ثقافة

روي بورتر يرصد الفعل غير البريء وراء استحداث أشكال الجنون

جهاد هديب (دبي) - ليس هذا الكتاب مجرد أطروحة نظرية متكاملة في دحض “أسطورة الطب العقلي”، بحسب ما يقول المؤلف روي بورتر، خلال القرن العشرين ومطلع الألفية الثالثة فحسب، إنما هو أيضا نموذج ثقافي في نقد المؤسسة الرسمية في سعيها إلى السيطرة المطلقة على المعرفة والسلطة وتطبيقاتهما الاجتماعية في المجتمعات الغربية دون سواها.
في هذا الكتاب الصادر عن “مشروع كلمة التابع لهيئة أبوظبي للسياحة والثقافة “، يتناول المؤلف أطروحته هذه من وجهة نظر نادرة هي وجهة نظر تاريخ الطب، في الوقت نفسه لا ينكر الرجل فضل المثقف والمؤرخ الفرنسي ميشيل فوكو على أطروحته هذه في تشريح الآليات الاجتماعية التي تعمل وفقا لها المؤسسة الرسمية على السيطرة على المعرفة والسلطة معا من وجهة نظر تاريخ الأفكار.
كذلك، يمكن وصف الكتاب بأنه إعادة نظر بما أنجزه ميشيل فوكو في كتابيه “تاريخ الجنون” و”الجنون والحضارة” وتأثيرهما على مؤسسة التحليل النفسي، ومن ضمنها مؤسسة الطب العقلي، على الممارسات الاجتماعية للسلطة سواء لجهة الأفكار التي تسيّر أعمال هاتين المؤسستين أو مدى استفادة السلطة منهما في إقصاء كل ما يمكن أن يقف حائلا أمام امتلاك مؤسسة السلطة للسلطة ذاتها وللمعرفة التي تعيد إنتاج هذه السلطة وفقا لشروط تضمن خلود المؤسسة على ما هي عليه دائما.
بهذا المعنى، فـ”موجز تاريخ الجنون” أو نقد مؤسسة الطب العقلي الطبية يمثل بمجمله إدانة لممارسات التحليل النفسي للجنون والإجراءات التي كان يتم اتباعها مع “المجانين” الذين بلغ عددهم رقما مهولا خلال فترة الحرب الباردة وما تلاها إلى حدّ يثير الاستغراب بالفعل. كأن يكون هناك أكثر من نصف مليون مجنون، قد اختلّ إدراكه وفَسُدَ عقله ومارس أنماطا من السلوك الشاذ الذي يؤدي إلى انتهاك المعايير الاجتماعية، يُحتجزون في الولايات المتحدة الأميركية وحدها في مؤسسات أقنع سلوكها الطبي والتمريضي المجتمع والسلطة معا على ضرورة السيطرة على هؤلاء وأقنعتهما أنهم من المرضى النفسيين وأن إجبارهم على تلقي العلاج هو أمر لصالح الطرفين.
يناقش بورتر في كتابه سلوك مؤسسة الطب العقلي في الغرب المنقسم أثناء الحرب الباردة، ويفند الاستخدام السياسي للطب النفسي في إقصاء المعارضين ومعاقبتهم، و”تعمد إصدار شهادات لأفراد تقضي بفرض قيود عليهم أو إخضاعهم لعلاج نفسي على الرغم من أن حالتهم العقلية لا تستدعي ذلك بأي حال. وقد ثبت تورط أطباء نفسيين في انتهاكات حقوق الإنسان في عدة دول في جميع أنحاء العالم عندما توسعت تعريفات المرض العقلي ليشمل العصيان السياسي”.
أسطورة الطب العقلي
في السطور الأولى من الكتاب “موجز تاريخ الجنون” يذكر بورتر: “ليس الطب العقلي مرضا حدّد العلم طبيعته وبيّنها، بل هو أسطورة لفّقها الأطباء العقليون بغرض الحصول على التقدم المهني كما تبنّها المجتمع لما تتيحه من حلول سهلة في التعامل مع مَنْ خرج على أعرافه”. ثم يضيف ما هو أخطر من ذلك “ليس المرض العقلي واللاوعي سوى توصيفات مجازية وتضليلية، وبتشييئهم مثل هذا الكلام غير المحكم، ينخرط الأطباء العقليون في تصوير النفس البشرية تصويرا ساذجا أو يغدون متورطين في ضرب من الامبريالية المستترة وذلك بادعائهم معرفة ما لا يمتلكونه. وتغدو المقاربات المعيارية للجنون باطلة بما تستحضره من افتراضات غير مشروعة وأسئلة سيئة الصوغ”.
وبهذا المعنى تكون مؤسسة الطب العقلي قد كرّست الجنون بوصفه حقيقة طبيعية قابلة للتوصيف كأي حقيقة أخرى وكرّست الممارسة الطبية ضده بوصفه بناء ثقافي جعلت منه هذه الممارسات مقبولا من قبل المجتمع والدولة ومسوِّغا لاضطهاد أفراد وجماعات بذريعة المرض النفسي والمقاربات التي اقترحها التحليل النفسي لهذا المرض. وكما هو معلوم فإن هذه الخلاصة هي واحدة من أهم الأفكار التي انبنت عليها أطروحة ميشيل فوكو مطلع الستينات من القرن الماضي.
التاريخ
ببساطة شديدة وتكثيف واختزال، وعلى نحو لافت للانتباه، يقرأ بورتر تاريخ ممارسات مؤسسة الطب العقلي تجاه الجنون في النصوص القديمة، الدينية والأسطورية، وكذلك في النصوص الأدبية والأعمال الفنية الأيقونية المنتشرة في الكنائس الأوروبية حيث يلاحظ أن إيقاع العقوبة بأحد الأفراد الخارجين عن الأعراف الاجتماعية بوصفه مجنونا قد استقرت كممارسة مؤسسية راسخة مع ظهور أشكال من التعصب الديني المناهض للتقدم العلمي والمعرفي التي سادت في أوروبا في القرون الوسطى وما سبقها. وهو بالتالي ما أسس لعلاقة تواطؤ ما تزال سائدة إلى اليوم بين التعصب والممارسة (الطب/ عقلية ) ضد الجنون ومؤسسة السلطة في مثلث يحتكر وحده الحقيقتين: المطلقة والتاريخية.
استغلال
ويتطرق المؤلف إلى سرد الكثير من المفاهيم حول المرض العقلي وطرق علاج المجانين على اختلاف فئاتهم وفقا للتصنيفات التقليدية، كما يتوقف عند العديد من مؤسسات المجتمع المدني، مثل جمعيات أطباء الطب العقلي مثلا أو تلك الدينية الخيرية المعنية بمتابعة أحوال المرضى العقليين، وما تصدر عن هذه المؤسسات من دوريات ونشرات تعمل على إعادة إنتاج الجنون خادما لسلطات اجتماعية وطبية تحتكران المعرفة والسلطة ويناقش ذلك الارتباط بين الحقيقة “العلمية” لهذا المرض وبين الممارسات الطبية، وكذلك المنطق التجاري الذي يحكم علاقة كل منهما بالشركات المنتجة للأدوية الخاصة بعلاج المجانين الذين يبقون مجانين إلى الأبد مع أن الجنون هو مرض نفسي مؤقت مثل سواه من الأمراض وكذلك تكاليف ونفقات الإقامة في المصحات وأثمان الممارسات الطبية ومعدل الزيادة غير المنطقي في أعداد المجانين في العالم. ليتساءل روي بورتر في خاتمة الكتاب تساؤلا جارحا: “هل نسمّي كل هذا تقدما؟”.