الملحق الثقافي

بيت آل مالك.. الطائر الذي فَقَدَ بوحه

مثل حبة قمح ذرتها الريح فلم تجد أرضاً تبتلع أشواقها.. مثل كائن خرافي استطلع الوجود فتلقفه السراب.. مثل حلم وادع على مخدع الوهم.. مثل جزيرة تاريخية غادرتها طيور الأمس فتوحشت إلى درجة الفزع.. مثل مضارب في صحراء الألق هجرتها القبيلة.. مثل قِبلة صدّ عنها الغافلون فاستحالت نسقاً قديماً قِدم الإيمان في قلوب الكائنات.. مثل سفينة قديمة لفظتها الشواطئ على أحجار القسوة.. مثل قُدرة بائدة في ضمير عشاق تكسرت أرغفتهم في تنانير التيه.
مثل سؤال يضيع في رمل الذاكرة فيختزل الزمان عمر الباقين في قنينة الضآلة.. مثل جدول شق طريقه إلى الفراغ فلا زرع ولا ضرع ولا نافلة تشفع عن ذنب أو نكب أو صخب.. مثل ذُبل الشفاه ريقها ملح اللظى والشظف وبريقها مغسول بغبار النشوة المؤجلة.. مثل حبيبة علقت الحدقة في فضاءات الفقدان فامتقع الوجه وضمرت عروق الشوق واستحال القلب شجرة عجفاء.. مثل مخلوق حط من علٍ، فتضعضعت ضلوع الهوى، وما استفاق إلا على صهد، وفَقد، وبُعد، وبَرد، ورعد، وتشرد، وتردد، وتنهد، وتعدد، وتعهد، وتجرد، وتقدد، وتبدد، وتهدج، وتعرج، وتبرج.
مثل أيقونة عرج الزمان عنها فاستحالت أحفورة في تراب الذاهبين بعيداً في المعنى المظلل.

أبواب مشرعة
بيت آل مالك، أبواب مشرعة على الفراغ وجدران ملونة بالعدم، هو كفيلسوف وجودي عاش في فلك الأفكار فتناوله العبث يخضه، ويرضه، ويحضه، ويكظه، ويفضه، ويمضه، ويحط به في دائرة النسيان الأبدي.. مثل دائرة مفرغة يحيطها معقوف على اللاشيء.. مثل مربع أضلاعه تداعت على خراب المراحل.
مثل عيون سغبها التطلع فغشيتها غاشية الزمن الهارب من شرنقة الانسجام.. مثل قارب صيادوه ذهبوا لاستطلع الأعماق فغدرته الموجة العارمة أخذته إلى حيث لا مكان للمشردين إلا اتساع اللوعة.. مثل طائر مجته حبة القمح فاستحال في العدم يخصب الفجيعة ويستدعي مهجته الضائعة.. مثل ثورة عدمية قادت إلى العدم، والندم، والسأم، والشؤم، لما أجرمت الأفكار وصارت شياطين تفطس في أعماق الفجور.. مثل طفح جلدي تقطن أنت الآن يبادرك الآخرون بالنأي وتحاش العدوى.. مثل كائن غريب بعدت به المسافات ولم يجد غير شجرة التوجي لعل وعسى ومتى وكيف ولماذا.. مثل كائن أسطوري تخشاه القلوب فترتعد لمجرد رؤية هامته الضائعة في الخراب.. مثل حكاية على لسان رجل ضرير تغيب العبارة فيها عند النحنحة والسعال الغليظ.
مثل صباح يسرقه المساء إلى ظلمات العتمة المباغتة.. مثل نهر امتزج البحر بنسيجه فتعطلت لغة التميز وشاب العذوبة كهولة النهايات القصوى.. مثل شجرة اللوز، عصافيرها هشمت الأعشاش وطارت في الفراغ تسأل الله عن موئل بدفء الأجنحة.. مثل جواد تسرب خلسة من حاشية الفرسان فاستبدت به الوحشة المزرية فأناخ القدرة على ربوة التحسر، والتفجر، والتكسر، والتبعثر، والتعثر، والتصبر، والتقتر، والتندر، والتفطر.
مثل حصيلة الخسران حين تغوص الأفكار في المعنى الغامض فلا تحصد غير حلم مبتور، مكسور، محظور، مأسور، مبثور، مجرور، مفطور، محسور، مقبور، مضمور، مطمور، مسجور، مسحور..
مثل ليل ينسج خيوطه من سديم العتمة ويفضي بسواده على الكون حتى تبين الرؤية كأنها القيامة الفظيعة.
بيت آل مالك ينزل في معيريض كأنه شاعر قديم بقدم معجمه اللغوي يتهجى حروف التضاريس، يلون الشارع الخرِب برذاذ سعاله ثم يدخن وينفث غباره متكئاً على أبواب أشبه بالضلوع الهالكة.
بيت آل مالك.. في التاريخ فلسفة نورانية مجيدة، وفي الجغرافيا هيكل عظمي باع دمه ولحمه للنسيان حتى سقطت الغرفة العتيدة من علو مجدها إلى حضيض جديدها وعيون الحجرات المصفوفة تحرس فناء تشاغبه أقدام صغيرة تلهو في الرمل كما تلهو الخنافس والعنكبوت في الثقوب المحفورة في الوجدان.. مثل جزالة الانكسارات المتتالية تتكسر جدرانك وتهوي الأبواب والشمس الطالعة نهاراً تحك الخشب المضمحل بأسنان المشط وتحفر الذاكرة مأساة القميص الذي شُق من وبر وتحكي عن خديعة آدم وما جرى للثمرة المقدسة من أطوار وأدوار ومدار ومسار.
بيت آل مالك.. الحظوة، والخطوة، والنشوة، والفجوة، والسطوة، والقوة، والقدرة، والنفرة، والنبرة، والعِبرة، والعَبرة، والشهرة، والدبرة، والسكرة، والخِبرة، و»السمرة».
مثل كاهن خبأ فكرة في غيهب الفسق واستحال العزلة مخاطباً وحيه بألا يغادر السماء وألا يجرد الأرض من جدران الشموخ..
مثل كاهن يملأ الكأس المملوء بفراغ تهجداته ويسجى إلى الكون معروف الفكرة المبجلة..
مثل عراف يقرأ فناجين السادرين ثم يرفع البصر محدقاً في اللاشيء، يقرأ نبضات القلوب بخفة الحمامة المعششة في خاصرة الجدران الرهيبة.
مثل سطوة على ربوة تقطن الآن في الوحشة وتقرأ وجوه المارة بدهشة الغرباء، برعشة المرتجفين، بنبرة الحانقين، على ضياع القاطنين في صحارى الوجد والوجود ومجد أشبه بالقشة البائسة.

