الملحق الثقافي

النص المتجاوز

نعود إلى كتاب «أدبيات الكرامة الصوفية ـ دراسة في الشكل والمضمون»، الذي أصدره مركز زايد للتراث والتاريخ في مدينة العين قبل سنوات، لأسباب كثيرة، أولها: لأن مؤلفة هو الدكتور محمد أبو الفضل بدران أستاذ النقد الأدبي المساعد بجامعة الإمارات العربية المتحدة، ولعله الأكثر التصاقا بهذا الموضوع بحكم تخصصه، وله العديد من الكتب في النقد الأدبي والعروض تأليفا وتحقيقا وترجمة. وثانيها: جرأة الطرح والتناول لموضوع شائك لم يتناوله كتاب كثيرون بهذا المنهج التوصيفي التحليلي المقارن، بل وإن مثل هذا التناول لهذه الموضوعة يحمل إشكالياته، فالكتاب الذي يقع في 344 صفحة من القطع الكبير، محاولة نحو دراسة أدبيات الكرامات الصوفية المدونة والشفهية، فهو يتناولها بأسلوب أدبي بديع من حيث المقاربات وطريقة السرد الأدبي والتصويري، ومن حيث المنهج التحليلي، من منطلق رؤية نقدية إبداعية تطبيقية معاصرة، يرى أنها نبع أدبي، قد يكون أساسا من أسس تكوين القصة والرواية. وثالثها: أن الدراسة الموثقة تناولت أهم مصادر الكرامات التراثية والمعاصرة، كذلك موقف المستشرقين منها، كما عرّجت نحو فهم موقف المذاهب والفرق الإسلامية من هذا الاصطلاح، ليصلنا المؤلف بما أسماه «نظرية الاستبدال في الكرامة» وأهمية توظيفها في الأدب العربي شعرا ونثرا ومسرحا. ورابعها وآخرها: أن المؤلف بما يمتلكه من لغة رصينة، وعمق في الرؤية، قدّم للجيل الجديد، والدارسين والباحثين مجالا فريدا للمناقشة في معنى «الكرامات» في الأدب، ومدى تأثير حضورها في مجالات «التّصوف»، ليقول لنا في النهاية أن هذا الاصطلاح الأدبي الفريد من نوعه (الكرامات) هي جنس أدبي مستقل بذاته، يتلامس مع القصة، بل ربما يكون أساسها، ولهذا كان مؤلف الكتاب حريصا على الاّ يدخل في إشكاليات تتعلق بالكرامات باعتبارها حكاية مقدّسة لدى الصوفيين، وحتى يكون أكثر دقّة، لجأ إلى الدراسات الأنثربولوجية.

النص الكراماتي
يحتوي الكتاب على تمهيد وثمانية فصول، يوضح المؤلف من خلالها أن (الكرامات الصوفية) هي وسيلة وعظية في المساجد وأداة للتّرقي في المقامات لدى معظم الطرق الصوفية، وهي أيضا الحدث، أو الغرض الذي يتكئ عليه الأدب العربي والإسلامي الحديث، ولا سيما في مجال الرواية، حيث رأينا عددا كبيرا من الروائيين العرب، ينهلون في كتاباتهم من هذا الجانب، كما يؤكد لنا المؤلف أن «النّص الكراماتي»، هو نص روائي لا متناه، ويقول في هذا الشأن: «إن النص الكراماتي هو نص روائي لا متناه، يستطيع أن يواكب العصور، كي يتجاوزها، وهو التدوين الشعبي للأحداث والدّول والتأريخ الهلامي لسيرة الأولياء، حيث يبدع الشعب في تخليد حياة أوليائه وكتابة سير حياتهم وفق رؤيتهم، ولهذا فقد أخطأ المؤرخون عندما أزاحوا الكرامات الصوفية جانبا، إذ أهملوا بذلك جانبا خصبا من طرائق البحث في الوجة الآخر للمجتمع أشبه بالتأريخ الشعبي للحياة، كما يتصورونها ويتمنونها».
