر سلامة لبلوغ مراميها في التقدم والتطور ومنافسة الأمم في العلوم والتقنيات، وكذلك تحقيق الرخاء الاجتماعي لمواطنيها، وهذا ما أدركته القيادة الحكيمة في الإمارات، منذ اللحظة الأولى لنشأة الدولة، فجعلت التعليم من أهم أولوياتها، فكان إنشاء جامعة الإمارات العربية المتحدة في مدينة العين على يد القائد المؤسس المغفور له بإذن الله، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان «طيب الله ثراه» في عام 1976م، مؤكداً أن الله وهب الإمارات قيادة حكيمة انتهجت نهجاً وسطياً جعل من الجامعات بؤراً للتنوير، وقلاعاً حصينة ضد التطرف... هنا تفاصيل الحوار:
يقول الدكتور علي سعيد الكعبي، إن إنشاء جامعة الإمارات العربية المتحدة شكل تغيّراً كبيراً من الناحية التعليمية والثقافية، ورفد المجتمع بكفاءات إماراتية متسلحة بالعلم والمعرفة، ساهمت في بناء دولة الاتحاد التي كانت وقتئذٍ تخطو أولى خطواتها، وكانت في أمسّ الحاجة لكل فرد من مواطنيها ليساعد في العمل في مؤسساتها المختلفة، ولا يخفي الكعبي تفاؤله، من خلال هذه الجامعة الطموحة وغيرها من الجامعات والمؤسسات الثقافية ذات الصلة، بأن تشهد الأعوام المقبلة، تطوراً ملموساً في سياسة التعليم العالي في الدولة.
ومن هذا المنظور، يقول الدكتور الكعبي: بعد ما يقارب من أربعين عاماً على قيام جامعة الإمارات كأول منارة للفكر الإنساني والعلمي في الدولة، تفاخر الجامعة بأنه تخّرج فيها منذ إنشائها ما يزيد على 50 ألف طالب في التخصصات كافة، ويشغل كثير منهم مناصب مرموقة في مؤسسات الدولة المختلفة الحكومية والخاصة. كما تم خلال السنوات الأربعين الماضية إنشاء العشرات من الجامعات الحكومية والخاصة والتي وفرت فرص التعليم العالي لكل الطلبة سواء أكانوا من أبناء الإمارات أو أولئك المقيمين فيها أو حتى أولئك الذين جاؤوا للدولة للدراسة الجامعية فقط، وذلك نظراً لتمتع جامعاتنا بسمعة أكاديمية وثقافية وعلمية مرموقة.

سياسة التعليم العالي
عن سياسة التعليم العالي في الدولة، يقول الكعبي: إن سياسة التعليم العالي في الإمارات تقوم على محاور عدة، أهمها محور توفير فرص التعليم العالي، وذلك من خلال ضمان وجود مقعد دراسي لكل طالب مستوفٍ لشروط القبول في الجامعات، مع توفير تخصصات متنوعة تلبي احتياجات الدولة من الكوادر الوطنية، وكذلك ترضي ميول ورغبات الطلبة الدراسين. أما المحور الثاني، فيختص بجودة التعليم الذي تقدمه هذه الجامعات، حيث قامت وزارة التعليم العالي بوضع معايير عالمية تضمن أن يكون مستوى التعليم المقدم في هذه الجامعات ذا جودة عالية، متوافقاً مع أعلى المعايير العالمية، حيث جعلت - وبجهدٍ وطني ملموس - من الاعتمادات العالمية للبرامج والتخصصات من أهم المؤشرات للجامعات، وحثت على دخول الجامعات الوطنية في التصنيف العالمي للجامعات حتى تسهل معرفة وضع هذه الجامعات بين الجامعات العالمية، ولمساعدتها في وضع خطط واستراتيجيات تتيح لها الارتقاء في التصنيف العالمي. كما أن من أهم المحاور في سياسة التعليم العالي، ما يتمثل في الاهتمام بالبحث العلمي، ولعل أوضح مثال على البحث والابتكار هو متنزه جامعة الإمارات للعلوم والابتكار والذي يستهدف جسر الهوة بين البحوث النظرية وتطبيقها وبين الصناعة والاقتصاد، مساهما بقوة في زيادة براءات الاختراع في الدولة، إلى جانب دعم المشاريع الناشئة لمبادرات الشباب المبتكرة من الطلبة الجامعيين.

