الملحق الثقافي

الحروفيات.. من الدين إلى الدنيا

ذكر النويري في كتابه «نهاية الأرب في فنون الأدب»: سئل بعض الكتّاب عن الخطّ، متى يستحق الخط أن يوصف بالجودة، قال: «إذا اعتدلت أقسامه، وطالت ألفه ولامه، واستقامت سطوره، وضاهى صعوده حدوره، وتفتحت عيونه، ولم تشتبه راؤه ونونه، وتساوت أطنابه، واستدارت أهدابه، وصغرت نواجذه، وانفتحت محاجره، وقام لكاتبه مقام النسبة والحلية، وخُيِّلَ إليه أنه يتحرك وهو ساكن».
تشبه تلك المقاييس في جماليات الخطّ، تلك المقاييس التي يذكرها الخيال في صفة امرأة محلوم بها، إذ يكون الجسد هو محفّز هذه المخيِّلة ؛ أو كأن واحدا من قدامى الشعراء قد وقف بأطلال ثم أخذ يتذكر. والأمر هنا يتصل بالحدود الخارجية للخط العربي هي التي أول ما يتبدّى منه للعين فترى وتُسرّ. غير أن الربط هنا بين جماليات الخط وجماليات الجسد البشري يجيء اعتباطيا من باب أن شيئا ما يذكّر المرء بشيء. وما من اتفاق بينهما ـ أي جماليات الخط العربي وجمالية المرأة كما وردت صورتها في الشعر العربي الكلاسيكي ـ سوى أن الأولى تجد معاولا موضوعيا روحيا لها صافيا وأبديا ومُتّفقٌ عليها، بينما جماليات المرأة هي حسية تماما لذلك فهي قابلة للتقادم عليها، ولذلك أيضا يمتزج فيها عناصر من الواقع بأخرى من المخيلة ومُختَلَفٌ في شأنها.

شرط خاص
بعيدا عن ذلك، فإن السؤال هو: ما الذي منح الخط العربي تلك الجماليات التي ارتقت به إلى هذه المنزلة؟ ما الذي جعله أخّاذا إلى هذا حدّ أنه يُعتبر أحد أرقى الفنون التي تحظى بمكانة خاصة في وجدان الثقافة العربية والإسلامية؟ وكي ينأى المر عن أي ظلال لمعنى السؤال فإن من الممكن طرحه على النحو التالي: ما الذي جعل الخط العربي فنا يمتلك شرطه الخاص بوصفه فنا حديثا أيضا وليس فنا موروثا فحسب؟ منذ أن عرفت الثقافة العربية والإسلامية اللوحة المعاصرة، أي ما يُعرف لدى البعض من أهل النقد الفن التشكيلي باللوحة المسندية أم قبل ذلك بكثير حين دخل الخط العربي عنصرا تزيينيا إلى العمارة والزخرفة الإسلاميين فكان الجامع بينهما هو برموزه ودلالاته.
الأرجح أنه لا هذا ولا ذاك، بل إن الخط العربي بدأ فنا منذ أقدم المخطوطات، منذ تلك الرسائل التي كُتبت بخط عربي وأُرسلت إلى سائر كبار ملوك الأرض ليهتدوا إلى الدين الإسلامي مع انطلاقة الشرارة الأولى للحضارة العربية والإسلامية في المنطقة والعالم. ثم بعد ذلك مع جمع القرآن الكريم وتدوين السنة النبوية بعد ذلك.
هناك العديد من هذه الوثائق ما زال مُحتفظا به، إلا انها في أصلها تسع كالتالي: المقوقس حاكم مصر وهرقل عظيم الروم وكسرى ملك فارس والمنذر بن ساوى أمير البحرين وهوذة الحنفي أمير اليمامة وملكا عمان والحارث الحميري حاكم اليمن والحارث الغساني أمير الغساسنة والنجاشي ملك الحبشة. بحسب ما اتفقت عليه المصادر التاريخية. لكن المؤسف ها هنا أن من غير الممكن الوثوق بالصور الفيلمية وغير الفيلمية الموجودة في بطون الكتب أو المنتشرة في المواقع الالكترونية إلى حدّ تتعذر معه أية محاولة في مناقشة واستخلاص أي عنصر جمالي من وجهة نظر نقدية تفحص هذه الخطوط في سياق مقارَن مع مخطوطات أخرى حديثة وتنتمي إلى مراحل أكثر تطورا في فن الخط العربي. أما يمكن الاتفاق عليه في هذا الشأن فهو أن الرسائل تنتمي إلى النماذج الأولى التي بدأ فيها فن الخط العربي يتلمس طريقه إلى أن يكون فنا مكتملا وناجزا.
ولقد اكتسب فن الخط العربي تلك الروحانية لأنه الصورة المكتوبة للغة العربية في مقابل الصورة الشفوية لهذه اللغة التي تنزّل بها الذكر الحكيم. يمثل الخط العربي ذلك الإناء أو الصندوق الذي تُحفظ به اللغة العربية في مكان عال وسماوي، وهي اللغة التي يُحفظ بها الذكر الحكيم عن ظهر قلب وفي المخطوط فيبقى ذكر الذكر على الألسن وفي الصدور. وهذا السبب كاف تماما بالنسبة للثقافة العربية والاسلامية، سواء أكانت ثقافة النخبة أم ثقافة المجتمع وطيلة القرون الخمسة عشرة الماضية، لربط الجمالي بالروحي في التعامل مع الخط العربي، وكذلك في النظر إليه حيث يجري الربط بين المحسوس واللا محسوس فيه، والظاهر والباطن منه عبر رموز هندسية وغير هندسية استُمِدت في أغلبها من النص الديني مثلما من تأويله وقراءته ودلالاتها الكبرى والواسعة وكذلك من سماحته ومن رقيّ إعجازه الأدبي والفني.
يمثل ذلك جوهر الفلسفة التي استقر عليها فن الخط العربي في المراحل اللاحقة على التأسيس، وذلك بعد أن تبلور كمنجز في المخطوطات والعمارة الدينية الإسلامية وغير الدينية، وكذلك بعدما وجد لنفسه تعبيرات لدى أعرض جمهور ممكن من الناس عندما شاع في الفنون التطبيقية والشعبية محملته آنية الطعام مثلما حملته السجاجيد وسائر أدوات الزينة المعروفة في الحياة اليومية للميسورين، أو ما تجري تسميتهم اليوم بالطبقة الاجتماعية الوسطى أو المتوسطة، وذلك في عصور الرخاء والازدهار الاقتصادي الذي شهدته الحضارة العربيةـ الإسلامية في غير زمان ومكان وحاضرة كدمشق وبغداد وغرناطة وسواها.

