الملحق الثقافي

أبطال الليالي الرمضانية..

الصوم مجاهدة روحية لا تخلو من قسوة، لأنها تسير ضد تيار الطيني المنجذب إلى الأرض آخذه إياه إلى العلوي الذي تنجذب إليه الروح... وما من شيء مثل الصوم الحق يجلّي كمالات الوجود الإنساني ورحابته... وما من شيء مثل القرب أو المبالغة في القرب يجلو عن الأرواح الصدأ ويزيل الأدران والاتساخات المادية. ففي الصوم يستحضر الصائم الله بشكل دائم، أو هكذا يفترض، بحيث يخضع سلوكه كله لأوامره التي تخالف الشهوة وتقسو على الجسد، ولهذا ينصرف المؤمن إلى مجاهدة النفس يقويها بالفضائل الروحية ويستخرجها من بين فكي القوى البدنية والغرائزية.

في مجاهدته تلك، يحتاج المرء إلى وسائل دفاعية، تعينه على محاربة سطوة الغريزة، وليس سوى الإرادة النابعة من الإيمان ما يفعل ذلك.. وتتجلى هذه الإرادة في الصوم تحديداً لأنه يقلب حياة المؤمن رأساً على عقب، يقلب نهاراته ولياليه ويعيد ترتيب أولوياته وبرامجه واهتماماته.. لهذا ينظر الفلاسفة والمفكرون إلى الصوم عموماً بوصفه نوعاً من التدريب الروحي الذي يستدعي الصبر، ويحتاج إلى إيمان عميق بحيث يجعل صاحبه يجد في الصعوبة حلاوة، ويتذوق في عزّ جوعه طعم الشبع الروحي.. من هنا، قال ابن جرير في تفسير قوله تعالى: (وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ)، قد قيل: إن معنى الصبر في هذا الموضع: الصوم، والصوم بعض معاني الصبر عندنا. ولهذا قال بعض السلف: أهون الصيام ترك الشراب والطعام. فهذه أولى درجات الصوم لأن الصوم في عمقه يعني الصوم عن الأذى والسيئات بكل أنواعها ما ظهر منها وما بطن.
يقدم لنا الصوم منحة جميلة هي حرية أن نتخفف من لوثات البدن وحماقاته.. أن نحرر الروح من سجنها ونطلقها في الأعالي.. خصوصاً إذا اقترنت بالعبادات الأخرى كقراءة القرآن قراءة متدبرة، واعية، والصلاة بخشوع، وحب الخير للناس، ففي هذه الممارسات ترتقي الروح وتأخذ الجسد إلى منازلها العالية.. تجرده حتى يشف فيصير خيطاً في ضوء عميم أو موجة في بحرِ نورٍ منداح في اللانهائي.. في الصوم تكسر الروح قمقمها وتغادر القلوب عتمتها لتدخل في النورانية.. تاركة وراءها حجب الظلمة التي تحجبها أحياناً عن فرادتها وإنسانيتها الخاصة... هكذا فهم المسلمون الصوم في بداية الدعوة الإسلامية وعرفوه معرفة حقيقية تجلت في الطريقة التي مارسوا بها الصيام.. لكن مع مرور الزمان دخل رمضان في طقس اجتماعي واحتفالي، وانضافت إلى بهجته الروحية بهجات مادية تدخل الفرح إلى القلوب لا سيما الأطفال، وامتلأت لياليه بالحكي والقصص، وظهرت فيه مفردات وطقوس لا تظهر في غيره من الشهور، فصارت علامة من علاماته، وواحدة من أبطاله الذين نستعرض هنا أشهرهم.

القرآن.. بطولة مطلقة
أول أبطال ليالي الشهر الفضيل هو القرآن الكريم بلا شك، وهو صاحب البطولة المطلقة التي لا ينازعه فيها أحد، لا سيما عند المتقين الذين يتخذون منه وسيلة للقرب من الحق جلَّ وعلا، ويرون فيه فرصة للتغيير الداخلي والخارجي، ومراجعة النفس ومحاسبتها والعكوف على إنجاز جردة سلوكية وروحية للعام الذي مضى..
