دنيا

محمد علي حكم مصر بمباركة شيوخ الأزهر ثم تخلص من خصومه واحداً بعد الآخر بالانتصار وانتهى بالانكسار

محمد علي بريشة السير ديفيد ويلكي (الصور من المصدر)

محمد علي بريشة السير ديفيد ويلكي (الصور من المصدر)

إذا كان مكيافيللي قد قالها فإن محمد علي قد فعلها تلك هي القاعدة الذهبية «الغاية تبرر الوسيلة»، التي سار عليها الألباني الأريب من مولده في قوله إحدى قرى مقدونيا في الرابع من مارس عام 1769م وحتى وفاته الباهتة بالإسكندرية في يوم الثاني من أغسطس عام 1849م. كان محمد علي واحداً من 17 ولداً لأبيه إبراهيم أغا، لم يبق منهم على قيد الحياة سواه، وذاق مرارة اليتم من بعد وفاة والديه، وهو صبي صغير، وعلمته حياته البائسة بأن يصبر على ما يكره، فنشأ جلداً رابط الجأش، وظلت تلك الصفة ملازمة له طوال حياته وميزة شخصية يكبرها فيه كل من عرفه، صديقاً كان أو عدواً.

د. أحمد الصاوي (القاهرة) - أتت محمد علي الفرص تلو الأخرى ليحسن من حياته فلم يفوت واحدة منها، وظل عملياً براجماتياً، ولو بالمعنى غير الأخلاقي للكلمة.
فرصته الأولى جاءته، وهو جندي مغمور في قوله، عندما طلبت الدولة العثمانية فرقة من الألبان للمساهمة في طرد الحملة الفرنسية من مصر، فجاء نائباً لقائد هذه الكتيبة التي منيت في 1801 م بهزيمة مفاجئة عند أبي قير بالإسكندرية ألجأت قائد الكتيبة للعودة إلى قوله ليصبح محمد علي قائدا لفرقته.
بعد رحيل قوات الحملة الفرنسية عن مصر عسكرت فرقة الأرناؤود التي يقودها محمد علي خارج القاهرة وراح الألباني يتابع عن كثب تفاصيل الصراع الدائر بين فرق المماليك وبعضها وقد انقسمت بين مؤيد للتعاون مع فرنسا أو إنجلترا، وكذا الصراع المكتوم بين الدولة العثمانية والمماليك للسيطرة على مقاليد الأمور بمصر.
رؤية خاصة
أدرك محمد علي أن الفرصة قد تواتيه لحكم مصر إن اشتعل الصراع بين العثمانيين والمماليك ليوهن قوى كل طرف فعمد للوقيعة بين الجانبين كلما سنحت له الفرصة.
وتجلت عبقريته السياسية في تنبهه لدور النخبة التجارية والدينية في المجتمع المصري، والتي لم يدر بخلد أطراف الصراع أن تعيرها انتباهاً أو تأخذها بالحسبان، في وقت كان مجتمع القاهرة قد اكتشف بعد حملة بونابرت ليس هشاشة قوة المماليك والعثمانيين فحسب بل وفداحة البون الحضاري بين مصر وأوروبا أيضاً.
أظهر محمد علي عطفاً كبيراً على النخب المصرية بالقاهرة، وراح يختلف إلى مجالسها، معبراً عن سخطه على الأتراك والمماليك معا، وما أن تولى أحمد خورشيد ولاية مصر وشرع في فرض الضرائب الفادحة على السكان حتى ثار أهالي القاهرة على الوالي بدعم من فرقة الأرناؤود التي تصدت لمظالم الجنود العاملين بخدمة الباشا التركي وتداخل محمد علي مع زعيم الثورة بالقاهرة السيد عمر مكرم نقيب الأشراف حتى أن نخبة المجتمع من تجار وعلماء أرسلت للباب العالي تطالب بعزل خورشيد وتولية محمد علي، فكان لها ما أرادت ولمحمد علي ما حلم به بعد صدور فرمان سليم الثالث في يوليو 1805 م بولاية محمد علي لمصر.
ضد المماليك
في العام الأول من ولايته، وقبل أن تعزله الدولة ليتولى سالونيك باليونان، شن محمد علي حرباً ضد المماليك الذين كانوا على اتصال ببريطانيا، وكانت انتصاراته دافعاً لأن تطلب النخبة المصرية من السلطان إبقاء محمد علي بالبلاد فوافق على مضض مع زيادة ما تدفعه مصر للخزانة الشريفة أربعمائة كيس، وكانت حملة فريزر ضد الإسكندرية، ثم هزيمتها في رشيد عام 1807 م فرصة سانحة ليستأصل محمد علي شأفة المماليك، ويوطد سلطانه بمصر.
وفي عام 1809 م تجلت مكيافيللية محمد علي عندما لجأ إلى نفي عمر مكرم نقيب الأشراف إلى دمياط لا لشيء سوى لاعتراضه على الضرائب الباهظة التي فرضها محمد علي على الشعب، وكان سيناريو الإبعاد نسخة مكررة من الوقيعة بين العثمانيين والمماليك، إذ استقطب محمد علي ولاء بعض مشايخ الأزهر بمنحهم الإشراف على أوقاف الأزهر، وكتب بعض هؤلاء المشايخ ممن كانوا في رفقة عمر مكرم كتاباً للباب العالي يتهمون فيه عمر مكرم زوراً وبهتاناً بأنه أدخل بعض اليهود والنصارى في ديوان الأشراف.
وبسهولة تامة تخلص محمد علي لاحقاً من وصاية زعماء الحركة الشعبية التي جاءت به إلى الحكم، وأصبح حاكماً منفرداً بمصر، وأتته الفرصة ليرسخ حكمه للبلاد عبر قيامه بخدمة الدولة العثمانية في حروبها ضد الوهابيين بنجد والحجاز، ثم في حروب المورة لإطفاء جذوة حرب استقلال اليونان.
وكانت صدمة محمد علي كبيرة في تقدير السلطان العثماني لجهوده في الجزيرة العربية واليونان إذ اكتفى بمنحه ولاية كريت الجزيرة التعيسة بالبحر الأبيض، فقرر محمد علي أن يستولي على الشام، ويواصل الزحف إلى الأستانة لإسقاط الخليفة الضعيف، وليتولى هو قيادة العالم الإسلامي، اعتماداً على العصبية العربية، في وقت كانت تبزغ فيه شمس الحركات القومية في العالم القديم برمته.
الرجل المريض
ولكن الدول الأوروبية وقفت ضد طموحات محمد علي، مفضلة الإبقاء على الرجل المريض في استانبول ليتسنى لها تقسيم ممتلكاته، وتراجع محمد علي بعد أن كان قاب قوسين أو أدنى من اقتحام الأناضول بعد معركة أضنة.
انكفأ محمد علي في مصر، وحول حلمه لغاية جديدة محورها تحويل مصر لدولة حديثة على النسق الأوروبي، مكتفياً بامتدادها الأفريقي.
ولكنه في ذلك اتبع سياسة الغاية تبرر الوسيلة، فاحتكر كل شيء بمصر من زراعة وتجارة، وأرهق كاهل المصريين بالضرائب حتى أنه كان يفرض على الفلاحين دفع ثمن العرقي والدخان حتى لو لم يقبلوا بشربهما لأسباب دينية. كان الاستبداد صفة رئيسة في حكم محمد علي الرغم أنه أبو الدولة المصرية الحديثة ومنشئ جيشها الأول وصاحب الفضل الأول في تحديث النخبة المدنية بإرسالياته إلى فرنسا.
كان محمد علي ناري المزاج لا يقبل أقل هفوة ممن يعملون تحت قيادته حتى أن ثورته ضد رجال قصره استمرت ستة أيام متواليات لما علم بتزايد مديونية البلاد.
وعلى الرغم من الطموحات الكبيرة لم ينعم الرجل براحة البال في أيامه الأخيرة بسبب وفاة ابنه الأثير لديه طوسون باشا ومرض ابنه وقائد جيوشه إبراهيم باشا بالسل، وكان ينام منغصاً بسبب عدم ثقته بقدرة أبنائه على الاستمرار في حكم البلاد كما يحب ويريد.