نشأة مدينية
إذن، لنبتعد عن الجانب الروحاني في فن الخط العربي وارتباطه بالعلوي والسماوي، وأقرب ما يكون إلى الدنيوي والحسي المباشر، فإن ظهور فن الخط العربي هو، يقينا، فن ارتبط ظهوره وازدهاره بالمدينة العربية، شأنه في ذلك شأن سائر الفنون والعلوم الأخرى الدنيوية التي ازدهرت في المدينة العربية عندما اتسمت بالنضج الحضاري والعمراني والثقافي. وهذا النضج بدوره، هو الذي سمح لهذا الفن بالتطور وفقا لمقاييس وموازين وأسباب منها ما هو ذاتي وما هو موضوعي، حتى أن هذا الفن قد استمر بالتطور إلى أن أفلت شمس الثقافة العربية والإسلامية مع الغزو المغولي، تقريبا، وحتى بداية العصر الحديث عندما أعيد اكتشاف هذا الفن مع إعادة اكتشاف جملة من الفنون والعلوم والآداب الأخرى، أي في لحظة تلك اليقظة بعد فوات حضاري طويل لتدخل الثقافة العربية والعقل العربي في نزاع لم يحسم بعد حول الأصالة والحداثة.
وربما من المفيد هنا النقل عن مقالة للكاتب محمد هشام النعسان حملت العنوان: «تطور الخط العربي وعالميته» منشورة في موقع إلكتروني، وهو بدوره نقلها عن ابن خلدون في مقدمته الشهيرة اعتباره الخط العربي «من جملة الصنائع المدنية المعاشية، وقياسا على ذلك فهو ضرورة اجتماعية اصطنعها الإنسان ورمز بها الكلمات المسموعة».
بهذا المعنى، يكون فن الخط العربي فنا مدينيا ودنيويا بامتياز، دون أن يفقده ذلك شيئا من روحانيته. فهو أول جانب من جوانب الثقافة العربية والاسلامية الذي من الممكن أن يُحسب على الثقافة المكتوبة وليس الشفوية، إذ أنه الوجه المقروء من هذه الثقافة، كما أنه ينتمي إلى الذائقة الكتابية، في تحولاتها وتغيراتها وتقدمها وتراجعها. وربما تفسّر هذه المدينية - الدنيوية ذات الطابع الاحتفالي بالروحانية، كون فن الخط العربي هو أكثر الفنون التزيينية انتشارا، في عمارة المساجد وسائر العمائر الدينية الأخرى وغير الدينية، من سائر الفنون الأخرى، فقد احتل برموزه وعباراته وتعبيراته ورموزه ودلالاته فني الزخرفة والأرابيسك، حيث هذا الفن الأخير هو الوحيد الذي يحمل في اسمه صفة العربية.
أيضا تفسّر هذه المدينية ـ الدنيوية التعدد في فن الخط العربي وتنوعه واختلافه بتعدد وتنوّع واختلاف الأمصار والبلدان التي تنطق بالعربية وتلك التي تستخدم الحرف العربي في لغتها المحلية كما تطور هناك متأثرا بعناصر بيئية وثقافية تخص مجتمعات تلك اللغات بعيدا عن المركز العربي الذي تطور بدوره مشرقيا ومغاربيا باتجاهات أخرى متعدد ومختلفة عن سواها، إلى حدّ أن أنواعا من الخطوط المدرجة ضمن فن الخط العربي ينتسب في اسمه إلى إقليم إسلامي أو عربي ما من فرط ما تحققت لهذا النوع خصوصيته وفرادته ومقدرته على إدهاش عين الناظر إليه حتى الآن.

