دنيا

دار الكتب المصرية تضم 57 ألف مخطوطة و3 آلاف بردية

غرة مصحف شريف بخط الثلث المملوكي

غرة مصحف شريف بخط الثلث المملوكي

أحمد الصاوي (القاهرة) ـ دار الكتب المصرية أو الكتبخانه، كما كانت تعرف عند نشأتها، هي أقدم وأكبر مكتبة بمصر والوطن العربي والقارة الإفريقية إذ تعود فكرة نشأتها لعام 1870 م، بمبادرة من علي باشا مبارك ناظر المعارف في عهد الخديو إسماعيل. وقد صدر الأمر من إسماعيل بتأسيس الكتبخانه الخديوية في الطابق الأرضي بسراي الأمير مصطفى فاضل شقيق الخديو وكان السراي بدرب الجماميز قرب حي السيدة زينب بالقاهرة. وكان الغرض الأصلي منها حسبما جاء في قرار الخديو في عام 1286هـ، هو تجميع المخطوطات النفيسة مما حبسه السلاطين والأمراء والعلماء والمؤلفون على المساجد والأضرحة ومعاهد العلم. وتضم الدار تضم 57 ألف مخطوطة و3 آلاف بردية.
مع تزايد أعداد المخطوطات الواردة إلى دار الكتب المصرية، ضاق سراي مصطفى فاضل بها، وتم نقلها للمبنى الجديد الذي شيد بميدان باب الخلق ليجمع بين دار الكتب ودار الآثار العربية، وكان ذلك في عام 1903م، وإن لم تفتح الدار أبوابها للرواد إلا في العام التالي. وفي عام 1961م وبعد تحول الدار لمكتبة وطنية شاملة تضم الكتب المطبوعة أيضا، شرع في تشييد مبنى جديد لها على كورنيش النيل في منطقة رملة بولاق، حيث كانت مطبعة بولاق القديمة، وبدأت عملية نقل جزء من محتوياتها للمبنى الجديد في عام 1973م، واستغرق النقل أربع سنوات كاملة ليفتتح المقر الجديد في عام 1977م، وإن بقيت أجزاء معتبرة من المخطوطات القديم بالمبنى العتيد بباب الخلق.
مخطوطات نادرة
تمتلك دار الكتب المصرية أكثر من 57 ألف مخطوط تشمل عدة معارف، فضلا عن قرابة ثلاثة آلاف بردية عربية عثر عليها في كوم أشقاو بصعيد مصر، وهي بحد ذاتها كنز كبير للمعلومات المتصلة بأحوال المصريين والأوضاع الإدارية والاجتماعية في بدايات العصور الإسلامية، وإن لم ينشر منها سوى أقل من 500 بردية حتى الآن.
وقد منح الخديو إسماعيل للدار مجموعته الكبيرة من النقود العربية والإسلامية، والتي تتجاوز 55 ألف قطعة نقدية تكاد تغطي معظم الدول الإسلامية من حدود الصين شرقا إلى الأندلس غربا.
وتعد المخطوطات النادرة بهذه الدار من أهم الكنوز العلمية والأدبية، ناهيك عن قيمتها الفنية الكبيرة فبها عدد من المخطوطات ولا سيما من نسخ المصحف الشريف التي كتبت بأقلام مشاهير الخطاطين في مصر والعالم الإسلامي حتى إنها تعد أكبر منجم لهذا الفن النبيل، وهو فن الخط العربي.
ونظرا لاعتماد الدار في نشأتها الأولى على ما تم جمعه من مكتبات المساجد والمدارس بأرجاء القاهرة القديمة والتي اختفى بعضها بالفعل من خريطة العاصمة تحت وطأة التحديث؛ فإنها تكاد تمتلك أندر مجموعة من المصاحف الضخمة التي كان سلاطين وأمراء المماليك يوقفونها على منشآتهم بغرض القراءة منها طوال ساعات الليل والنهار، أو وفقا لشروط الواقف في ذلك.
وقد امتازت تلك المصاحف الضخمة بتنوع خطوطها الفنية، ولا سيما من خطوط النسخ المختلفة، وإن كان أكثرها قد نسخ بخط الثلث المملوكي، والذي ربما كان الخطاطون ينظرون إليه باعتباره خطا ملكيا لكثرة استخدامه في تسجيل الكتابات التذكارية في المساجد والمدارس والمنشآت العامة.
ويستطيع رواد دار الكتب سواء في مبناها القديم أو في صرحها الجديد أن يشاهدوا ما يعرض للزوار من نماذجها من دون حاجة للدخول لقاعات الاطلاع، حيث ينظر إلى مجموعة المصاحف التي نسخت بأوامر من سلاطين المماليك باعتبارها تحفا فنية بحد ذاتها.
تطور فن الخط
