الملحق الثقافي

ذاكرة الاستعمار النازفة

بمناسبة احتفال الجزائر بمرور نصف قرن على استقلالها ونهاية الاستعمار الفرنسي الغاشم، صدر هذا الكتاب/ الوثيقة الذي يحمل عنوان «تاريخ الجزائر في الفترة الاستعماريّة 1830 ـ 1962» وقال عنه المؤرخون أنه مرجع ضروري لكل باحث وقارئ لفهم فترة الاستعمار الفرنسي للجزائر، والحرب التحريرية التي خاضها الشعب الجزائري ببسالة وبتضحيات جسام لنيل الاستقلال.

تأليف جماعي
ان العلاقة بين فرنسا والجزائر أسالت الكثير من الحبر، والكتب التي أرّخت لتلك العلاقات لا حصر لها، ولكن هذا المرجع جاء مختلفا لأنه لأول مرة اشترك في تأليفه فرنسيون وجزائريون، وقد أشرف على عملية التأليف والتنسيق أربعة مؤرخين من الجزائر من بينهم عبد الرحمان بوشان والأكاديمية والباحثة خماسة سياري، ومن بين الفرنسيين المشتركين في تأليف هذا الكتاب والسهر على إنجازه سيلفي تبنو.، وان بيار بيرولو، وإلى جانب هؤلاء الأربعة من المؤرخين المشهود لهم بالكفاءة وهم من الأكاديميين المعروفين في الوسط الجامعي الجزائري فإن الكتاب ضم 80 بحثا لثمانين مؤرخا من الجزائر وفرنسا وأنجلترا والولايات المتحدة الأمريكية وكندا، وكلهم ساهموا بمقالاتهم العلميّة وببحوثهم الأكاديمية في إثراء هذا الكتاب المرجع فجاء وثيقة شاملة ومتعمقة لفترة هامة من تاريخ الجزائر وفرنسا، وتم إثراء هذا الكتاب بخرائط كثيرة وتواريخ عديدة ومراجع متنوعة تساعد القارئ والباحث والمؤرخ على فهم 132 عاما من الاستعمار الفرنسي للجزائر (من 1830 الى 1962) واستعراض وتحليل الأحداث والمواقف والمعارك والمفاوضات والمجازر التي شهدتها الفترة الممتدة خلال قرن و32 عاما، واعتبارا لأهمية هذا الكتاب/ المرجع فإن ناقدا فرنسيا كتب معلقا يجزم: «انه الكتاب الواجب مطالعته».
والملفت ان الكتاب صدر عن دارين للنشر في الآن نفسه: الأولى دار «لا ديكوفرت» (الاكتشاف) الفرنسية، والثانية دار البرزخ الجزائرية، ولا بد من الإشارة إلى ان دار النشر الفرنسية المشتركة في انجاز هذا الكتاب الضخم وهي دار»لا ديكوفلرت» هي دار نشر عريقة وأن مؤسسيها الأوائل كانوا من أنصار استقلال الجزائر، وانها دار تولي اهتماما خاصا في مختلف منشوراتها لهذا البلد العربي المسلم، مع الملاحظة ان بعض النقاد الفرنسيين بينوا ان المؤرخين والأكاديميين الجزائريين عموما ـ وهم لا يقصدون من اشترك في تأليف هذا الكتاب ـ لم يكن ممكنا لهم، لأسباب عديدة، ان يحيدوا في بحوثهم عن ما يسميه الفرنسيون «التاريخ الرسمي» للحركة التحريرية. ورغم ان الكتاب يهتم بفترة سابقة من تاريخ العلاقات بين فرنسا الاستعمارية والجزائرالمناضلة، الا أنه يساعد الباحثين وعامة القراء على فهم واقع البلدين اليوم وخلفيات العلاقات التي تربط بينهما منذ استقلال الجزائر عام 1962 الى اليوم، وهي علاقات متشعبة ومتشابكة تختلط فيها المصالح بالإرث التاريخي الثقيل، ولا شك ان هذا الكتاب الجماعي المشترك ـ وهو الأول من نوعه ـ تتمثل إحدى أهدافه في المساهمة بأكثر ما يمكن من الموضوعية في تحليل فترة هامة من التاريخ المشترك بين فرنسا والجزائر في محاولة علمية لتجاوزجراح الماضي ومآسيه.