سمات ومواصفات
اتفق دارسو فن الخط العربي والباحثون في جمالياته على أن هناك سمات ومواصفات خاصة يجب توفرها في «لوحة» الخط العربي لأنها تميّزه عن سواه من فنون الخط في اللغات الأخرى، الآسيوية منها تحديدا، وكذلك لأنهاـ أي هذه السمات ـ تنضاف إلى جمالياته الخاصة التي يبعها الفنان وفقا لمستوى موهبته وجملة خبراته وذائقته ورهافته وحالته النفسية في لحظة إبداعه وسواها من الشروط العرَضية والثابتة التي تترك أثرا في هذا الإبداع، وهذه السمات هي: التناظر، والانسجام، وإحكام ترتيب الكلمات، والتركيب، وحسن التوزيع.
ثم إن هناك ما منح الخطاط العربي مساحة واسعة من الإبداع في هذا الفن وما مكّنه من الارتقاء بهذا الفن إلى أعلى درجاته، ويتصل مباشرة بطبيعة الحرف العربي وطرائق كتابته. فالكتابة العربية هي من نوع من الكتابة متصلة الأحرف الأمر الذي حفَّز فنان الخط العربي على أن يجعل الأحرف قابلة للتشكل الهندسي المنتظم وغير المنتظم وبانسيابية منحت الخط جماليات لافتة وخاصة أيضا تميّزه عن سواه من فنون العربية مثلما تميزه عن سواه من الفنون التشكيلية الأخرى الحديثة منها والكلاسيكية.
بالمقابل أيضا، وتبعا للمرجعيات الثقافية والفنية الكلاسيكية العربية، فلقد استقر من بين أصول هذا الفن أن الخطاط الذي لا يتقن «خطّ الثلث» ليس بفنان، ولو أجاد في سواه من أنواع الخطوط فإنه «حِرَفي»، بالمعنى المهني للكلمة. إذ أن أي خطاط أتقن الكتابة في الثلث، وفقا لموازينه ومواصفاته واشتراطاته الخاصة به، فإنه يتقن بالضرورة فنون الخطّ الأخرى، وذلك لأن الثلث هو أصل فن الخط العربي ومبتدأه، لذلك فهو الميزان الذي يُقاس به إبداع الخطاط ومستوى تقدمه الفني ومستوى تميّزه عن أقرانه ومعاصريه من الخطاطين.
(الآن، وهنا)، متى كانت استعادة هذا الفن من بطون المخطوطات وجدران العمائر وسواها؟ وفي أي سياق حضاري ـ ثقافي جرى ذلك في العصر الحديث؟ ثم مَنْ الذي أطلق تسمية «الحروفية» أو «اللوحة الحروفية» على اللوحة المعاصرة التي اتخذت من فن الخط العربي موضوعا لها؟ وهل هي تسمية حديثة بالفعل؟