موازنة وتسليح
* ما الذي يجب أن تكرسه الجامعات من منظومات معرفية وثقافية ومهارية في نفوس طلابها ومنتسبيها، للارتقاء بمعارفهم وربطهم بوطنهم وهويتهم ولعب دورهم الفاعل في مسيرة التنمية؟
** على الجامعات أن تسعى جهدها في بناء شخصية الطالب المتكاملة، حيث يتخرج فيها متسلحاً بالمعارف والمهارات والقيم والتقاليد الأصيلة وفهم معنى الهوية الوطنية، التي تعينه على أن يكون شخصية فاعلة في مجتمعه، مدركاً لدوره في بناء وطنه والمحافظة على منجزاته والمساعدة في الإضافة إلى هذه الإنجازات بعمله وجهده وإخلاصه. إن الجامعات عليها دور مهم في تكريس ثلاثة أركان للتعليم، وهي: المعارف، المهارات، والقيم. ففي جانب المعارف، تقع مسؤولية الجامعات في جعل المعارف بتنوعها موجهة نحو الأفق الرحب في بناء الدولة، والتي تتطلع إلى المستقبل ومتطلباته بروح التفاؤل وعقل التخطيط والاستعداد لصناعته دون انتظاره، ساعين في ذلك حتى يكونوا أصحاب الأفعال وليسوا مجرد ردود أفعال، من خلال العلوم المختلفة والتقنيات الحديثة والتخصصات الدقيقة، مثل علوم الفضاء والذكاء الاصطناعي وعلوم الطاقة المتجددة، كما هي الحال في العلوم الإنسانية والاجتماعية والتربوية، كما عليها أن توازن بين العلمي النظري والتطبيقي، وذلك من خلال إكساب الطالب المهارات المختلفة سواء أكانت في العلوم التي يدرسها، أم مهارات في مجال الإبداع والتفكير والثقافة وفنون الكتابة، أم مهارات حياتية أخرى مهمة، مثل مهارات التخطيط والتفكير الناقد وحل المشكلات، وفهم معالجة الأزمات، وغيرها. ولعل الأهم من ذلك كله هو تكريس منظومة القيم، والتي تعد بمثابة سكة الحديد التي يتحرك عليها قطار التنمية التي تحمله العلوم والمهارات. إن القيم العليا مثل التسامح والكرم والإخلاص والولاء والانتماء وقبول الآخر ليست فقط تكوّن ملامح وهوية الشخصية الإماراتية، ولكنها أيضاً تسهم في بناء الشخصية التي تتحمل مسؤولية التعلم والاستفادة من العلوم والبحوث وتتجلى عنده في خدمة الوطن بالعمل الجاد مستخدماً معارفه ومهاراته في الابتكار والتطوير.