وتحفل الكتب بأخبار وقصص السابقين مع رمضان ممن اعتبروا الشهر الفضيل فرصة كبرى للاغتسال الداخلي، للتكفير عن الذنوب وفعل الحسنات، لتحصيل المغفرة والعتق من النار.. وللتحقق الوجودي الإيجابي. وتجمع على أنهم كانوا يفزعون إلى قراءة القرآن وختمته أكثر من مرة.. وتحكي سير الفقهاء والمحدثين قصصاً تستحق أن تروى في هذا الشهر الفضيل، لأن فيها عظات قيمة وعبراً ثرية.
كان سفيان الثوري إذا دخل رمضان ترك كل شيء وأقبل على قراءة القرآن، ومثله قتادة الذي كان يكرس كل وقته في رمضان لقراءة القرآن ودراسته، ويروى أنه كان يختم القرآن في كل سبع ليال مرة، فإذا جاء رمضان ختم في كل ثلاث ليال مرة، فإذا جاءت العشر الأواخر ختم في كل ليلة مرة. أما الزهري فكان يسقط الإمساك عن الطعام والشراب من حسابه، فهذه من تحصيل الحاصل، وكان يقول إذا دخل رمضان: إنما هو قراءة القرآن وإطعام الطعام. وربما فاق محمد بن إدريس الشافعي مجايليه حيث كان يختم القرآن في رمضان ستين مرة (!).
ويذهب الحسن البصري إلى أكثر من ذلك، حيث يرى أن الجوع سبب للحزن والشبع سبب للفرح، وهذا لا يستقيم مع الورع، ذلك أن حزن المؤمن الورع وفرحه متعلقان بالله وحده ورضاه، لهذا كان من شدة ورعه يقول: توبوا إلى الله من كثرة النوم والطعام. و كان يعتبر قراءة القرآن وقيام الليل من أساسيات البرنامج اليومي للمسلم والنهج الطبيعي الذي ينبغي على الصائم أن يسلكه، فإن لم يقدر على قيام الليل ولا صيام النهار فهو محروم، كبلته الخطايا والذنوب. وفي الصوم يتمزق حجاب الألفة عن الأشياء، تبدو تلك الدلالات العميقة التي تختفي خلف العادة، ولكن يبدو أن النعمة مثل الصحة تاج لا يراه إلا من حرم منه، وحين يشعر الصائم بأنه محروم من الطعام والشراب يدرك النعمة التي يرفل بها، وكم من نعمة يرفل فيها الناس وهم عنها غافلون.. وربما نجد هذا المعنى في الصوم أيضاً، فقد كان العز بن عبد السلام يقول: إذا صام عرف نعمة الله عليه في الشبع والريّ، فشكرها لذلك، فإن النعم لا تعرف مقدارها إلا بفقدها.
ويمتد هذا إلى القرآن نفسه، فكم من آية يمر عليها المرء في الأيام العادية مروراً سريعاً فإذا استغرق في قراءة متدبرة تكشفت عن معان لم تخطر له سابقاً، وكم تأويلاً من التأويلات انفتحت للعلماء والمفسرين في ظلال الشهر الكريم.. وكم من الكرامات والبركات حصلت لقارئي كتاب الله حق قراءته، القائمين على فهمه ودرسه وتلاوته بوعي وتبصر، وما ذلك إلا لأنهم قرأوه في الصيام ببصيرة شفافة، ووعي نافذ، وقلب مهيأ لالتقاط ما خفي من دلالاته.
لقد كان القرآن بالنسبة للرعيل الأول من المسلمين مثل الحبل السري الذي به يحيون، وفي أفيائه يعيشون، ويدخلون به إلى حالات الوجد التي تجعلهم يبكون إذا قرأوا آيات العذاب ويضحكون ويستبشرون إذا قرأوا آيات الثواب.. وربما تأخذ بعضه الهزة أو الرجفة أو اللذة الروحية أو الود مع الله فيطرب للآية، أو يخر صريعاً لهول ما تشتمل عليه من المعاني، أو تفارق روحه جسده.. ومثل هذا كثير في كتب الصالحين التي تحكي حالهم وأحوالهم.
وفي قصة السيدة نفيسه (رضي الله عنها) ما يجعل شعر القارئ يقشعر تأثراً وإعجاباً: يحكى أن السيدة نفيسة احتضرت وهي صائمة فألزموها الفطر فقالت: واعجباً، لي منذ ثلاثين سنة أسأل الله أن ألقاه وأنا صائمة فأفطر الآن، هذا لا يمكن. ثم أنشدت تقول :
اصرفوا عني طبيبي
ودعوني وحبيبي
زاد بي شـوقي إليه
وغرامي ونحيبي
ثم ابتدأت بسورة الأنعام فلما وصلت إلى قوله تعالى: (لَهُمْ دَارُ السَّلاَمِ عِندَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ) فاضت روحها.