جاء الفصل الأول من الكتاب تحت عنوان «أهم مصادر الكرامات وموقف المذاهب والفرق الاسلامية منها، وقد طرح المؤلف جملة من الموضوعات مثل أهم المصادر التراثية في الكرامات، وأهم الدراسات العربية والاستشرافية في هذا الموضوع، كما ناقش مواقف المذاهب والفرق الإسلامية من الكرامات، مثل المعتزلة، الأشعرية، الشيعة، الفلاسفة، وغيرها. كما تحدث عن المنظور الفقهي، وكذلك المنظور الصوفي من هذا الاصطلاح، وقد استشهد المؤلف في مناقشته لهذا الأمر بمنجزات لعدد من الكتاب والشعراء لكي يوضح إلى أي مدى احتلت الكرامات حيزا كبيرا في الفكر الإسلامي، مثل جلال الدين الرومي، الذي وظف الكرامات في مثنوياته، مضمنها أغراضا تعليمية، ويدافع عنها ضد منكريها الذين أسماهم أهل الغفلة، ويقول الرومي: «يا أخي إن القصة مثل المكيال، والمعنى فيها مثل الحب في المكيال، فالرجل العاقل يأخذ صحاح المعنى، ولا ينظر إلى المكيال، وإن كان وسيلة النقل».
ويردد الامام الدردير في منظومته دعاء:
وهب لي أيا رباه كشفا مقدسا
لأدري به سرّ البقاء مع الفنا
ومن علينا يا ودود بجذبة
بها نلحق الأقوام من سار قبلنا
وقد قال أبو العباس المرسي: «والله ما جلست حتى جعلت جميع الكرامات تحت سجادتي»، وقال إبن الزيات التادلي شعرا
في هذا المعنى:
يا من تشكك جهلا في كرامتهم
حقق وصدّق بأن القوم قد صدقوا
العقل جوّزها، والشرع أثبتها
وما بكفّك الا العيّ والخرق

توظيف أدبي
الفصل الثاني من الكتاب، حمل عنوان «نظرية الاستبدال في الكرامة»، والثالث «شخصيات الكرامة» والرابع «وظائف الكرامة» والخامس «صور الكرامات» والسادس «الزمن والرؤيا والتصوير والكرامات» والسابع «إبداع العالم المثالي في الكرامات» والثامن والأخير، وهو ما نعتقد أنه يرتبط بنظرية الأصالة والمعاصرة كثيرا، جاء تحت عنوان «توظيف الكرامات الصوفية في الأدب العربي»، ويؤشر في الاستهلال أن الأدباء العرب وظفوا الكرامة في الشعر والنثر، ولعل الكرامات أكثر واقعية من وجهة نظرهم، قياسا إلى الصدفة مثلا، كما أنها أكثر خيالا من الحبكات الأخرى، بيد أن هذا التوظيف جاء للايمان بها في أحايين كثيرة، كما أنّه جاء ساخرا في بعض المواضع، وسواء كان الكاتب أو الروائي العربي مع هذا الاصطلاح أو ضده، إلا أنّه تعامل معه في إنتاجه كجنس أدبي، دون أن يقصد، فهو يعلم أن الجانب التراثي والإنساني في هذه الكرامات يرقى بنصّه الأدبي، ويكون عامل تشويق، أو مصدر إدهاش للمتلقي.
في هذا السياق اللافت، ناقش المؤلف وحاجج، المستشرق ريفن سنر، صاحب مقالة مشهورة في هذا المجال بعنوان «الصوفية الجديدة في الشعر العربي الحديث» عن موجة إحياء التصوف أدبيا، حيث رأى: «أن إحياء الشعر العربي في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، هي بداية ظهور جوانب صوفية في الشعر العلماني، مثل شعراء الكلاسيكية الجديدة». كما رأى سنر أن هؤلاء الشعراء ركزوا على المديح النبوي، ولم يتطرقوا إلى مبادئ التصوّف والحب الالهي. فيما يجد المؤلف الدكتور بدران، أن المستشرق سنر، يخلط بين المديح النبوي والتصوف، فليس كل من قرض المديح النبوي صوفيا، وإلا لعددنا جميع شعراء المديح من القدماء والمحدثين شعراء صوفيين!