ذاكرة شعبين
يوم 18مارس عام 1962 تم إبرام اتفاقيات «ايفران» الشهيرة التي انهت الحرب في الجزائر واعترفت بحق الجزائريين في الاستقلال، وبذلك تم وضع حد لصفحة مؤلمة من نضال مرير من أجل الانعتاق من استعمار غاشم، وقد حلل المؤلفون للكتاب كل مراحل الكفاح التحريري االجزائري مع إبراز نضال الشعب الجزائري وتضحياته في سبيل نيل الاستقلال. وجاء الكتاب في أربعة أجزاء تناولت وفق التسلل الزمني أهم الأحداث التي جدت منذ تاريخ الاستعمار1830 الى تاريخ الاستقلال 1962، علما وان الفكرة الأولى لإنجاز هذا الكتاب الجماعي انطلقت من الناشرين الفرنسي والجزائري ثم بعد ذلك تم الاقتراح على المشرفين على إعداد المواد وجمعها السهر على إعداده، وقد حصل جدل وخلاف حول عنوان الكتاب فقد كان العنوان في الاول: «تاريخ الجزائر الاستعماري»، ثم ولاعتبارات مختلفة تم استبداله بالعنوان الصادر به الكتاب وهو: «تاريخ الجزائر خلال الفترة الاستعمارية».
وحاول المؤرخون المشاركون في تأليف هذا الكتاب اتخاذ مسافة من الأحداث في سعي لكتابة أقرب ما تكون الى الموضوعية بعيدا عن العواطف، ورغم اليقين بأن جراح الماضي لم تندمل بعد ولا تزال حية وحاضرة في الذاكرة الجماعية والفردية للبلدين وللشعبين، الا ان المشرفين على هذا التأليف الجماعي سعوا ـ من خلال إشراك المؤرخين الجزائريين والفرنسيين في كتاب واحد جماعي ـ الى محاولة المصالحة بين ذاكرة الشعبين ولتجاوز جراح الماضي.
والحقيقة ان الجانب الرسمي الفرنسي وخاصة اليمين الفرنسي بقي متعنتا في المواقف المرتبطة بالاستعمار بكثير من الصلف والعنجهية، وعلى سبيل المثال فإن البرلمان الفرنسي لم يقبل استعمال تعبير «حرب الجزائر» في وثائقه الرسمية وبقى رافضا للاعتراف بهذا المصطلح لما يتضمنه صراحة من مسؤولية فرنسا الى حد العام 1999، ثم ان فرنسا الرسمية سواء حكمها اليمين او اليسار رفضت تقديم اعتذار عن المجازر التي ارتكبتها أثناء الفترة الاستعمارية رغم مطالبة الجزائر بذلك، وان هذا الاعتذار لم يتم بشكل جلي ورسمي وانما تم الاكتفاء بإشارات متناثرة في تصريحات وخطب بعض الرسميين الفرنسيين بشكل غامض وملتو مما يؤكد ان الصفحة المؤلة لم تطو تماما، وفي هذا السياق جاء نشر هذا الكتاب العلمي الاكاديمي ضمن المحاولات لرأب الصدع التاريخي والسعي الى المصالحة بين الدولتين والشعبين بعد نصف قرن من استقلال الجزائر.
والملفت في هذا التأليف الجماعي هو مشاركة علماء اجتماع ومؤرخين وحتى أدباء الى جانب بحوث تمت ترجمتها والفها كنديون وأميركون وبريطانيون مما أعطى للكتاب قيمة مضافة وتنوعا في التحليل وشرح الأحداث والمواقف.

آمال وآلام
وقد تم في الفصول الأولى من الكتاب التركيز بصفة خاصة على الفترة الممتدة بين 1954 الى تاريخ الاستقلال عام 1962 وهي أشد فترات الحركة التحريرية الجزائرية نضالا سقط خلالها مئات الآلاف من الشهداء، فقد كان قمع جيش الاحتلال الفرنسي بلا رحمة لتمسك الفرنسيين بالبقاء، إذ لم يكن يدر بخلدهم يوما انهم سيغادرون الجزائر التي كانت تسمى لديهم «الجزائر الفرنسية»، بل ان اكثر من سياسي وعسكري كانوا يرددون: «ان الجزائر هي فرنسا»، والمعمرون الفرنسيون الذين استوطنوا الجزائر رفضوا مغادرة الجزائر الى آخر لحظة بل وتمردوا على الجنرال ديغول الذي أقر باستقلال الجزائر بعد نضال مرير سقط فيه مليون ونصف مليون شهيد. ومن الإشارات الواردة طي أحد البحوث ان البرلمان الفرنسي سن عام 2005 قانونا وردت فيه اشارة واضحة الى «الدور الإيجابي للاستعمار الفرنسي» لافريقيا الشمالية، مما أثار ضجة وجدلا أدى إلى إلغاء هذا القانون بعد عام من الموافقة عليه، بعد ان تغيرت الأغلبية الحاكمة وهذا مثال بسيط من أمثلة كثيرة تؤكد ان آثار الاستعمار الفرنسي للجزائر لا تزال قائمة وحاضرة في ذاكرة الوسط الرسمي والشعبي والاعلامي. وتناول الكتاب بالدراسة والتحليل السنوات الأولى من احتلال فرنسا للجزائر، فشارل العاشر هو أول رئيس فرنسي اتخذ قرار الاحتلال بعد الحادثة الشهيرة من اعتداء «داي» الجزائر على قنصل فرنسا، وهي التعلة التي تم الاستناد عليها لاحتلال الجزائر في يوليو 1830م. وجاء في الكتاب ان «لوي فيليب» الذي خلف شارل العاشر لم يكن متحمسا لإكمال احتلال الجزائر احتلالا كاملا الا ان جناحا في السلطة وقتها هو من كانت له الغلبة.
وفي الكتاب وصف وتحليل لمجازر فظيعة ارتكبها جيش الاحتلال الفرنسي، من ذلك مثلا مجزرة «سطيف» عام 1945 فقد قتل الفرنسيون بوحشية لا نظير لها 600 شخص في ظرف أيام معدودة لإخماد الثورة التي اندلعت في هذه المدينة، ومحق الجيش ببربرية عائلات بأكملها، وغير هذا كثير من المجازر الفظيعة التي ارتكبها الجيش الاستعماري الفرنسي على امتداد فترة الاحتلال. والكتاب جاء زاخرا بالمعلومات، من ذلك مثلا اننا نكتشف ان عدد سكان الجزائر عام 1830 لم يكن يتجاوز الثلاثة ملايين نسمة واكثرهم من الريفيين الأميين، وان الجزائر الخاضعة للإيالة العثمانية كانت مرتبطة بـ»الباب العالي» وان الأتراك احكموا قبضتهم على الجزائر بالتحالف مع بعض العائلات الجزائرية الكبيرة مقابل تمتيعها ببعض الامتيازات. وان أهمية هذا الكتاب تكمن في ثراء المعلومات وتنوع التحليلات، ويصح القول انه مجموعة كتب في كتاب واحد.