دنيا

علي بن سعيد الكتبي: رمضان في الماضي كانت له نكهة خاصة وذكريات لا تنسى

صورة تذكارية لقدامى رجال أول قوة للجيش قبل الاتحاد (الاتحاد)

صورة تذكارية لقدامى رجال أول قوة للجيش قبل الاتحاد (الاتحاد)

تعتبر قبيلة الكتبي من القبائل الأصيلة المعروفة في الدولة، وقد استوطنت عائلات من هذه القبيلة مناطق مختلفة ومنها الرفيعة والحوية إلى جانب «البحايص والمدام»، وغيرها، وفي وسط الصحراء ووسط الكثبان الرملية في إمارة الشارقة، ومنذ سنين بعيدة قبل قيام الاتحاد بكثير كانت القبائل تتنقل حيثما وجدت الأعشاب، والتي تشكل المراعي، حيث يوجد البدوي عادة بالقرب من المياه، وفي مناطق مختلفة كانت هناك كميات وفيرة من المياه العذبة، ويشكل الماء والكلأ أهم مصدرين للإنسان، خاصة أن البدوي يعتمد في حياته على تربية المواشي والإبل، ولا تزال هذه المناطق رغم ما تتعرض له الدولة من جفاف الأشجار تزخر بأشجار الغاف الوارفة الظل، والتي تعتبر «مقايل» يستظل تحتها عابر السبيل، حيث يقيّل ظهراً إذا ما اشتدت الحرارة، لأن الناس لم يكونوا يملكون مركبات تظلهم وتنقلهم مثل اليوم، ولذلك يجدون الكثير من المشقة حين كانوا يتنقلون سيرا على الأقدام.