المنبر والمعبر
بيت آل مالك.. المنبر، والمعبر، والمسير، والمخبر، والسطر في رواية أسرة أعرق من الزمان وأشف من المكان، جذورها في وجدان الأرض كأنها الصخور المكنونة في سويداء التراب، أغصانها الممدودة كأنها فروع النخلة الوارفة في سماوات الله وعليائه القدير.
مثل فاصلة في مفصل الأرض.. مثل فضيلة في سلوك التراب.. مثل جديلة على منكب أنثى كحلت العيون بأثمد الجمال فاستحالت وجداً كونياً تلونه العيون بالنجوم الرقراقة في السماء.
مثل وعي ابن طفيل الذي أسس للفكرة سلسلة المبررات العظمى قال من لا يفكر لا يرى ومن لا يرى لا يبصر ومن لا يبصر يعش أعمى.. وأنت الفكرة والبصر، أنت العبرة والدهر، أنت النبرة والسحر، أنت القدرة والقدر، أنت الموكب والسفر، أنت العيون والسهر، أنت الطلوع والفجر، أنت العذوبة والنهر، أنت القصيدة والشعر، أنت الحقيقة والفكر، أنت الفعل والأمر، أنت الأشياء كلها، أنت أولها وآخرها، أنت العبارة وفواصلها، أنت الرواية ومفاصلها، أنت الخطيئة اللذيذة، والورطة في صياغة المثل..
أنت المجال والسؤال، وأنت المقال والأقوال، أنت الذاكرة تتمشى في أفنية الزمن لا تخطى حتى ولو لم يصب الآخرون كأنك الكتاب المفتوح والسطر المنقوح لأنك السيد السائد الرائد الغارد جناح الود حتى وإن كسبت الجهات واكفهرت وجوه البشر..
أنت.. أنت الجمال في قِدمك والكمال في هرِمك، والسؤال المتدحرج في تجاويف الرأس..
أنت النقطة المتناهية في الكِبر، أنت المستدير، على أديم الأرض، كأنك الكوكب كأنك المخلب، كأنك المشجب، يعظ ثوب الذاكرة وينشف بلل الأيام متكئاً على خيوط اللهب، مثل الزمان أمدى أبدي تتجدد في داخلك رغم تحطيم الأواصر ورغم تهشيم الخواصر، رغم الكواسر والعواتي.. مثل نقطة الصفر، لا أرقام بدونك ولا حساب للزمن، إذ يغيب صفرك البتول مثل خصوبة الأرض تيبس جذورك فيجددها بلل الذاكرة، يخصبها بالأمنيات كأمثولة النجم الساعي للألأة..
مثل قيد في معصم عاشق ألمه اللذيذ يمنحه العصمة والحشمة والقيمة والقمة.
أنت مثل دين قديم يتجدد بقدامه ويتقدم بقديمه، بقامة قويمة مستقيمة لا عوج فيها ولا التواء..
مثل طارق باسق ينسق هتافه ببوح أشبه بالهديل، أشبل بسليل السليل الطويل..
أنت.. أنت مثل أسطورة غافية على جفن الذاكرة تزلزل أحياناً ويعلل أحياناً أخرى، وهكذا لا ينبغي لك إلا أن تكون قامة ترفع راية الخلود لغاية الوجود، وترسم العلامة الفارقة في تلافيف المشهد الحضاري لمعيريض لقلبها المتوهج بالحب رغم انحسار البحر وغضب الموجة الغاربة والمراكب المحشورة ما بين الرمل وحسرة القابضين على جمرة الفقدان.. أنت مثل السماك الذي لم يجد مرفأ لقارب ولا موطئ قدم لمشاعر كانت هنا بالأمس، واليوم قد ضمرت..
أنت مثل هيجل الذي مات بالكوليرا ولكن بقيت فكرته تجادل بالجدلية، أسئلة المغرمين بجمال الطبيعة..
أنت مثل عنوان امرأة فاتنة فتنت ثم غابت وبقي العشاق يجوسون شوارع الذاكرة لعل وعسى يخطر على بال العاشقة صورة من عشقت..
أنت مثل الأسد الهصدر تشيب ولا تشيب هالتك تغيب ولا يغيب عنك النبوغ..
أنت مثل المدار تدور من حوله أرض الناس ولا يخطر بباله أن ينفك عن موقعه..
أنت مثل الكون تموت الأشياء فيه ولا يفنى..
أنت مثل الحب يموت العاشقون ولا يموت..
أنت مثل القلب في الجسد، آخر ما يتوقف عن الحياة من أعضائه..
أنت كل شيء في الذاكرة لأنك الذاكرة في المعنى وفي المجمل.