الملحق الثقافي

سردية الشعر وشعرية السرد

حين شرَعْتُ في قراءة ديوان «الممرات الضيقة»، ورواية «أوراق امرأة»، للشاعرة عزة الحسيني، فعلت ذلك قياماً بواجب الاستجابة لتكليف وتشريف، ومجاملة واحتفاءً بأخت كريمة مبدعة... ولكن بسرعة تحولت القراءة إلى متعة، واستحالت المجاملة إلى حالة شائقة من التذوق الشفيف للغة إبداعية دافقة، تحفز، وتستفز نهَم القراءة في حد ذاته، ولذلك قررت دون تردد أن يكون ما سأعرضه عليكم الآن، من جُهْدِ مُقلٍّ، قراءة -مجرد قراءة- وليس نقداً. وتلقياً واستقبالاً وليس عرضاً أو استعراضاً. ولا أقصد هنا القراءة بمعناها المنهجي الذي يعني ـ ضمن ما يعني ـإعادة الكتابة، ولا حتى معناها النموذجي، الذي يعني في نظرية التلقي والاستجابة ـ على الأقل ـ توليد المعنى، وشراكة القارئ للمؤلف، التي تحدث عنها رولان بارت في دراسات كثيرة شهيرة، وإنما أعني بكل بساطة القراءة بمعناها الإيثيمولوجي الاشتقاقي القاموسي العادي: ومن معاني القراءة لغة الجمع والتأليف وتقديم الملفوظ جملة لا تفصيلاً.
والقراءة أيضاً، وربما خاصة: إعادة تهجية الملفوظ، وفك حروف المكتوب، سبيلاً إلى فهمه، ووقوفاً على عتباته الدلالية في أبسط مستوياتها إن كان كثيف الدلالة، مكتنز العبارة، كنصوص الشاعرة عزة الحسيني، وحسبي هنا من النقد إبداء ملاحظات، وتتبع إحالات، قد يكون لها مكان ضمن «ما صدق» النص بعبارة المناطقة، أو في مدلول وقصدية الكاتب أو الشاعر، بالمفهوم الأدبي.
ولكن قبل عرض قراءتي البسيطة في مدونة الشاعرة عزة الحسيني الشعرية والسردية، أستسمح في تسجيل كلمة أمانة، وإبداء ملاحظة إجرائية.
وكلمة الأمانة هي أنني لم أقرأ المدونة كاملة قراءة حرفية معمقة، ولا قراءة تحقيق وتدقيق، وإنما قرأت في الرواية حتى تجاوزت مائة صفحة من صفحاتها الـ190 وبعد ذلك قفزت إلى آخرها، ووجدت فيه كثيراً من النهايات الممكنة لما قرأت في بدايتها من فضاءات وآفاق سردية. كما قرأت أيضاً جل الديوان إن لم يكن كله. وطبقت بعد ذلك القاعدة النمطية الكلاسيكية، حيث نسيت تقريباً ما قرأت باستثناء تقميش عارض لبعض الإحالات ونقاط الاستظهار، التي استعنت بها في كتابة هذه الورقة من قصاصات التقميش، ثم تركت الباقي على الذاكرة الخؤون الحرون.
وأما الملاحظة الإجرائية فهي عدم اتباعي هنا أي منهج نقدي محدد، بحيث ألتزم به حرفياً كنموذج إرشادي ملزم في قواعده لتحليل النصوص، أو للحفر فيها، وتفكيك دلالاتها، وإنما هي قراءة حرة مفتوحة، على السجية، ومن فيض الخاطر، تستدعي من كل المناهج الوصفية، والانطباعية العادية، والبنيوية الأسلوبية، ما قد يخدم طريقها الممتنع، وغير السهل، ودون تكلف أو تمحُّل، أو تقيد بأية وثنية منهجية أو نقدية، تكون بمثابة سرير بروكوست، تعرض عليه الذائقة نفسها، وتسوق، أو إن شئتم تسوغ من ورائه افتراضاتها وتعميماتها، الذاتية أيضاً، والعادية جداً، والنسبية أولاً وأخيراً.