يا الله... أي إيمان تحصل لهؤلاء؟ أي أنوار أشرقت في قلوبهم ونفوسهم وفاضت على جوارحهم؟ أي تقوى تلك التي حلت في ديارهم وبزغت في قلوبهم فأضاءت...

القصص.. بطولة ثانية
ترسم القصص التراثية للشهر الفضيل وصائميه صورة وضاءة مشرقة، وهي في الغالب قصص تنطوي على عبرة وعظة يراد إيصالها في ثوب أبي، وتستهدف إبراز جمال الزاهدين العابدين، وحسن صيامهم وعبادتهم، ورعهم وتقاهم، وإيثارهم على أنفسهم، وحرصهم على الصدقة والإنفاق وفعل الخيرات والتأسي بسيرة الرسول الأعظم (صلى الله عليه وسلم) وخشيتهم من الله.
وتلعب هذه القصص الإيمانية دوراً كبيراً في رمضان، وتحتل حيزاً في لياليه، ويستثمرها الدعاة في ترقيق القلوب، وحملها على الطاعات، وتزيين عمل الخير لها وحثها على الفضائل، وإبراز ما في الصيام من مباهج وفرح وخيرات.. وهي إلى ذلك تقوم بنوع من المعالجة الروحية للإنسان حيث تخفف عن المذنبين الشعور بالذنب، وتدخل اليائسين في الأمل، وتبشرهم بالتوبة، وتأخذهم إلى حيوات أخرى إن كانوا من الراغبين في امتطاء خيل التقوى وليس عباءتها. وكم من مسلم تاب وعاد الى الله بعد ان سمع قصة مؤثرة، حركت شغاف قلبه، وأثرت في روحه وعقله، وأوقفته موقف المتدبر مع نفسه فرآها بعين غير العين التي كان يراها بها ودخل في سلك الطائعين بعد أن كان في سلك العصاة. ولا عجب فالقصة من أكثر أشكال الأدب تأثيراً في النفس لأنها تقدم العظة والعبرة في شكل غير مباشر، وتمنح العقل لذة التفكير فيما يكمن خلفها من حكمة أخلاقية.
والقصة كما نعلم من أكثر الأجناس الأدبية والآثار الفنية قدرة على تصوير ثقافة المجتمع وعاداته، وفيها يعثر المرء على خلجات النفوس وتحولات العقول وملامح الحقب والعهود. تجذبه أحداثها ويرحل في تجلياتها ويسبر غور كلماتها ليحظى بالحكمة التي تنطوي عليها.. لا سيما تلك القصص التي تنتمي إلى ما يعرف الآن بالأدب الرمزي، وتحمل رموزاً وإشارات قيلت على ألسنة الحيوانات التي استعارها القاص العربي لتبوح بما في أعماقه. ولا تخلو القصص التراثية التي عرفت باسم قصص العرب من تشويق، وجمال فني، وطرافة، وحس الفكاهة، لتصل معانيها إلى المتلقي في يسر وسهولة.. وتلون الليالي الرمضانية ومجالس السمر بشيء من الحكمة المحببة. ولهذا نجدها أسلوباً من أساليب الشعوب التي تنقل بها ثقافتها إلى الأجيال المتواترة، عرفها الاغريق والرومان والمصريون القدماء ووردت في التوراة والإنجيل، وعني بها القرآن عناية كبيرة، وأكسبها دلالات معرفية، فقصة القرآن لا تقول إلا الصدق ولا تقص إلا الحق بخلاف القصة غير القرآنية التي تمارس نوعاً من التخييل المحبب حتى وهي تتحدث عن الواقع.