أنشطة خارج المنهاج
* ماذا عن الأنشطة اللامنهجية، ذات الصلة بصقل شخصية الطالب، وتنمية روح الإبداع في شخصيته، وهي من أهم الأولويات التي تهتم بها الجامعة، في مناخ مفتوح من المحبة والصداقة، وتوطيد روح التكاتف؟
** لعل أبرز ما يميز جامعة الإمارات أنشطتها النوعية المدروسة، والتي تتمتع بالتنوع وكذلك مستوى التخطيط والتنفيذ لها. كما أن لدى جامعة الإمارات ميزة تفتقدها كثير من الجامعات، وهي وجود السكن الطلابي، حيث يقيم أكثر من نصف طلبة الجامعة في سكنات الحرم الجامعي، مما يتيح فرصة أكبر لهم للتمتع بالأنشطة المختلفة في الجامعة، وكذلك يتيح للجامعة فرصة تنفيذ أنشطتها طول اليوم، سواء أكانت الأنشطة في الحرم الجامعي أم في سكنات الطلبة. والجامعة في الحقيقة تتمتع بتوافر مرافق عالية الطراز خاصة في مجال الأنشطة الرياضية، حيث توجد صالات ضخمة لممارسات الأنشطة المختلفة، مثل السباحة وكرة الطائرة والسلة، التنس، ألعاب القوى وغيرها، وتقوم الجامعة بتنظيم الأنشطة الرياضية، مثل الدوريات والبطولات المختلفة سواء أكانت الداخلية بين طلبة الجامعة أم تلك بين الجامعات الأخرى في الدولة. لكن الإنسان مثلما يحتاج إلى الرياضة لتنشيط جسمه والعلم لتنشيط عقله، فإنه يحتاج إلى الفن بأنواعه لتغذية روحه ومشاعره؛ ولذلك فإن أنشطة الأدب والشعر لها نصيب كبير في أنشطة جامعة الإمارات، فهناك ناد للقراءة مثل «نادي اقرأ»، وناد للكتابة الإبداعية، مثل «نادي قلم جامعي»، وغيرها من الأندية الطلابية التي تهتم بتنمية وإبراز الأنشطة الأدبية للطلبة، وقد ساهمت هذه الأندية وغيرها من اللجان ذات الصلة في بناء مشاريع أدباء وشعراء وكتاب للرواية والقصة والمقالة، سيكون لهم مستقبل كبير بعد تخرجهم. كما أن للموسيقا والفن حصة كبيرة من الاهتمام، كما هي الحال للتصوير والرسم، حيث تقام المعارض للطلبة تعرض خلالها نتاجاتهم الإبداعية. إن احتواء الطالب ومساعدته في قضاء وقت فراغه، في نشاطات تنمي مواهبه وتزيد من وعيه السياسي، ذو أهمية كبيرة فالشباب طاقة وإن لم تستثمر هذه الطاقات بالطريقة الأمثل فإنها لا شك ستجد من يستغلها بطرق أخرى تضر بالطالب نفسه وتضر بالوطن، لذا يمكن القول إن التعليم الواعي، بجانب الثقافة ورسالتها النبيلة، يسهمان بلا شك في حماية شبابنا من الفكر المتطرف، ويجعلانهم أقرب إلى فهم الآخر، وفهم تبنّي خطاب فكري عقلاني وسطي.

تحريك الساكن
* أطلقت الدولة عدداً من المبادرات في مجالات القراءة والمعرفة والابتكار العلمي، كيف تنظرون إلى تأثرها على طلبة الجامعة، وتنمية الحس التنويري لديهم؟
** تقوم الدولة بإطلاق مبادرات مهمة كل فترة وأخرى، تسعى من خلالها إلى تكثيف الجهود وزيادة الوعي بموضوع محدد وتساعد هذه المبادرات في تحريك المياه الساكنة، وتشجيع المؤسسات المختلفة على القيام بفعاليات وأنشطة تكرس موضوع المبادرة لدى المواطنين، ولعل من أبرز هذه المبادرات مبادرة عام القراءة التي أسهمت إسهاماً كبيراً في أن يهتم طلبة الجامعة أكثر بالقراءة والكتاب والكلمة، حيث قامت الجامعة بإطلاق الأنشطة المختلفة التي تحث على القراءة وتشجع عليها، وقد تم إثر ذلك إنشاء الأندية الطلابية المتخصصة للقراءة مثل «نادي اقرأ»، والذي جاء بمبادرة خالصة من الطلبة لنشر ثقافة القراءة. إن بادرة عام القراءة أسهمت في تشجيع الطلبة في معرفة ماذا يقرأون ولمن يقرأون، مما زاد من وعيهم بالكتابات المختلفة ناهيك عن توسيع آفاق الثقافة لديهم، ولعل القراءة ساهمت في تشجيع عدد من الطلبة في الانخراط في الكتابة والتأليف. وقد شهدنا توقيع كتب لعدد من الطلبة في معارض الكتب المختلفة بالدولة، ونعتبر ذلك إنجازاً في سياق دعم صناعة الكتاب والنشر.
وثمة مبادرة أخرى هي عام الابتكار، التي خلقت زخماً من الحراك لدى الطلبة في الاهتمام بالابتكار، ولعل افتتاح صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، لمتنزه جامعة الإمارات للعلوم والابتكار، قد حفز الطلبة على القيام بالمبادرات والمشاريع الابتكارية المختلفة، والتي سهر المتنزه على رعايتها والاهتمام بها وتنميتها.
ولا يفوتني أن أشير إلى أن المبادرات التي تطلقها الدولة لها أهمية قصوى في تنمية الحس الفكري والابتكاري لدى طلبة الجامعة، كما أنها تساهم بشكل كبير جداً في إبراز قدرات ومهارات الطلبة، حيث يجدون الفرصة المثالية في تطوير مهاراتهم ومعارفهم وثقافتهم، كما يجدون في هذه المبادرات آفاقاً رحبة للمشاركة المجتمعية خدمة للوطن وإسهاماً في رد الجميل للقيادة الرشيدة.