تصنيفات وتعالقات
ولعل أول ما لفت نظري في بدايات قراءتي لرواية الشاعرة عزة الحسيني هو شعرية سردها الدافقة فقررت بسرعة أن يكون تصيُّد هذا الملمح هو الخيط الناظم لقراءتي في عمليْها الرائقين، اللذين وقعت في غواية لغتهما الباذخة، من أول نظرة. وهنا أستسمح أيضاً في إيراد بعض التوضيحات النقدية المبسطة، تيسيراً للجمهور العام، وتبسيطاً لبعض ما قد يبدو له من مغاليق العبارة، في كلمتي «سردية الشعر» و»شعرية السرد» نفسيها، لأن التصنيف الكلاسيكي الدارج للأجناس الأدبية، يصنف الشعر والسرد عادة دون تعالق. فالسرد عادة من فنون النثر، وهو بذلك يقابل الشعر مقابلة مشاكَلة وتضايف، بين «الصناعتين»، إذا استخدمنا تعبير أبي هلال العسكري. ولذا فقد جرت العادة في أذهان العامة على تقسيم أنواع المَقـُول الأدبي عموماً إلى شعر ونثر، أو وفق التصنيفات الكلاسيكية لنظرية الأجناس والأنواع الأدبية إلى شعر عمودي وتفعيلة وقصيدة نثر، مقابل السرد من رواية، وقصة، ومقالة، وخاطرة. ولكن هذا التصنيف يبقى تصنيفاً قلقاً، وكذلك مصطلح الجنس أو النوع الأدبي نفسه هو أيضاً مصطلح قلق في حد ذاته وغير دقيق. وأقل من ذلك دقة، وأكثر قلقاً أي تصنيف آخر قد يقيّد الإبداع الأدبي عموماً عن انتهاك الحدود ويفرض عليه القيود. والحال أن بين هذه الأشكال أو الأنواع الأدبية مشتركات بنيوية عميقة حتى لو كان كل منها منفصلاً عن الآخر في بعض أخص خصائصه.
وتلك المشتركات المذكورة هي سمات إبداعية عابرة للأجناس والتصنيفات، لا يمكن الاستناد أو الاعتماد عليها لتلمس فرادة لنوع أدبي بذاته، لأنها سمات مشتركة تنتمي إلى الأدبية نفسها، وفي مقدمة تلك المشتركات ظاهرتا: «الشعرية» و»السردية»، اللتين لا تنتمي أي منهما إلى الشعر وحده أو النثر وحده.
ومثلما أن هنالك شعرية في السرد، هنالك أيضاً سردية في الشعر، ولا أقصد هنا فقط - في سياقنا العربي- قصيدة النثر، وإنما يصدق هذا أيضاً على الشعر العمودي وحتى الجاهلي، وقد تتبع الناقد العربي كمال أبو ديب الملمح السردي في الشعر الجاهلي، في دراسات رصينة، ليس هذا وقت التبسُّط في تفاصيلها، لأنها منشورة ومشهورة بما يغني عن الإطناب والاستطراد. والقصد من هذا الكلام أن البناء السردي القصصي يدخل بنيوياً في لحمة وسدى البناء الشعري، كما تدخل اللحظة الشعرية في صلب السرد الروائي، في سياق أدبي يظل فيه صوت الشاعر/ السارد هو الذي يتولى إحداث التشاكل بين ما هو شعري، وما هو غير شعري، وفي تنظيم دخول وخروج الأصوات في كلا الاتجاهين.