لكن ثمة قصصا من نوع آخر في رمضان، تذهب في الخيال إلى اقصاه، وتحضر السحر التاريخي مشخصاً في القول أو الغناء أو الأداء الشعبي.. تلك هي السير الشعبية التي لطالما شنفت الآذان وداعبت القلوب في العشيات الرمضانية، يسردها رجالها الحافظون لها، المحافظون عليها كإرث بشري لابد من صونه وحمايته، على ضوء القناديل أو الفوانيس التي تزين الساحات العامة أو المقاهي أو على سطوح البيوت الهاربة من ضييق الجغرافيا في دول عربية كثيرة إلى سعة الحلم وفضاءاته اللامتناهية.. وما إن يبدأ الحكواتي أو الجد أو الجدة في سرد سيرة الهلالي أو عنترة أو سيف بين ذي يزن أو الأميرة ذات الهمة أو الست بدور أو بنت السلطان أو علاء الدين حتى تنفتح دهشة لا حدود لها.. وتغوص العقول عن بكرة أبيها في عوالم الخيال، ترسم ملامح الغولة أو الزناتي خليفة أو الزير سالم أو شهرزاد التي لا تمل من سرد القصص على الملك المشدوه بسحر الحكاية.. وليس هناك ما هو أدل على أثر القصص في السامعين أكثر من تلك الأصوات التي كانت تنطلق مع كل توتر جديد يحدث في القصة، فتناصر هذا البطل أو ذاك، وتخبره عما ينتظره من خدائع أو شراك جهزها لها عدوه خاصة في بعض المرات التي كان يتم تجسيد القصة أو أدائها حركياً، وكأننا في مسرح ينفتح عجبه إلى ما بعد الصندوق الصغير الذي كان يحمل لنا العجب.. تحكي شهرزاد طوال الليل فيما أطباق الطعام تروح وتجيء، حاملة القطايف والكنافة والبليلة (الحمص المسلوق) والياميش وأكواب التمر هندي وقمر الدين وغيرها من مأكولات صارت علامة مميزة لشهر رمضان، تحضر بحضوره، وتغيب إذا غاب.. وما إن يغيب صوت شهرزاد ويصمت عن الكلام المباح حتى تلوح تباشير الفجر، يقوم الناس إلى السحور ليكفوا عن كل هذا بعد أن يندي الفجرَ صوت المؤذن معلناً دخول الوقت الحرام.. هكذا، بضربة صوت واحدة وفي طرفة لسان تتحول كل هذه المباحات إلى محرمات.. بكلمتين فقط وبخيوط الشمس التي تلقي السلام على الساهرين يدخل ما كان حلالاً في دائرة الحرام، وما كان مباحاً في حياص الممنوع.. فانظر – سددك الله - أي سطوة لهذا الشهر على العباد، وأي اثر للعقيدة وفعلها في البشر.
وفي هذا المعنى يقول يقول مصطفى صادق الرافعي: مِن قواعد النفس أنَّ الرحمة تنشأ عن الألَم، وهذا بعض السِّر الاجتماعي العظيم في الصَّوم؛ إذْ يُبَالِغ أشدَّ المبالغة، ويدقِّق كلَّ التدقيق في مَنْع الغذاء وشِبْه الغذاء عن البطن وحواشيه مدَّةً آخِرُها آخِر الطاقة، فهذه طريقةٌ عمليَّة؛ لتربية الرَّحْمة في النَّفْس، ولا طريقة غيرها إلاَّ النَّكبات والكوارث.
أيَّة معجزة إصلاحية أعْجَب من هذه المعجزة الإسلامية التي تقضي أنْ يُحذَف من الإنسانيَّة كلِّها تاريخُ البطْن ثلاثين يومًا في كلِّ سنَة؛ لِيَحلَّ في محلِّه تاريخُ النَّفْس؟!
ويضيف الرافعي: وأنا مستيقن أنَّ هناك نسْبةً رياضيَّة هي الحِكْمة في جعْل هذا الصَّوْم شهرًا كاملاً من كلِّ اثْني عشر شهرًا، وأنَّ هذه النِّسبة متحقِّقة في أعمال النَّفْس للجسْم، وأعمال الجسم للنفس. وكأنه الشَّهر الصحِّي الذي يَفْرضه الطِّب في كلِّ سنة للراحة والاستجمام، وتغيير المعيشة لإِحْداث الترميم العصَبِي في الجسم.