ولذلك فشعراء «أبوللو» مثل إبراهيم ناجي، وعلي محمود طه، وابو القاسم الشابي، هم شعراء صوفيون، وهذا في الواقع خلط عجيب ينبئ عن سوء فهم لماهية الشعر الصوفي، وتوظيف الشعراء للمفاهيم والرموز الصوفية.
من هذه المحاورة بين الشرق والغرب، ينتهي المؤلف إلى بداية موفقة لفتح الباب نحو محتويات الفصل الثامن، حينما يؤكد لنا أن الأدباء اتجهوا إلى التراث الصوفي يوظفونه، سواء أكانوا صوفيين أم غير ذلك، وقد لعبت الكرامات دور (النبوءة) في الرواية، التي كانت في الأعمال الأدبية القديمة تأتي إما من الآلهة أو من الكهنة، أو من العرّافين كمأساة أوديب لليوناني سوفوكليس، القائمة على نبوءة تتحقق بحذافيرها. يقول المؤلف: «ولما كان القارئ العربي المسلم لا يؤمن بالنبوءة، حيث يعدّها الدين الإسلامي نوعا من الشعوذة، لذا وجد الروائي في «الكرامات» مخرجا فنيا لحبكة روائية مقنعة ولا تتصادم مع مفاهيم الدين. واذا كان القص العربي التراثي راقدا، فإنني أظن أن الكرامات كنص قصصي لبنة أساسية من لبنات التراث القصصي العربي». وهو هنا مثلا يدافع عن رؤية نقاد الغرب للروائيين العرب ومنهم نجيب محفوظ تحديدا في مسألة توظيف الاعتقاد الشعبي، ويقول في ذلك: «وفي إطار تعليق فيلند روتراند على رواية بين القصرين لنجيب محفوظ، من حيث أنه فيها لا يقبل فكرة تقديس الأولياء، لكنه يحاول أن ينمّي تفهما للدور الديني، أرى أنا أن بعض الروايات جاءت أقرب الى الأنموذج الاجتماعي الذي يحمل خصائص طبقة اجتماعية بذاتها، ويعبر عن أفكارها وقيمها، ومن ثم يمكن أن يكون هذا النوع من الروايات مصدرا إلى حد ما من مصادر التأريخ للحقبة الزمنية التي تقع فيها أحداث الرواية».

في الرواية
يركز المؤلف في هذا الفصل على أعمال عدد من الروائيين العرب، من بينهم جمال الغيطاني ولا سيما في «التجليات» التي يعتمد فيها على التراث الصوفي، ويقول «بيد أن رواية جمال الغيطاني «هاتف المغيب»، تبنى على الكرامات، فتتحول الحكايات عن رجال البرّية، وهم أخوة سبعة أبحروا في سفينة إلى أمكنة مجهولة الى علامات استفهام لأسئلة ثكلى الاجابة، فهو يتحدث عن الأضرحة بطريقة سردية رائعة. ويؤكد أحمد بن عبد الله أنه رأى سحابة تظلل الضريح وينزل منها ما يشبه خيوط الحرير يصعد شخص لم يتحقق من هويته وفور اكتمال طلوعه ارتفعت الغمامة ومضت بعيدا». وفي موضع آخر يتحدث الغيطاني عن الأضرحة التي تحتل جزء كبيرا في الحدث الروائي: «أعيد بناء السور وتحصينه، كما شيدت الأضرحة للصالحين المشهور أمرهم عند كل ركن من السور ضريح، عدا الجهة المطلة على البحر الأعظم، هناك ثلاثة يرقدون تحت قباب خضراء ترى من بعد سحيق، كما يؤكد البحارة الذين أوغلوا، طفنا بضريح سيدي عبد القادر، ورد إلى ديارنا من المشرق، وفي الليالي التي يكتمل فيها القمر يسمع صوته من داخل القبر، إذا ألقى السلام عليه عابر سبيل». ويستطرد المؤلف مع الغيطاني في أكثر من رواية لتأكيد مفهوم توظيف الكرامات في البناء السردي، متناولا روايته «متون الأهرام» حيث يرى «في متون الأهرام للغيطاني نجد نظرة صوفية للاهرام التي يخلع عليها الكاتب صفة القداسة، ويتعامل معها على أنها القطب والغوث حامل الأسرار، ويبهت جميع شخصيات روايته معلّيا من المكان ـ الأهرام ـ فهي مقصد الشيخ تهامي، لب اهتمامه، بؤرة تفكيره، سبب وجوده في هذه المدينة، في هذا الموضع، من مكان فوق الرصيف كان يطوف بالأهرام، كما أن معظم شخصيات الرواية يتعاملون بحس صوفي تبعثه الكرامات المنتظرة، ولذلك فهم يجيئون من المغرب والمشرق قاصدين الأهرام، بل إن أحدهم يأت بناء على توجيه شيخه، ويقضي سنوات عمره راصدا الأهرام».