البوح والتأمل
يتألف ديوان «الممرات الضيقة» من 42 نصاً تراوح بين قصيدة النثر والخاطرة، ويضم بين دفتيه 96 صفحة من القطع الصغير، وفيه نقرأ بوحاً وتأملات، وأحياناً اعترافات ذاتية، تنهال منها صور شعرية متدفقة كشلال آسر من الزهور. وهنا لحظات نفسية منفوشة أو مهموسة، برسم جموح الأحلام غير المتحققة، وعواصف العواطف الطليقة الجامحة. وهنا شعرية الشعر بسهولة صورها الممتنعة، وجمالية مفردتها الجزلة الماتعة، دون تكلف، وكيف لا والشاعرة تقول إن الكلمات اسم آخر للممكن، وهيولى عصية أبية في معناها على الخواء أو الامتلاء، لأن: «من يعطي الكلمات بعدها الآخر.. كمن يباغت الليل بنجمة... أو يعشق... في واحات نخيل نخلة... والصمتُ... جسر طويل طويل... يأخذني بين الشك واليقين». (الممرات.. ص 14-13)، بل وتفرج منذ القصيدة الأولى وعنوانها: «ظل القصيدة»، عن سر لعله هو العنوان الآخر المضمر:»سر القصيدة» حين تقول: «أهديك قصيدة، لم تكتب... ابحثْ عن الحروف بعيداً... ولا تسجنِّي بين السطور... فالكلمات عصفور يموت إن سجنته»، (ص 7).
وتتمادى الشاعرة في نسيجها -ونشيجها- الشعري الشفيف محلقة في بوح كالأساطير، وبلغة من سلالة العنب: «وحده الحلم.. ينفذ من الأماكن الباردة.. يلملم أوراق الخريف المتساقطة.. يحـــــولها إلى قصائد حب» (ص 24)، ليصل بوحها إلى مشارف الاعتراف والوصف العميق للغتها وهي تقف أمام مرايا وصروح القصيد الممرَّدة، مرددة مونولوجات مرتدة: «فكرة أنت.. سحابة صيف.. مزيج من الحب والعطاء.. مزيج من اليأس والرجاء.. مزيج من الموت والحياة» (الممرات ص 50). وهذا الحس الشعري بجمالية المفردة وكيميائها، أو هذا «التخاطر» بالكلمات -الذي عنونت به الشاعرة إحدى قصائدها، وبسطت فيه قولاً في روايتها- نجده أيضاً مرة أخرى في السرد حين تقول نور، بطلة «أوراق امرأة» في إطرائها لخطاب فؤاد: «كنت مقتصداً بالكلمات، وسخياً بالصور والإيحاءات، باختصار كنت محاضراً بليغاً، ومدركاً بشكل لافت لكل كلمة تقولها» (أوراق امرأة ص 19).

النص الحالة
تقع رواية «أوراق امرأة» في 190 صفحة من القطع المتوسط، وتتوزع على سبعة فصول متفاوتة الحجم، ينقسم كل منها إلى مقاطع سردية مرقمة دون أية عنونة أخرى إضافية. وتروي فيها الساردة الرئيسية نور يومياتها وحياتها وقصص حبها المنتثرة المنكسرة، وأحلامها الناجزة، النافرة، أو الميئوس منها، والمنكوث بها... وتتقاطع هذه اليوميات مع مصائر ويوميات صديقتيها لمى ورولى، ومن دخلوا حياتهن من رجال، ومن انسحبوا من العتبة، أو مما بعد العتبة، وتستدعي بحب وحنين أهل قريتها، وبيروتها، ولبنانها، وأسفارها إلى الجزر اليونانية، والمدن الأميركية والدياسبورا اللبنانية في المهجر، ونجاحات الجامعة، وانكسارات الحب، وانهيارات الزواج... الخ. وتقوم الرواية في الغالب على نوع من السرد الداخلي، أو سرد الذات، «وهو يمثل نمطاً مهماً من أنماط شعرية الرواية، فيما يمكن تسميته بكتابة نص الحالة، وهو نص مفتوح المواجع والمسارب، ولكنه يقوم على نواة محورية غائرة، هي مساءلة الذات الفارقة تاريخياً أو ذاتياً، أو حتى أسطورياً. ففي سرد الذات تبدو السردية أو القصة أو الحكاية -إن كانت ثمة حكاية تروى على نحو مألوف- كما لو كانت نصاً شعرياً غنائياً أو ملحمياً -يؤرخ لهذه الذاتية الداخلية أو الخارجية، أو يستعرض مزاجها وما تكون عليه من حال، على نحو يعبر من خلاله الروائي-الشاعر- عن علاقته بالناس والوطن والكون والحياة والأشياء من حوله، ويناقش رؤاه وفلسفته، ويطرح أسئلته، وهمومه الفكرية، ويعرض عذاباته، وأحلامه، وأمله ويأسه، وغضبه وفرحه، وتشكلات حالات الوعي لديه»، وانغماسه في حياة يقبل على مباهجها ويتجرع مراراتها ربما حتى دون أن يعرف هويتها أو نهايتها المفتوحة.