مدفع وفانوس ومسحراتي
كلنا يعلم أي جمال يكمن في استعادتنا للطفولة، تلك البئر السفلية القارّة في أعماق كل واحد منا، تنام على ذكرياته وعذاباته واختباراته الصغيرة التي تحمل أول شعور بالفرح أو الحزن أو الدهشة أو الخوف.. إلخ.. وما من شك في أن كل صائم يذكر تلك الفرحة التي داعبت شغاف قلبه عندما أفطر في أول يوم صامه.. ثمة ما يشبه الجائزة، ثمة فرح حقيقي استشعره كل منا وما هو إلا الترجمة العملية لقول النبي صلى الله عليه سلم «للصائم فرحتان: فرحة عند إفطاره وفرحة عند لقاء ربه»، أما فرحة الإفطار فقد تذوقنا لذتها صغاراً وربما فقدناها كباراً، وأما فرحة اللقاء، الفرحة الكبرى التي لا تشبهها فرحة ولا تحيط بها لغة، فنسأل الله أن لا يُحرم منها صائم.
ومع الطفولة وذكرياتها، ينط من علبة الذاكرة شهر ملون بكل الألوان، بمدفعه وفانوسه والمسحراتية بلحاهم البيضاء التي شابت في شوارع وطرقات الحارات، تطرق البيوت، تصحي النائمين لكي يقطفوا شيئاً من بركات الحديث النبوي «السحور بركة».
والمدفع والفانوس والمسحراتي من أبطال ليالي رمضان الدائمين، الذي يطلعون على البال كلما طلع رمضان من الغيب، من سدف الطفولة البعيدة وأحلامها المزركشة. يحضرون مقترنين بالشهر الفضيل حتى لو بات حضورهم الآن غير ملحوظ.
الصدفة وحدها أطلقت ما يعرف الآن بـ «مدفع رمضان» في المرة الأولى.. كان ذلك في عام 865 هـ في مدينة القاهرة العامرة - وقاها الله من كل سوء ـ لتكون بذلك أول مدينة ينطلق فيها المدفع عند غروب أول أيام ذلك الـ«رمضان العتيق». يومها، كانت مصر تحت حكم السلطان المملوكي «خشقدم» الذي أراد أن يجرب مدفعاً جديدا وصل إليه، وقد صادف إطلاق المدفع وقت المغرب، فوقع في أذهان الناس أن إطلاق المدفع إيذاناً بدخول وقت الإفطار. ولما رآى السلطان الناس قد استحسنوا الفكرة أمر بإطلاق المدفع كل يوم إيذاناً بالإفطار ولم يمض وقت طويل حتى أضاف مدفعي السحور و الإمساك.
ومن مصر إلى باقي أمصار العالم العربي والإسلامي وجدت الفكرة تطبيقاتها على أكثر من شاكلة، ومع اكتشاف الكثير من وسائل التنبيه وأدواته إلا أن لمدفع الإفطار لدى المسلمين سحره الخاص، يستذكرونه كلما جاءهم رمضان بحنين لا يبلى.
وإذا كان مدفع رمضان قد تراجع ورفع الراية البيضاء أمام زحف التقنيات الجديدة، وقد استبدل الناس دويّه برنين الساعات والموبايلات الأنيق، فإن الفانوس لا يزال قادراً على المنافسة ولم يترك مكانه لمصابيح الإضاءة الإلكترونية، على الأقل من الخارج، فيما سمح لها أن تضيء عتمته الداخلية، وبدلاً من الزيت القديم أو الشمع صار يحمل في جوفه مصباحاً كهربائياً صغيراً ينير احتفالات الصائمين ويعبر عن فرحهم بحلول الشهر الفضيل.
وسواء كان الفانوس قادماً من الصين أو اليابان أو ماليزيا أو غيرها، فإن حكمته وضوءه لا يزالان يضيئان الليالي العربية في رمضان، ويقفان في طليعة المظاهر الاحتفالية الخاصة به.
يقال إن الفانوس استخدم في صدر الإسلام، لم يكن يسمى «فانوس» بالطبع بل القنديل، ويقال إن الخليفة الراشد الثاني عمر بن الخطاب أمر بإضاءة المساجد بالقناديل.
وثمة رواية أخرى تقول: أمر الخليفة العباسي المأمون أحمد بن يوسف أن يكتب في الآفاق بتعليق المصابيح في المساجد في شهر رمضان، قال: فأخذت القرطاس لأكتب، فاستعجم علي، ففكرت طويلاً، ثم غشيتني نعسة، فقيل لي: اكتب، فإن في كثرة المصابيح إضاءة للمتهجدين، وأنساً للسابلة، ونفياً لمكامن الريب، وتنزيهاً لبيوت الله عن وحشة الظلم.