الفصل مشكلة التعليم الكبرى
* كيف تقرأ علاقة التعليم بالثقافة في الجامعة، وكيف يقيّم الطلبة من حيث وعيهم الثقافي؟
** لعل من أكبر إشكاليات التعليم العالي في الوقت الراهن الفصل بين التعليم والثقافة، وجعل الثقافة عملاً إضافياً لا يعني الطالب الجامعي في شيء، بينما الأصل أن الطالب في المستوى الجامعي يكون قد دخل في صالون المثقفين «إن صح التعبير»، ذلك أن المجتمع الجامعي يتيح للطالب فرصة نادرة في الالتقاء والتعرف إلى النخبة المثقفة من المجتمع، كما تهيئ له الجامعة القنوات المفتوحة للنهل من منابع الفكر والثقافة والرأي. ولقد استطاعت جامعة الإمارات أن تجسر هذه الهوة بين التعليم والثقافة لدى الطلبة، أولاً من خلال تصميم برامجها التي، على الرغم من تكثيف مواد التخصص فيها، تلزم الطالب بدراسة مساق الفكر الإسلامي ومساق دراسات إماراتية، إن هذين المساقين على وجه الخصوص يفتحان للطالب في الجامعة أبوابا من التفكر في الدين والدنيا، ويمدّانه بالأدوات الضرورية من المعارف والمهارات التي تساعده في النظر إلى مكونات المجتمع من خلال البعدين الثقافي والاجتماعي. وثانياً من خلال الأنشطة المتنوعة والفعاليات الثقافية المختلفة التي يتم خلالها استضافة نخبة من المفكرين في المجالات المختلفة سواء أكان من خلال محاضرات وندوات متخصصة أم من خلال المؤتمرات المتعددة التي تنظمها الجامعة. كل ذلك أسهم في بناء شخصية متميزة لطالب جامعة الإمارات قوامها الوعي الثقافي المبني على فهم عميق للمسؤولية الوطنية جعلت منه مهتماً ومتفاعلاً بكل الحراك الثقافي والاقتصادي والاجتماعي في الدولة.

التعليم بوصلة الأمم
* هل تعتقد أن سياسة التعليم الواعية هي البوصلة نحو بناء طلائع الشباب المؤمن بقيادته وأمته وهويته؟
** الأمم التي تهتم بمستقبلها وهويتها لا يمكن أن تغفل عن التعليم وأهميته، فسياسة التعليم الواعية هي التي تراهن عليها الأمم من أجل ضمان مستقبل أفضل. وهناك شواهد كثيرة بالإمكان الاستفادة منها عند الحديث عن دور التعليم في تغيير مجتمعات ودول من حال إلى حال أفضل؛ مثال ذلك سنغافورة وكوريا، على سبيل المثال لا الحصر، فهاتان الدولتان كان رهانهما على التعليم من أجل النهوض بالمجتمع في كافة قطاعاته، وقد كان الرهان على فرسٍ رابحٍ، كما يعلم الجميع. وفي المقابل، يمكن الجزم بأن إهمال التعليم يتردى بالأمم والدول إلى مستويات من التخلف الاقتصادي والمشاكل الاجتماعية والسياسية، مما يقود إلى البطالة عند الشباب ثم يقودهم كل ذلك إلى التطرف والعنف والإرهاب.
إن دولة الإمارات العربية المتحدة، تحظى، والحمد لله، بقيادة حكيمة أولت التعليم الاهتمام الذي يستحق، وصار التعليم بشكل عام والجامعات على وجه الخصوص منارات للثقافة والابتكار، وأصبحت كذلك حصوناً منيعة ضد التطرف والأفكار الهدامة، وذلك من خلال تحصين الشباب بالإسلام الوسطي والفكر المتنور المتسامح الذي لا يختزل الحقيقة والمعرفة والدين في شخصه وإنما من خلال التعاطي مع الآخر وقبول التنوع. كما أن التعليم في الدولة استطاع أن يساعد الشباب في التعرف أكثر إلى هويته الإماراتية والتي مرتكزاتها الإخلاص في خدمة الوطن والولاء المطلق لقيادة الدولة، والتأكيد على لحمة وتماسك المجتمع.