مظاهر شعرية
وبشكل مبسط جداً يمكننا تلمس بعض مظاهر الشعرية في الرواية من خلال لغة التصوير السردي، وأيضاً في لغة تخليق المجاز وصناعة المفارقة:
وتشتغل الكاتبة على التصوير والرسم بالكلمات من خلال وصف لغة جسد الشخوص أحياناً «فللجسد لغة خاصة، لغة تفوق الصمت والكلام، تخلق عالماً هو أقرب إلى الحلم، إلى الحقيقة، ليصبح الحقيقة المشتهاة»، (ص 73). وليست لغة الجسد خاصة أيضاً بالموجودات الحسية، بل تشمل كذلك الموجودات، أو بالأحرى اللاموجودات التصورية، كالأمل والألم، والشوق، الذي تخصه الكاتبة بسؤال: «ماذا لو أتيح للشوق أن يتجسد في هيكل محسوس ومرئي، ترى كيف يكون شكله وهيئته؟»، (ص 47).
ومن أمثلة شعرية التصوير السردي قول الكاتبة إن: «الحب والمعرفة هما الندان الوحيدان للوقت، وهما اللذان يقلمان أظافره، ويجعلانه يمر بهدوء، من دون قرقعة، ومن دون أسف أو ندم»، (أوراق.. ص 21). وكل هذا ضمن دفق صور: «ابتدعته أحلام مخرجة تلجم طموحها في كل يوم مئات المرات، وهي قابعة في زاوية مكتبها الصغير، كي لا تنتفض لغبار أجنحتها التي ترفرف عالياً في فضاءات بعيدة. أبعد من أن تصلها، وهي مسمّرة على كرسيها العتيق، الذي تلون بانكساراتها وشموخها مئات المرات»، (ص 23).
ومن الصور الشعرية السردية وصف الساردة نور لصديقتها لمى يوم عرس صديقتهما الثالثة رولى، حيث تستطرد في غمرات وصفها: «كانت نظرتها مزيجاً فريداً من نوعه، فيه الكثير من القوة والغضب، والخيبة والعتب، والألم دفعة واحدة» ويصل التكثيف إلى ذروته حين تفرج عن مكنون كل الجملة السابقة: «بدت نظرتها أشبه بلغز» (ص 84). وأما شعرية صناعة المفارقة فالقصد بها هنا هو انتهاك نظام الخطاب المعهود، وتخليق المجازات في سياق بناء النص لتأتي بوصفها صدمة تصنع مفارقة شعرية أو استعارية تعتمد على آليات سردية، ومفارقة ترتبط بعالم ما خارج النص، وتضع المتلقي على حافة السؤال عن معهود الدلالة القبْلية للألفاظ وحدود تجاوراتها المعتادة. ومن أمثلة تخليق هذه الشعرية رؤية الكاتبة للعشق بمعانيه الفصيحة، الفسيحة، حين تنثر «معاني العشق وتدرجاته في اللغة... بين الولع والوله، والعشق والحب، والغرام والهيام، وبين الجوى والهوى والشغف والدنف والصبوة والشهوة»، (أوراق ص 57).