في منطقة تعد ضمن نطاق المسافات القريبة من المليحة في الشارقة، توجد منطقة البحايص وهي تتوسط البر بشعبيتها التي تشكل بيتا واحدا كبيرا، حيث يعرف كل شخص كل فرد فيها، وهناك التقينا مع علي بن سعيد بن خليفة الكتبي والملقب بـ«بن كندية»، الذي تقاعد من الجيش برتبة مقدم، ويكنى علي بـ«بن كندية» لأن والده توفي عنه وهو صغيرا، وتكفلت به والدته عويشة بنت سهيل محمد الكتبي، وكانت معروفة بورعها وتقواها وبقوتها في مواجهة الزمن، حيث عملت على تربية المواشي والأغنام كي لا تحتاج لأحد، ومن خلال عمليات البيع والشراء كانت تكسب ما يكفي حاجتها وتربية طفلها.
لماذا سميت بالبحايص؟
ويتذكر علي الكتبي تلك المنطقة قديماً ويخبرنا عنها قائلا: سميت المنطقة بالبحايص لأن عملية الحفر باليد يقال لها يبحص، وكان الرجل بمجرد أن يبحص عن الماء بكفه يجده، يكفي أن يرفع بكفه جزء من الرمل قد يمتد إلى ذراع، وسكن معنا في تلك المنطقة القديمة من البحايص سيف بن مبارك ومحمد بن سعيد ومحمد بن علي بن هويدن، وكان والده بمثابة شيخ يأمر وينهي ويوجه، والكل يحترمه ويحبه، وقد وعيت على الدنيا فوجدت أننا كنا في الشتاء نسكن خيام الشعر المصنوعة من أصواف الغنم.
وفي الصيف كنا ننتقل إلى مساكن مثل العريش والمظلة وهي من السعف، وكل الأطفال في تلك المنطقة يذهبون إلى اللعب، ولأن مليحة أصلا منطقة تضم الكثير من الآثار، لم نكن نعلم إننا كأطفال أتلفنا آثار كنا نعتبرها مجرد أدوات من الفخار مثل الجرار، تخلى عنها أهل المنطقة.
ويضيف الكتبي: كان رجال المنطقة يجلسون للتشاور فيما بينهم على ثلاث مرات في اليوم هو وقت تناول القهوة، وخلال هذه اللقاءات يحمل كل رجل أو كل أثنين أخبار عما شاهده خلال تنقله لرعي الإبل أو لاسترداد الأغنام من المرعي، فإن أكتشف أحدهم مكانا به ماء أكثر ومراعي، فإنه يخبر الجماعة ويتفقون على الانتقال إليه، فتجمع النساء الأدوات والحاجات الخاصة بالأسرة، وتلك العملية تتم بالتعاون أيضا بين النسوة، ثم ينقلون الأسرة حسب الاتفاق الذي تم بين الرجال، حيث يكون لكل أسرة أو أسرتين يوم لبناء مكانهم ونقل ممتلكاتهم، وأتذكر أني كنت أذهب لجمع ما تبقى من أشجار السمر الميتة وأصنع منه سخام أو فحم، كما كنت أجمع مثل بقية الرجال الثمام للمواشي، ثم يجتمع الرجال ويتفقون على يوم للذهاب للمدينة مثل دبي أو الشارقة لبيع المنتجات، ولم تكن في المنطقة زراعة بالمعني الحالي، ولا يكفي لإقامة مزارع النخل الضخمة مثل اليوم، ولكن كانت هناك زراعة لبعض المحاصيل التي لا تستهلك الكثير من المياه.
تناول الأسماك
ويشير علي الكتبي قائلاً: قبيلة بن كتب عاشت حياتها في عدة أماكن، ونحن رغم موجة الجفاف التي سادت البلاد وقضت على كل الأفلاج والآبار، كانت منطقتنا غنية بالمياه والمراعي، وتكثر بها أشجار السمر، وكانت المساكن ضعيفة أمام مواجهة العواصف القوية، حتى أن العواصف إن هبت ليلا يطير معها جزءا من كل بيت، وفي الصباح يقومون ببناء وصيانة بيوتهم مره أخرى، ولأن المنطقة صحراوية فإن أهلها في حال رغبوا في تناول الأسماك، فإنهم يرسلون طارش، يطرش على مطيته بشكل سريع وعاجل، والطارش هو المبعوث الذي يرسل إما بمفرده كي يعود في ذات اليوم، أو فريق يذهب لبيع المنتجات ويبقى لعدة أيام، وليس بمقدور الجميع الذهاب للبلاد على الإبل مسيرة نصف يوم ذهابا وإيابا، وذلك لعدم توفر الإبل مع الجميع ولبعد المسافة، ومن لم يوصِ أيضا يحصل على نصيبه، لأن الناس لا يأكلون ويتركون جارا لهم بدون أن يطعمونه ويكونون في خجل منه أيضا، وعندما يعود الطارش بالأسماك يتم سلقه بعد إضافة البهارات والملح، ويوضع بعد ذلك في جّلة وهي سلة حفظ التمر، والتي عادة ما تصنع من سعف النخل، ويتم تعليق السلة في شجرة، حيث يكون صالحا للأكل لمدة أسبوع.
كرم الضيافة
وأهل منطقة البحايص عندما يفد عليهم «خطار» وهم الضيوف، يقوم المضيف وأهل المنطقة الولائم، ويتناول الضيف أول وجبة عند مضيفه، فإنه من خلال تلك الوليمة يجد أن كل رجل يدعوه على غداء أو عشاء، وكان معظم أهل المنطقة يعتمدون على الصيد في أكلهم، ولذلك هم ماهرين في الرماية كما هم ماهرون في الفروسية، ولا يزال البعض إلى اليوم يذهب في رحلات المقناص في مواسم الصيد، ومن الأطعمة التي كانت تشكل غذاء للأهالي هي الطيور مثل القطا الحبارى والكراوين، بالإضافة للأرانب البرية والضباء والضبان، بالإضافة للجراد في بعض الأحيان.
ويوضح علي الكتبي: علمنا أهلنا الإقدام والشجاعة وإن وجدنا الناس طيبون ونتجاوز عن هفواتهم وألفاظهم، فذلك ليس من غباء أو ضعف، ولكنه من شجاعة تجعل الرجل يعتبر من أساء له ضعيفاً، ولذلك يصبر عليه ويمنحه الفرص في السكوت على ألفاظه أو قلة حيائه، ولكن في حال المواقف الكبيرة فإن الرجل لا يسكت عن تأديب المسيء، وأن يجعله يشعر بحجمه الحقيقي، ولذلك ينشأ كل فتى على الشجاعة والفروسية والرماية، ولذلك لا يترك البنين مع الأمهات منذ عمر مبكر، وأينما ذهب الرجال يوجد الأبناء، ويعمل الأبناء على خدمة والديهم وأخوتهم منذ الصغر، حتى لا يتكبروا من خدمة أسرهم فيما بعد، فقد كان يتم إرسالهم للرعي فيذهبون بالمواشي أو الإبل إلى المراعي، ثم بعد ذلك يعودون لجمعها وإعادتها، فالأغنام والماعز وتربيتها جزء من الحياة اليومية في عدة مناطق من الدولة قديما، حيث تعتبر مصدرا أساسيا للغذاء، وهي تربى أيضا للأضاحي ولتناول لحومها وألبانها طوال العام.
رمضان زمان
وفي شهر رمضان يجتمع الأهالي، حيث تزداد الروابط قوة بين الناس في شهر الرحمة، ويتجمع الرجال مع بعضهم والنساء مع بعضهن، وكذلك الحال بعد صلاة التراويح، ولكن اليوم تبدلت الأحوال حيث كثر الخير والأمن والنظام والاستقرار، ولكن انتشرت القطيعة بين الكثير من الناس حتى تقاطع الأرحام إلا من رحم الله، ومن أسباب ذلك قد يكون كثرة المشاغل، حيث تأخذ الوظيفة جزءا من الوقت، والجزء الآخر يكون للأبناء ومتطلباتهم وكذلك متطلبات المنزل، وأيضا لأن الكثير من الرجال يعملون في الجيش أو سلك الشرطة، مما يحد من أوقات الفراغ بسبب نظام المناوبة، فأصبح العمل الوظيفي طويلا وتباعدت مسافات أماكن الوظيفة.
ويقول علي الكتبي: قديما وحديثا نجهز لرمضان فهو أعز الأشهر، والناس تنتظره لطلب العتق من النار، وذلك بالتقرب لله بالعبادات وبالعطف على الناس، ومن أجمل ما في رمضان أيضا أنه يجمع الناس ويوصل ما انقطع بين الأرحام والأصدقاء، وقد كان لرمضان في الماضي نكهة خاصة لولا المشقة والتعب في الكد والعمل، فكل المهن كانت شاقة بعيدا عن التقنيات والأجهزة التي تسهل العمل، واليوم إذا أراد أحدنا تتبع قطيع الإبل، فإنه يخرج بمركبة ذات دفع رباعي، أما الشباب فإنهم يركبون سياراتهم ويذهبون للمدينة أو لعملهم، فالغالبية يعملون في الشرطة أو الجيش، أو هم طلاب في كليات الشرطة والطيران.
الالتحاق بالجيش
وفي عمر السابعة عشرة التحق علي بن كندية بالجيش، وهو يخبرنا عن تلك المرحلة قائلاً، إنه في عام 1955 التحق بالجيش لأن رجل أعرفه شجعني على ذلك وهو علي بن رشيد، وسجلنا حجزونا ثلاثة أشهر للتدريب النظري ودروس عملية في الميدان، وكان الراتب 75 روبية هندية، وكنت أعتبره كبيرا جدا في وقت كنا نبيع فيه ونحصل على ثلاث أو خمس روبيات، وقد كان التدريب في مناطق مختلفة حيث نكون في السلع وأحيانا في العين وأحيانا في إمارة رأس الخيمة، وبقيت ثلاث سنوات ونصف أسسنا خلالها مركز المنامة، وقد اشتريت لنفسي سيارة جيب من المركبات العسكرية التي يتم إحالتها للتقاعد من الجيش البريطاني، ويطلق عليها «فنش الشارقة».
وفي عام 1966 تركت العمل والتحقت بالقوات المسلحة التابعة لإمارة أبوظبي، وكان الجيش آنذاك يسمى دفاع أبوظبي وقد تم إرسال سيارة جيب عسكرية حملتني إلى هناك، وتم أخذي إلى مدينة العين لأعمل في وظيفة مدرب للمسؤولين وقد منحت رتبة رقيب، ثم جاء أمر بترقيتي وبناء عليه أرسلت إلى معسكر المرقاب في الشارقة، لأعمل لمدة أربعة عشر يوم لأدرب الشباب هناك مع سالم بن نايع، ثم بعد ذلك تمت ترقيتي لرتبة ملازم ثاني.


