الملحق الثقافي

طقوس رمضان.. تجليات الحنين

ثمة من ينازع القرآن والقصص وأبطال السير الشعبية والمسحراتي والفانوس والمدفع الرمضاني على بطولة ليالي رمضان.. ولأن رمضان «قلبه كبير» فإنه يتسع لكل الراغبين في الاحتفال به، ولكل امرئ من رمضانه ما أراد.. فمن كان من أهل التقوى والصلاح ذهب الى القرآن والذكر ومجالس العلم، ومن كان من أهل السمر والسهر راقب المسلسلات والمسابقات، ومن أراد الأكل وأطلق للنهم عقاله قصد الموائد العامرة بما لذّ وطاب.. والموائد المقصودة ليست موائد الرحمن التي تقدم طعاماً متقشفاً في اطباق الرحمة والتراحم والتكافل الاجتماعي، وإنما الموائد التي تغص بما عليها من صنوف الطعام والتي تذهب في نهاية الليل إلى النفايات، فيما العالم يئن من جائعيه وكثرتهم، وفقرائه ومعاناتهم، ولا حول ولا قوة إلا بالله...

ها هنا، سنحكي عن أبطال يجمّلون المشهد الرمضاني، وهم بمثابة رتوش أخيرة تمنح لصورة رمضان على مرّ العصور بهاء وإشراقاً، من دون أن يعني ذلك تحويل رمضان إلى شهر للأكل، أو الإفراط في الطعام أو الحرص عليه، بل مجرد الإشارة الى حضور هذه الأكلات على أنها من طقوس رمضان لا أكثر ولا أقل. فالشهر الكريم له سَمْتُهٌ الخاص الذي اعتاد عليه الناس، وله مشهده الحلو الذي يدخل بعض الفرح إلى قلوب الناس المتعبة من تواتر القتل على شاشات الأخبار.
ولعل المأكولات واحدة من طقوس هذا الشهر، على أنها في بعض الأحيان تصل حداً من المبالغة يجعل المرء يتمنى أن تختفي، فالبيوت لا همّ لها سوى الأكل والطبخ والنفخ، والممارسات المتعلقة بالإسراف لا تسر عدواً ولا صديقاً، ولا ينجو من براثنها صائم ولا مفطر..
بعض الأكلات والمشروبات لا تظهر إلا في شهر رمضان كالقطائف وقمر الدين، وبعضها يزداد عليها الطلب في هذا الشهر وإن كانت موجودة في غيره من الشهور مثل الكنافة وشراب السوس والخروب.. وهناك مأكولات ومشروبات أقل شهرة يعثر عليها المرء في كتب التراث بعضها اندثر وبعضها ما زال بيننا مقيما، وهنا نماذج للمقيمات.

الكنافة
لا تبوح الكنافة بأسرار مذاقها الحلو إلا لقلة من الصناع المهرة، الذين خبروا رائحتها وعرفوا مذاقها وأتقنوا تدويرها على نار خبرتهم.. كذلك تاريخها ما يزال سراً كامناً فيها يعلن مذاقاً حلواً يأتي من التاريخ العتيق.
تتضارب الروايات الخاصة بتاريخ الكنافة، والكنفنجي (اللقب الذي يحمله صانع الكنافة). فمن ناسب ينسبها إلى العصر الأموي محدداً فترة حكم الخليفة معاوية بن أبي سفيان، إلى قائل يشير إلى العصر الفاطمي مع التأكيد على أنها برزت في عهد المعز لدين الله الفاطمي. أما الذين يرون أنها نشأت في عهد الأمويين، ومنهم الباحثة سلوى محمد المتخصصة في دراسة التاريخ والآثار وأستاذة الإرشاد السياحي بجامعة حلوان التي ترى أنها صناعة شامية.
وقالت في لقاء لها مع قناة العربية على الإنترنت إن أهل الشام صنعوها لتقديمها إلى معاوية بن أبي سفيان عندما كان واليًا على الشام، وذلك حتى يأكلها كطعام للسحور، فتمنع عنه الجوع الذي كان يشعر به أثناء الصيام، وقد ارتبط اسمها باسمه، حتى إنها سُميت «كنافة معاوية» لفترة طويلة.
لكن بين الباحثين من يخبرنا بأن الكنافة اختراع مصري، وأنها تعود إلى العصر الفاطمي حيث تصادف دخول الخليفة المعز لدين الله الفاطمي القاهرة في شهر رمضان، فاستقبله الأهالي بعد الإفطار وهم يحملون الهدايا، ومن بينها الكنافة بالمكسّرات، ومن ذلك اليوم صارت بطلاً لا يغيب عن مائدة رمضان.
والخلاف على الكنافة بين أهل الشام وأهل مصر قديم، ولن يتأتى لموسوعة التراث الفلسطيني أن تفصل في هذه الخصومة ولو أوتيت مال قارون، لسبب بسيط، هو أن للجغرافيا قدرها وحُكْمُها. والجغرافيا تقول إن الشعوب المتقاربة جغرافيا هي شعوب متقاربة اجتماعياً وثقافياً، ومتشابهة إلى حد بعيد في العادات والتقاليد وحتى أنواع الطعام... والحال ربما كان هذا القرب سبب القرابة التي بين المصريين والفلسطينيين على صعيد الكنافة.