وقد يتم توليد شعرية المفارقة والمجاز هذه في تتابع سياق واحد شعري- سردي، كما نجد في قولها: «اختلطت القبلات بالضجيج والضحك والأسئلة التي تطلب الإجابات، من دون أن تنتظرها» (ص 59)، ليبدأ بعد هذا التكثيف الشعري سرد نموذجي مباشر: «هكذا بدأ اللقاء، حتى هدأت الأمور شيئاً فشيئاً.. وجلسنا نشرب الشاي اللذيذ، وأنا أقص عليهم تفاصيل رحلتي، منذ اللحظة الأولى لركوبي الطائرة»، (ص 59). وهنالك أيضاً شعرية أخرى معلنة في السرد في مقاطع كتبتها الشاعرة في صيغتها الشعرية الصريحة، إن جاز التعبير، مثل المقطع الشعري الذي يبدأ من السطر الأخير من صفحة 101 ويشغل العشرة أسطر الأولى من ص 102. ومقطع شعر ثانٍ في آخر (ص 126). ومقطع شعر ثالث في منتصف (ص 130). ومقطع شعر رابع في (ص 139). ومقطع شعر خامس (ص 171). وعشرة أبيات من شعر سعيد عقل كما هي في (صفحة 183). وكل هذه المقاطع لا تبدو بدعاً أو قطْعاً في السرد، وإنما تبدو جزءاً أليفاً من لغته ولحمته.

تكثيف الإحالة
وتكثف الكاتبة سردها أحياناً بإيقونات وإحالات ثقافية أو موضوعية كحالات التناص مع ميلان كونديرا في (ص 14)، ومع الشاعر جودت فخر الدين في (ص 17)، ونزار قباني في (ص 91)، وتي إليوت (ص 95)، حين تتهيأ الأشباه والنظائر، لتستدعي في ذهن المتلقي بعض الوجوه والأقنعة، وتولد لديه توثيقاً للمحكي وألفة للأمكنة، بل إنها تقدم إليه أحياناً نفسها دون مواربة كمؤلف نموذجي -بعبارة امبرتو إيكو- حين تقدم له شخوصها: «إنها هي.. هي بشحمها ولحمها، إنها بطلة روايتي التي ولدت للتو، من بين تلك الكلمات المتدفقة كالسيل الجارف، والملتهبة، المليئة بالعواطف الإنسانية»! (ص 13).

تكنيك السرد
الساردة الرئيسية نور التي تراوح بين ضميري المتكلم والمخاطب أحياناً لا يصرح مع ذلك باسمها قبل ص 69 على لسان لمى، وفي سياق السرود الخطية السلسة تجري التنقلات الزمانية وتناوبات القص، وقد تلجأ إلى الاسترجاع والتناص، وتدمج الإيقاعين الزماني بالمكاني، وتستبطن اللحظة وتعمقها في زمان آخر جديد، أو قد تلجأ إلى مجاورات مكانية وزمانية بالاتكاء على خطابات أخرى كبعض حالات التناص، أو باستدعاء إحالات تكثيف ثقافية ومرجعية من أغاني كوكب الشرق والعندليب الأسمر، وغيرهما كثير. وحين تبارح الشاعرة شعريتها وتتقحم السرد توشك أحياناً أن تقع في مباشَرة السردية، كما في بداية (ص 19)، وكذلك الوصف شبه المدرسي لأحوال اليونان وتاريخها (ص 37)، قبل أن تقلع الكاتبة مجدداً في سرديتها المحلقة وتكثيفها الشعري... وأرجو ألا تعطي هذه الملاحظة العارضة انطباعاً بوصف الرواية بالمباشَرة لأن ما ذكر حالة خاصة تـُحفظ ولا يقاس عليها، ولأن سرد الكاتبة أبعد ما يكون عموماً عن المباشرة، وتكنيكات سردها ذكية، ولا تقول كل شيء دفعة واحدة، بل لا تقوله أحياناً بتاتاً كما في (صفحة 38) التي تصف فيها الساردة نور حال الصديقتين وتترك نفسها، لأن أحكامها تحكم عليها، ووصفها للآخرين يصلح النظر إليه كلعبة مرايا متعاكسة، أو أوانٍ مستطرقة، أو كدمية روسية لا تني تعددية الذوات والمذاوتة المتجددة فيها عن التوالد والتفريخ والتفريع.