متنزه الابتكار
* ماذا عن قضية البحث العلمي، وهي الإشكالية الأولى التي تعانيها معظم الجامعات في العالم؟
** تعتبر جامعة الإمارات من الجامعات البحثية المهمة في المنطقة ساعدها في ذلك، أولاً الدعم والتشجيع الذي تحظى بهما الجامعة من قيادة الدولة كونها الجامعة الأم، وتحمل اسم دولة الإمارات العربية المتحدة. وثانياً وجود نخبة من الباحثين الذين لديهم إسهاماتهم البحثية على مستوى العالم سواء أكانوا من المواطنين أم من بقية أعضاء هيئة التدريس بالجامعة، والذين تخرجوا في جامعات عالمية مختلفة من كافة دول العالم. وثالثاً كون الجامعة تتوافر على عدد من مراكز البحوث المتخصصة، حيث للبنية التحتية أهمية قصوى في البحث العلمي، وهذه المراكز لها إسهامات مختلفة سواء أكانت في مجال التمور والنخيل أم في مجالات المياه والتصحر وغيرها، ناهيك عن متنزه جامعة الإمارات للعلوم والابتكار الذي يعد حاضنة مهمة للبحث العلمي والابتكار، وسوف يساهم بشكل ملحوظ في المستقبل القريب في زيادة براءات الاختراع في الدولة، كما سيسهم في زيادة نوعية الأبحاث خاصة في جانب الصناعة. كما أن الجامعة أدركت منذ سنوات أهمية أن يكون الطالب الجامعي باحثاً ومبتكراً، فإذا اكتسب هذه المهارات مبكراً ساعدته في المستقبل في البحث والابتكار.

هوية الجامعة
* كيف يمكن للجامعة أن تنجز هويتها الخاصة، وما هي العوامل المحددة لهذه الهوية؟
** إذا أردت أن تتبين هوية الجامعة - أي جامعة - انظر إلى خريجيها ستجد هناك سمات مشتركة بين خريجيها تميزهم عن غيرهم، هذه هي هوية الجامعة، فإن استطاعت الجامعة أن تضفي على خريجيها سمات معينة، تميزهم عن سواهم من خريجي الجامعات الأخرى، فإن ذلك لا شك يجعل للجامعة هوية متفردة مثلما هي الحال للجامعات العريقة والكبرى، مثل هارفارد وكامبريدج.
تأتي الهوية المتفردة لجامعة الإمارات، كونها تحمل اسم الدولة «جامعة الإمارات العربية المتحدة»، وهي من المنجزات الاتحادية التي يعتز بها أبناء الإمارات، كما أن الاهتمام المباشر الذي كان القائد المؤسس الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان «طيب الله ثراه» يوليه للجامعة، وحضوره شخصياً بشكل سنوي حفلات تخرج الطلبة جعل للجامعة مكانة مميزة في نفوس أبناء الدولة. ومن جوانب تميز جامعة الإمارات كذلك أنها من الجامعات القلائل التي تجمع بين أسوارها طلبة من جميع إمارات الدولة، من مدنها وقراها المختلفة، وربما تكون من الأماكن القليلة التي تستطيع أن تقابل فيها شخصاً من كل منطقة من مناطق دولة الإمارات من شرقها إلى غربها. بالإمكان القول كذلك إن من أبرز ملامح جامعة الإمارات أنها قد تخصصت في تخريج القيادات النوعية في مؤسسات الدولة كافة، ولعل من ينظر إلى الوزارات والمؤسسات المختلفة في الدولة الآن، يستطيع أن يتعرف على هذا الإنجاز.