وسواء كانت مصرية أم سورية أم فلسطينية ستظل الكنافة عربية اليد واللسان، وستبقى سيدة الموائد، تزهو بلونها الارجواني الجميل الذي يحيل إلى ارض الأرجوان، و يذكر ببيارات فلسطين وبرتقالها الذهبي الذي يسدّ عين الشمس، كما تقول عجائز فلسطين وهنّ يستعدن أيام العز في بيارات حيفا ويافا، مشفوعة بالحسرة على ما وصلت إليه الحال، وستظل للكنافة، في أكناف بيت المقدس، حضورها الساحر الذي يسيل له مذاق عشاقها ومحبيها.
وبمناسبة بيت المقدس والمرابطين في أكناف بيت المقدس، لا بد من القول إن لفظة الكنافة على صلة وثيقة بالأكناف. فالكنافة اسم عربي أصيل يعني الظل والصون، والحفظ والستر والحضن، والحرز والجانب والرحمة، فكنف الله تعني حرزه ورحمته. والكنافة من نعم الله والنعمة رحمة وحرز، ومن أكل الكنافة ــ كما قيل قديماً ــ خفَّ ظله، وعذب منطقه، وكثر بهاؤه، وربا لحمه، وصفا شحمه، وزال سقمه.
والحال، ما على طالبي خفة الدم والصحة والبهاء سوى الغوص في «سدور» الكنافة الساخنة وهي تسيل في قطرها.. ولمن لا يعرف العامية الشامية فإن سدور هي جمع سدر وهو الطبق المدور الكبير الخاص بصنع الكنافة النابلسية، والذي يستضيف في الملمات المنسف والمسخن وما لفَّ لفهما من الأكلات الدسمة.
وإلى أن يستقر نسب الكنافة، لا بأس في أن تقوم بدورها في استنهاض الذاكرة التراثية الفلسطينية التي تتعرض للطمس والمحو، وأن تحضر على كل موائد العرب لتذوب في أفواه الصائمين رافضة كل أشكال التذويب التي تتعرض لها.