وفاته
عانى محمد علي من الخرف لما طعن في السن حتى أنه عُزل وتولى إبراهيم ولاية مصر لمدة 6 أشهر توفي بعدها، ولم يتم إبلاغ محمد علي بنبأ وفاته.
ولكن محمد علي الذي دوخ بلاد العرب واليونان، وأقض مضاجع أوروبا، وأسس أول جيش مصري، وأرسى أركان الدولة الحديثة بمصر لم ينعم حتى وفاته في عهد حفيده عباس حلمي بأي تكريم لائق، فكانت جنازته باهتة، ولم يأبه الباشا الجديد لدعوة كل سفراء الدول الأجنبية لحضورها، وبعد يومين من العزاء في قصر التين بالإسكندرية نقل جثمانه ليوارى الثرى في قبره المجاور لقبر ابنه إبراهيم باشا الذي أثبتت المكاتبات الرسمية، ومن بعدها الأحداث، أنه كان الأقرب شبهاً بأبيه، والأكثر براً به وطاعة له، حتى بعدما أصبح والياً لمصر في حياة أبيه.
وقد رسم بعض الفنانين الأوروبيين صوراً لمحمد علي، خاصة بعدما أصبح عزيز مصر، وقد انتشر الشيب في لحيته الكثة كلها، وإن بقيت ملامح الإصرار وبريق العيون بالطموح حاضرة، حتى في آخر ما رسم له، وهو في جلسات الدعة بقصره.