تعطي المصاحف لدارسي الفنون الإسلامية فرصا متعددة لدراسة تطور الخط العربي، وتطور فن الزخرفة والتذهيب حيث كانت فاتحة الكتاب التي تضم سورة الفاتحة وبداية سورة البقرة تحظى باهتمام خاص ليس من قبل الخطاطين فحسب بل ومن قبل المذهبين الذين نقشوا إطارات السور ومواضع أسمائها وعلامات الوقف أيضا بزخارف جمعت غالبا بين اللونين الأزرق اللازوردي وماء الذهب. ويلحق بتلك النواحي الفنية جلود الكتب والتي تعد بحد ذاتها قطعا من الفن الجميل، الذي عبر عن مكنوناته الإبداعية في الزخرفة والصناعة التطبيقية، فيما نفذ على جلود الكتب بالضغط والتلوين من كتابات وزخارف هندسية ونباتية رائقة.
وإلى جانب المصاحف المملوكية تمتلك الدار أيضا مصاحف من الفترات اللاحقة وخاصة العهد العثماني والتي سارت على ذات المنوال من جهة العناية بتذهيب وزخرفة غرر النسخ مع الاختلاف في أنواع الخطوط التي تعددت بفضل عناية الأتراك العثمانيين بالخط العربي، ومن تلك النسخ العثمانية مصحف شريف نسخ بقلم الخطاط محمد بن أبو بكر في عام 1715م، وقد استخدم اللون الذهبي لكامل الصفحتين بينما قام المزخرف باستخدام اللون الأزرق في تنفيذ الزخارف النباتية التي جاءت في إطارين متتابعين أحدهما في نهاية المنطقة المذهبة، والثاني في طرف الصفحات، وإن استخدم الأرضية البيضاء في الإطار الأخير، وتعكس الزخرفة من الورود والزهور المختلفة روح الفن التركي العثماني من جهة عنايته المفرطة برسومها في كافة منتجاته الفنية وإن اتسمت هنا بالدقة المتناهية.
وتمتلك دار الكتب أيضا مجموعة من المصاحف المغربية والأندلسية منها مصحف أندلسي يعود للقرن السادس الهجري يمتاز بقواعد خاصة في ضبط علامات الوقف والقراءة، ومصحف من المغرب يعود للقرن الثاني عشر الهجري وهو أيضا يعني بالزخارف التي تحيط بإطارات الصفحات، وتعطي مثل تلك المصاحف فكرة واضحة عما نعرفه من تنوع مدارس الفنون الإسلامية في مجالات الخط والتذهيب، وإن جمع بينها جميعا رابط الوحدة الذي يميز الفنون الإسلامية بطابعها العالمي الخاص.
المخطوطات المصورة
من أهم الكنوز الفنية بدار الكتب المصرية المخطوطات المزودة بالصور التوضيحية، وهي تشمل مخطوطات عربية من دول مختلفة، فضلا عن أعداد كبيرة من المخطوطات الفارسية والتركية، وهي تجسد بصدق المدارس الفنية المختلفة التي عرفتها ديار الإسلام في مجال التصوير، وقد أصدرت الدار فهرسا خاصا بالمخطوطات المصورة التي تقتنيها لفائدة الدارسين.
ومن أشهر المخطوطات المصورة بالدار نسخة فارسية من ديوان الشاعر الفارسي «سعدي» تعرف باسم بستان سعدي، وقد أنتجت للسلطان حسين ميرزا بايقرا آخر حكام السلالة التيمورية بمدينة هراه «أفغانستان حاليا»، وقام على عملها أمهر الخطاطين والمذهبين بالبلاط، فضلا عن المصور الشهير «كمال الدين بهزاد»، الذي يعد أشهر المصورين المسلمين في العصور الوسطى.
ومن لوحاته الشهيرة بذلك المخطوط واحدة تمثل مجلس طرب ببلاط حسن ميرزا، وهي تعطي فكرة توثيقية لشاهد عيان ليس فقط عن عمارة وزخارف قاعات العرش آنذاك، بل وعن طبيعة الأنشطة الترفيهية بالبلاط من رقص وغناء وشراب، وعن ملابس الرجال والنساء على حد سواء في تلك الفترة.
وهناك أيضا صورة رائعة لخيول مع حراسها وهي ترعى مع صغارها وتعد من أمهر ما رسم بهزاد من جهة التعبير عن الحركة وتجسيد الطبيعة الجبلية في هراه.
ويلحق بها من ناحية البراعة في التعبير عن الحركة والروح الزخرفية تلك الصورة التي تمثل بعض وقائع قصة سيدنا يوسف عليه السلام مع زليخة؛ حيث نرى رسما يتجاوز الجدران لقاعات قصر عامر بالزخارف ولاسيما في بلاطات الخزف وزليخة تطارد سيدنا يوسف بين قاعات هذا القصر، ونظرا لأهمية هذا المخطوط فإن دار الكتب قامت بإصدار كتاب خاص نشرت فيه تلك اللوحات.


النقد الإسلامي
يلحق بتلك المقتنيات الفنية الموجودة في دار الكتب المصرية مجموعة النقود العربية والإسلامية بما تحتويه من معلومات سياسية واقتصادية مهمة لكل مرحلة صكت فيها، فضلا إلى ما تمنحه من مجالات رحبة لدراسة تطور فن الخط العربي على النقود، وكذلك الزخارف والصور التي نشاهدها في عدد لا بأس به من تلك النقود.