القطائف
مثل أختها الكنافة، لا تبوح القطائف (تنطقها بالمحلية قطايف) بسرها التاريخي الذي يغيب في بطن الروايات المتعددة. فلا أحد يستطيع أن يجزم بالعصر التي ولدت فيه هذه العجينة الرقيقة الساحرة التي تخفي بين أعطافها الجوز واللوز والفستق وغيرها من المكسرات الذائبة في سائل السكر، فالروايات تتعدد حول أصل القطائف وبدء ظهورها، ورغم حضورها لدى الشعراء والناظمين في شكل خاص، إلا أن مصدرها الأصلي ما يزال موضع شك.. والعصر الذي ظهرت فيه محكوماً بالظن.
فهناك روايات تقول إنها بنت العصر العباسي بلا منازع.. حضرت مجالسه وتألقت في عيون حكامه وحلم بها بخلاؤه واشتهاها فقراؤه وازدانت بها منظومات شعرائه..
لكن ثمة رواية أخرى تذهب إلى أنها نشأت في عهد الأمويين مع الخليفة سليمان بن عبد الملك بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية (54-99 هـ/674-717 م)، وهو الخليفة السابع من خلفاء بني أمية.
وثمة رواية ثالثة تقول إنها ظهرت في العصر الفاطمي، الذي كان يشهد منافسة حامية الوطيس بين صناع الحلوى ــ على غرار ما يجري هذه الأيام التي تؤكد أن تاريخ العرب في معظمه تاريخ طبخ ونفخ - وكل منهم يحاول أن يقدم أفضل ما لديه. وقد ابتكر أحدهم فطيرة محشوة بالمكسرات، وزينها بشكل جميل وقدمها في هيئة لطيفة، في صحن كبير ليقطفها الضيوف، ومن هنا حملت اسمها «القطايف».
لكن معناها المعجمي واضح لا لبس فيه، فالقطائف في لسان العرب: طعام يُسوى من الدقيق المرق بالماء؛ شبهت بخمل القطيفة التي تُفرَش. وعند الجوهري في الصحاح: القطيفة: دِثار مخمل، والجمع قطائف وقطف أيضاً مثل صحيفة وصُحف، كأنّها جمع قطيف وصحيف، ومنه القَطائِف التي تؤكل.
ومن الطريف ان الشعراء الذين وصفوا الكنافة والقطائف أبدعوا في وصفهما، واستخدموا المحسنات اللفظية والبديعية والتضمين والصور والتشابيه التي اضفت على الأبيات المنظومة جمالاً لا يخفى.
وقد فضلّ الشاعر سعد الدين بن عربي القَطائِف على الكُنافة بقوله:
قَالَ القَطائِف للكُنَافَةِ ما
بَالِي أرَاكِ رقيقةَ الجَسَدِ
أنا بالقُلُوبِ حلاوتِي حُشِيَتْ
فتَقطَّعي مِنْ كَثْرَة الحَسَدِ
وسواء تقطعت الكنافة حسداً من القطائف أو رمت كلام الشاعر وراء ظهرها، وذهبت واثقة الخطى إلى مدارها، وسواء كانت الكنافة أحلى أم القطائف فإنهما تستدعيان تلك اللحظات الجميلة التي كانت تزخر بها الطفولة وهي تستذكر رمضان الآتي ليعيدنا إلى الفرح البريء، والمشاعر العذبة، والعفوية الحلوة التي طمرتها كآبة الهموم التي تفوق في عددها أعمارنا وسنواتنا.
ومع قضماتها المتتابعة تتابع التفاصيل التي غامت وراء حجب الزمان، وتصحو الذكرى لتناولنا أشياءنا الذاهبة إلى حدود النسيان، إلى غابات لم تعد ملاعب لنا، وطرقات لم نعد قادرين على الركض في جنباتها... وحقول لم تعد تتسع لرغبتنا في التسكع لكي يمضي الوقت ويحل أذان المغرب معلناً انتهاء «الحظر»، وفتح الباب للحرية لتشبع على كيفها مما لذ وطاب من الطيبات التي أعدتها أيادي الأمهات.
لا تعني الكنافة ولا القطايف ولا الموائد شيئاً في حد ذاتها، وهي ليست سوى طعام يشبع الجائع، وقوت يعين الصائم على القيام بأعباء صيامه.. تلك هي الفلسفة البسيطة للطعام لكنه يصبح مختلفاً عندما يقترن بتاريخنا الشخصي، بما عشناه من أيام وما طرزناه من حضورنا على عباءة الليالي الفواحة بعبق اللوز والياسمين، والأناشيد والأذكار والتهاليل والترانيم المحفورة على جدار القلب، و... بصوت المؤذن يتسلل ندياً في الفجر، يعطر الحنايا بالهدوء، يغسلها من رَهَقِ الخطايا، ويدخلنا إلى حقول المغفرة المفتوحة لأدعيتنا الصغيرة التي تصعد من أعمق أعماقنا في ما يشبه النشيد الكنعاني القديم: يا رب رمضان الجاي (يعني القادم) نأكل كنافة في حيفا أو يافا أو صفد أو طبريا أو ما شئت من المدن والقرى التي ما تزال معلقة في سقف الروح... تلوح مثل باقي الوشم في ظاهر اليد على حد قول الشاعر الرائي المبدع طرفة بن العبد.
حتماً، لم يكن دعاء رمضان حكراً علينا، بل كانت تتجول في أعالي السماوات السبع أدعية كثيرة ترفعها حناجر الغرباء والمنفيين والمشردين في كل بقاع الدنيا: يا رب أكتب لنا في رمضان الآتي أن نأكل طعامنا في أوطاننا!.