نوستالجيا لبنان
وفي سياق ثقافي نقدي أشمل، لو كان لي أن أختصر هذه المدونة في كلمات قليلة، لزعمتُ أن رسالتها تحمل همين اثنين أساسيين: أزمة الهوية، ونوستالجيا لبنان، وهذان الهمان مترابطان أشد الترابط، ومتضايفان كما ينبغي للتضايف أن يكون، فهوية ذات الساردة، وشخوص الرواية، والمضمون الشعري المنثال تحت بوح الذات الساردة، كلها تطرح قضية الذات، وأزمة هويتها الشخصية الخاصة، والعامة. وفي الأولى الخاصة تأتي قضايا المرأة، والعاطفة، ومؤسسة الزواج، وهنا تثير الكاتبة قضية الزواج المدني، وعوائق المذهبية والمحاصصة الطائفية في كل شيء حتى في قصص الحب، من خلال زواج رولى وسعيد، المتحدي للمسألة المذهبية والعابر للطوائف (ص 47)... كما يسكن أيضاً لبنان الوطن النهائي، والمتخيَّل الجمالي، ذات الكاتبة التي لا تنفك تباريح نوستالجيا بلاد الأرز تهدهد وجدانها، لتتقمص هذا الوطن، تقمصاً وجدانياً في كل مكان، تماماً كما تسجل هذه النوستالجيا ذاتها لدى اللبنانيين والعرب المغتربين في أميركا (ص 121)، وعند الساردة نور نفسها في مواضع كثيرة مثلاً في آخر فقرة من (ص 122)، في حالة متواترة من شعرية المنفى وطقوس العبور المحموم، من لبنان... وإلى لبنان.

حسنات وهَنـَّات
وزيادة على جمالية وشعرية لغة الكاتبة، لابد أيضاً من كلمة إشادة أخيرة بفصاحتها، وخلو الديوان والرواية معاً من أية أخطاء لغوية أو نحوية،أو حتى إملائية،وهذا أمر نادر للغاية بين كُتاب اليوم. ويكفي للدلالة على ما أقول أن ما وقفتُ عليه مما أفترض أن يكون أخطاء لا يزيد عدداً على أصابع اليد الواحدة، من مدونة تقارب الثلاثمائة صفحة. ومما وقفت عليه خطأ مطبعي تصحيفي بلام زائدة على كلمة «تلك» في السطر الأول من الفقرة الأخيرة من صفحة ص 42... ومنها خطأ تكرر في صياغة تأنيث بدل تذكير لكلمة «الغبار»، كقولها «فالغبار قد غطت المكان» في ص 48، وجرى تأنيث الغبار أيضاً في صفحة 134 والغبار مذكر، والمؤنث «غبرة» كما في «الصحاح» للجوهري. وكذلك حديث المؤنث بصيغة المذكر في عبارة «هاأنذا» على لسان ساردة امرأة، بدلاً من عبارة «هاأنذي».
وقد تكرر ذلك عدة مرات، منها مثلاً بداية الفقرة الثانية من صفحة 145. ومن هذه الحسنات لا الهنات، الخطأ الإعرابي المتحول إلى خطأ إملائي في رسم الهمزة في قولها «مهما حاولت إخفاؤه» ص 84 بدلاً من «مهما حاولت إخفاءه»! وكذلك في حديث الساردة عن امرأة ثرثارة في القرية يسمونها «وكالة الأنباء» لكثرة نقلها للشائعات والحكايات، حين تقول:«وكانت «وكالة الأنباء» قد جاءت وفي جعبتها خبراً أفرحني كثيراً»، ص 133، والصواب: «خبر» بالضمة الظاهرة على آخره. أو الخطأ الإملائي في رسم كلمة «ملء» على السطر بدلاً من الألف وقد ورد ذلك في السطر 1 من الفقرة 4 في الصفحة 92. وأخيراً هنالك تعدية غير لازمة في قولها: «كأن لمى قد أدركت بما دار في خلدي» ص 138، بدلاً من «أدركت ما دار»، دون حاجة إل تعدية بالباء. وعلى العموم فليس في نصوص الكاتبة من ناحية اللغة ما يقال، وليست أخطاء طباعية لممٌ بسيطة مثل هذه مما يستحق الذكر أصلاً. ولكن لا يخلو عمل إنساني من خطأ، ويأبى الله أن يتم إلا كتابه.