لكي تكون الجامعة.. جامعة
لكي تكون الجامعة جامعة بحق، ومنصة فاعلة ثقافيا واجتماعياً وإنسانياً، يقول الكعبي: على الجامعات أن تعي دورها الحقيقي وتتشبث به، ذلك أن دورها الأهم هو أن تكون منارات للثقافة والتنوير والفكر الإنساني بتنوعه وثرائه، وليس من المعقول أن تنكفئ الجامعة على نفسها وتؤطر نفسها في أدوار تعليمية ضيقة تجعل من الجامعة ذات الآفاق الأرحب محصورة في فصول دراسية ومحاضرات منهجية واختبارات ودور الطالب أن يستعد فقط لهذه الاختبارات، هذا يضيق آفاق العلم للجامعة ليحصرها في مناهج دراسية محضة. التجربة الجامعية يجب أن تكون واحدة من أهم التجارب ثراء في حياة الإنسان، والتي ستكون واحدة من أهم مكونات شخصيته ليست المهنية وحسب، ولكن كذلك شخصيته الثقافية والاجتماعية. إن تهافت بعض الجامعات لتتناسب مخرجاتها مع سوق العمل أفقدها التوازن بين دورها الثقافي المهم في بناء شخصية الطالب المتكاملة وما بين - في الجانب الآخر- تكوينه المهني، واستعداده للولوج لسوق العمل، هذا التهافت جعل بعض الجامعات بمثابة مراكز تدريب لا أكثر للشركات ولسوق العمل. لا شك في أن تلبية متطلبات سوق العمل أمر مهم جداً، وأن إعداد الطالب ليكون مؤهلاً لسوق العمل هو الذي يجعل للجامعة مكانتها في المجتمع في الوقت الراهن، بيد أن ذلك يضغط على الجامعات من حيث نوعية التخصصات وتصميمها، وكذلك نواتج التعلم المتوقعة. إن التوازن هنا مهم جداً بين الدور الريادي والفكري للجامعات وبين متطلبات سوق العمل وهوية الجامعة وشخصيتها.

رهان على فرس رابح
سياسة التعليم الواعية هي التي تراهن عليها الأمم من أجل ضمان مستقبل أفضل. وهناك شواهد كثيرة بالإمكان الاستفادة منها عند الحديث عن دور التعليم في تغيير مجتمعات ودول من حال إلى حال، أفضل مثال ذلك، سنغافورة وكوريا، على سبيل المثال لا الحصر، فهاتان الدولتان كان رهانهما على التعليم من أجل النهوض بالمجتمع في قطاعاته كافة، وقد كان الرهان على فرس رابح، كما يعلم الجميع.

القيم.. هوية وسلوك
القيم العليا مثل التسامح والكرم والإخلاص والولاء والانتماء وقبول الآخر ليست فقط تكون ملامح وهوية الشخصية الإماراتية، ولكنها أيضاً تسهم في بناء الشخصية التي تتحمل مسؤولية التعلم والاستفادة من العلوم والبحوث، وتتجلى عند الطالب في خدمة الوطن بالعمل الجاد، مستخدماً معارفه ومهاراته في الابتكار والتطوير.

التعليم.. سياسة
عن سياسة التعليم العالي في الدولة، يقول الكعبي: إن سياسة التعليم العالي في الإمارات تقوم على محاور عدة، أهمها:
* توفير فرص التعليم العالي، وذلك من خلال ضمان وجود مقعد دراسي لكل طالب مستوفٍ لشروط القبول في الجامعات، مع توفير تخصصات متنوعة تلبي احتياجات الدولة من الكوادر الوطنية، وكذلك ترضي ميول ورغبات الطلبة الدراسين
* جودة التعليم الذي تقدمه هذه الجامعات، حيث قامت وزارة التعليم العالي بوضع معايير عالمية، تضمن أن يكون مستوى التعليم المقدم في هذه الجامعات ذا جودة عالية، متوافقاً مع أعلى المعايير العالمية، حيث جعلت من الاعتمادات العالمية للبرامج والتخصصات من أهم المؤشرات، وحثت على دخول الجامعات الوطنية في التصنيف العالمي للجامعات.
* الاهتمام بالبحث العلمي، ولعل أوضح مثال على ذلك هو متنزه جامعة الإمارات للعلوم والابتكار الذي يستهدف جسر الهوة بين البحوث النظرية وتطبيقها وبين الصناعة والاقتصاد، مساهماً بقوة في زيادة براءات الاختراع في الدولة، إلى جانب دعم المشاريع الناشئة لمبادرات الشباب المبتكرة من الطلبة الجامعيين.