..وفي الشعر
في مجال الشعر، أشار المؤلف أن كل من الشعراء: عبد الوهاب البياتي، صلاح عبد الصبور، قد استخدما شخصية الحلاج لتوظيفات سياسية واجتماعية حديثة، بل إن عبد الصبور في مسرحية «مأساة الحلاج»، يصر على أن الناس يجب أن تتحرك نحو تحقيق العدل حتى لو كان مستحيلا، ولا تنتظر المعجزات والكرامات. كما شغف البياتي بالشخصيات الصوفية حبا خالصا فيها، فها هو في «بكائية إلى حافظ شيرازي» يقول:
«ناداك في الغيب مناد: (حافظ) الأسرار
لم يبق في الجرّة خمر
فإكسر القدح
ولنرهن الخرقة عند سيدي الخمّار
فلتسعدي شيراز
يا مدينة الحكمة والشعر
وأرض أولياء الله»
كما يكتب الشاعر بدر شاكر السياب في إحدى رسائله إلى توفيق صايغ، وهي من آخر رسائله شاكيا مرضه وآلامه وحسرته من هذه الحياة المضنية بقوله: «انتظرني في الربيع، سنذهب معا لتقديم نذري، إلى سيدة حريصا، وإلى الشيخ الأوزاعي». وفي مقدمة محمد بنيس لديوان عبد الوهاب المؤدب «قبر إبن عربي»، يؤكد هذا الحضور الجميل قائلا: «في الكتابة نكون في حضرة ترجمان الأشواق على منوال لم يكن يخطر على بال إبن عربي. إن قبر إبن عربي إعادة كتابة حديثة لتجربة العشق في زمن لم يعد يلتفت للعشق ولا للعشاق، لقاء يتحقق بعد ثمانية قرون عبر تجربة شعرية تنفذ مباشرة إلى الزمن الشعري». لم يسرد لنا المؤلف الكثير من استخدام الشعراء للكرامات، لأن توظيف الكرامة في الشعر العربي من وجهة نظره لم يأخذ شكل (الظاهرة) الكبيرة، كما أن بعض الشعراء لم يحسنوا فهم الظواهر الصوفية، فجاء توظيفهم للكرامات توظيفا سطحيا مفروضا على النص مما أضرّ به كثيرا.
في مجال القصة القصيرة تناول المؤلف تجربة عدد كبير من القصاصين العرب وأسلوب توظيفهم للكرامات في قصصهم منهم محمود تيمور في قصته القصيرة «ولي الله»، التي نشرها في مجلة الهلال عام 1945، كذلك عند عبد الحكيم قاسم، ويحيى الطاهر عبد الله (الطاحونة)، والقاص النوبي ابراهيم فهمي «أغنية نوبية للهجرة» وغيرهم، حيث وجد المؤلف أن توظيف الكرامات في القصة خرج عن الاعتقاد فيها أو تكذيبها إلى الغوص من خلالها في معتقدات الشعب وأحواله النفسية ورؤاه تجاه العصر، كما استخدمت أداة نحو تجديد الأدب القصصي بكل ما تحمله من تشويق وإدهاش للمتلقي. في مجال الكتابة المسرحية تناول المؤلف مجموعة من كتاب المسرح ومسرحياتهم التي تتضمن توظيفا واضحا للكرامات، منهم الراحل سعد الدين وهبة «يا سلام سلّم الحيطة بتتكلم» والراحل سعد الله ونوس «منمنمات تاريخية» ويوسف عوف في مسرحيته «مولد سيدي المرعب».
ويختتم المؤلف الفصل الثامن من كتابه بعنوان «أدب الكرامات المقارن».