وتتفق روايات الذين كتبوا عن شهر رمضان وفانوسه على حكاية مفادها أن الخليفة الفاطمي كان يخرج إلى الشوارع ليلة الرؤية يستطلع هلال شهر رمضان، وكان الاطفال يخرجون معه بالفوانيس ليضئوا له الطريق مرددين بعض الأغاني الجميلة تعبيراً عن سعادتهم باستقبال شهر رمضان. والثابت لدى الباحثين أن المصريين هم أول من عرف الفانوس الرمضاني وذلك في الخامس من رمضان عام 358 هجرية، وهي السنة التي دخل فيها المعز لدين الله الفاطمي مدينة القاهرة قادماً من الغرب، فخرج أهل مصر في موكب احتفالي مهيب للترحيب به، ولما كان موعد وصوله ليلاً فقد حملوا الفوانيس الملونة والزينات المضاءة لكي يرى الطريق، ثم إن الفوانيس بقيت معلقة تعبيراً عن السعادة واحتفاء بالعودة حتى نهاية الشهر الفضيل.. هكذا صار الفانوس نجم رمضان، يضيء لياليه، وعادة ألفتها عيون الساهرين.
أما المسحراتي فهو التكوين الجمالي الذي تكتمل به لوحة رمضان وصورته في الذاكرة.. من دونه يخسر الشهر شيئاً من ألقه وتخسر الروح شيئاً من فضتها.. على إيقاع طبله كان الفجر ينهض لتنهض الأرواح المخضلة بندى الإيمان.. يعلو صوت الأب أو الأم مردداً تلك التوشيحة التي لا تفرغ أبداً من جمالها ولا تخلق على كثرة الرد: «أصبحنا وأصبح الملك لله. لا إله إلا الله».. في الخارج تختلط طرقات المطر ـ في السنين التي كان رمضان يزورنا فيها لابساً ثيابه الشتوية- بطرقات يد المسحراتي أو عصاه على الأبواب.. وربما يكتفي في حالات البرد الشديد بإرسال صوته لينوب عنه في إيقاظنا... أما إذا حل رمضان في ثياب الصيف، فحدث عن جماله ولا حرج.. للأمسيات طعمها المختلف، وللسحور فرح وجمال وأحاديث وقصص و(هيصة) لا أول لها ولا آخر.. توليفة من السلوكيات والأفعال التي تجعل عيوننا الصغيرة تنفتح «غصباً عنها»، وتخرج من غلالة النوم إلى ضوء الصحو.
يقال إن الصحابي الجليل بلال بن رباح رضي الله عنه وابن أم كلثوم كان يقومان بمهمة المسحراتي، أي يوقظان الناس للسحور. ويشار إلى أن أول من سحّر هو عنبسة ابن اسحاق ســنة 228 هـ، وكان يذهب ماشياً من مدينة العسكر في الفسطاط إلى جامع عمرو بن العاص وينادي النّاس للسحور.
للمسحراتي حضور بهي في الذاكرة، هو صورة شعبية من صور رمضان، صوته الجميل غالباً كان ميزان المزاج الرمضاني.. به يعتدل وعلى إيقاعه تنتصب الروح على قدميها لتشرع في طقس السحور وما يرافقه من أناشيد وتهاليل وتواشيح تفتح القلب على اتساعه لليوم الآتي...
أين مضت تلك الليالي الجميلات؟ إلى أين ذهبت؟ هل انضمت إلى أخواتها في لوح الفضاء الفسيح أم تبخرت في العدم؟
لم يعد المسحراتي يشعل الألق الصباحي ويأخذ الروح إلى فتنتها!.. ترى هل تغيرنا أم تغير رمضان..
بالأمس سمعت شاباً مصرياً يقول: «رمضان هو هو لا يتغير لكن الناس تغيروا».
النفوس تغيرت أيضاً.. والمسحراتي أخلى مكانه لآلة باردة، كئيبة، تستطيع أن توقظك نعم... لكنها تعجز عن إيقاظ ذرة واحدة من معاني الصفاء والأنس والسحر التي كانت تهرول إليك مع صوت المسحراتي المندّى بالمحبة والإيمان.