موائد الرحمن
ربما يعتقد كثيرون أن الموائد الرمضانية التي يخطئ البعض فيسميها: «الخيم الرمضانية» من مكتشفات العصر الحديث، وقد كتب وقيل الكثير عن هذه الموائد بين مؤيد ومعارض. المؤيدون يرون انها باب من أبواب الرحمة التي تميز الشهر الفضيل، والمعارضون يرون أنها لا تسلم من الادعاء والرياء، وأن ما يحدث فيها أحياناً لا يناسب قيم الشهر المبارك وآدابه.
والحق، أن هناك خلطا بين الخيم الرمضانية وبين الموائد الرمضانية، فالأولى اختراع حديث على أغلب الظن، ويمكن للمرء أن يقول فيها الكثير من المثالب والسلبيات.. أما الثانية فهي موائد للرحمة والخير، تقام للفقراء والمساكين الذين لا يجدون ما يفطرون عليه. وهي تقوم في فكرتها على التكافل والتراحم بين المسلمين، الذين يفترض أن يرحم كبيرهم صغيرهم، وغنيهم فقيرهم، وقويهم ضعيفهم، وأن يكونوا كالجسد الواحد في توادهم وتراحمهم.
وبهذا المعنى، ترجع فكرة موائد الرحمن الى العهد النبوي، حيث قدم على الرسول الأعظم (صلى الله عليه وسلم) وفد من الطائف ليعلنوا إسلامهم، فكان يرسل لهم طعام الإفطار والسحور، واقتدى به الخلفاء الراشدون حتى أعدوا دار الضيافة لإفطار الصائمين.
ومثل غيرها من مظاهر رمضان وطقوسه، تتعدد الروايات حول نشأة موائد الرحمن لدى المؤرخين، فهناك من يرجعها الى عهد الأمير احمد بن طولون مؤسس الدولة الطولونية الذي كان أول من أقام مائدة الرحمن في مصر.. حدث ذلك قبل ألف ومائة عام تقريباً، حيث دعا القادة والتجار والأعيان إلى مائدة حافلة في أول أيام رمضان ذلك الزمان.
ويورد جهاد الكومي في «المحيط» أن الأمير احمد بن طولون خطب في هذا الجمع قائلاً: إنني لم أجمعكم حول هذه الاسمطة إلا لأعلمكم طريق البر بالناس، وأنا أعلم أنكم لستم في حاجة إلى ما أعده لكم من طعام وشراب، ولكنني وجدتكم قد أغفلتم ما أحببت أن تفهموه من واجب البر عليكم في رمضان، ولذلك فانني آمركم أن تفتحوا بيوتكم وتمدوا موائدكم وتهيئوها بأحسن ما ترغبونه لأنفسكم فيتذوقها الفقير المحروم».
لكن وجه المعز لدين الله الفاطمي يطل مرة أخرى لتنسب إليه فكرة موائد الرحمن، باعتباره أول من وضع تقليدا للمآدب الخيرية في عهد الدولة الفاطمية، يفطر عليها أهل جامع عمرو بن العاص، وكان يخرج من قصره 1100 قدر من جميع ألوان الطعام لتوزع على الفقراء . وكانت الموائد تعد في ذلك الزمان تحت اسم «دار الفطرة».
وعلى سيرة موائد الرحمن، ففي الكتب الكثير من الأخبار عن موائد الصحابة والتابعين الذين كانوا يحرصون في رمضان على إطعام الطعام، ويفتحون ابوابهم للسائلين.
ومما أذكره ويذكره غيري أن الناس في كل بقاع الأرض العربية، كانوا قبل سنوات قليلة فقط، أيام كان الجار جاراً، وأهل الحي على تواصل، والقلوب لا الموبايلات مفتوحة، يفرشون أمام بيوتهم ويضعون الطعام للجياع والفقراء وعابري السبيل، وكان كل منهم يفعل ذلك حسب قدرته تيمناً بالتوجيه القرآني (لينفق ذو سعة من سعته)، وبالطبع كانت موائد الموسرين أكبر وتجد إقبالاً أكثر من جموع الطاعمين.
أما اليوم، فتقام الموائد في معظم دول العالم الإسلامي، بعضها مقامة من قبل الدول، وبعضها من قبل مؤسسات خيرية، وبعضها ممن أنعم الله عليهم بالخير الوفير من رجال الأعمال وأصحاب المال... وقد باتت علامة من علامات الرحمة والتكافل الإسلامي في هذا الشهر الكريم.
تلك بعض النفحات العطرة التي يتميز بها الشهر الفضيل.. وتلك بركاته التي تفتح ينابيع الخير في القلوب فترق بعد قسوة، وتلين بعد غفلة.. وطوبى للذين أدركوا ما في الصيام من عبر وأحكام، فقاموا بواجبه خير قيام، وأسسوا لهم بيوتاً عند الرحمن، وموائد خير لا ينقطع عائدها ولا يحرم واردها.. فقد انتبهوا إلى الدور المجتمعي المهم الذي يقع على عاتقهم، وأحسنوا التدبر في هدف حياتهم، وعرفوا معنى قول الإمام علي كرم الله وجهه: «الناس نيام فإن ماتوا انتبهوا».. فجعلوا دنياهم في خدمة آخرتهم، وتلك لعمري واحدة من أجمل انتباهات رمضان و... بركاته.