مناسـبة عظيمـة وجميلة

أتشرف أن أقول أني ممن أسسوا مركز سويحان وكان سيف بن ميه العفاري قائد السرية، ثم أسسنا مركز محاوي في المفرق ثم مركز مدينة زايد، ثم عدت للمنامة فترة، وبعد ذلك أرسلت لمدة 6 شهور لنعمل على مركز ليوا، وبعد ذلك تم تسليمي مركز قائد لمعسكر الفلاح بالشارقة عام1981، وبقيت فيه حتى عام 1984 حيث تقاعدت برتبة مقدم، وقبل عدة سنوات أقيمت مناسبة عظيمة وجميلة، حيث تم جمع كل من عمل في أول قوة عسكرية في منطقة المحطة بالشارقة، أي قدامى أول قوة للجيش وأقيم حفل تكريم، جعلنا نلتقى بكل من ترك الجيش وأخذته الحياة بعيدا عنا، ولكن على الحياة أن تستمر، واليوم نحن نحاول أن نبقى على ذات العادات والتقاليد، وأن نحافظ قدر الإمكان على هوية المكان، فلكل مكان خصوصية ربما تتشابه بين كل منطقة أو أخرى، ولكن تبقى العلاقات الإنسانية والبحث عن التطور والحياة الكريمة، من أساسيات الحياة.