الإمارات

حمدان بن زايد وهزاع بن زايد يشهدان محاضرة في مجلس محمد بن زايد

حمدان بن زايد وهزاع بن زايد ونهيان بن مبارك ومحمد بن بطي والمسعود خلال المحاضرة

حمدان بن زايد وهزاع بن زايد ونهيان بن مبارك ومحمد بن بطي والمسعود خلال المحاضرة

شهد سمو الشيخ حمدان بن زايد آل نهيان ممثل الحاكم في المنطقة الغربية، وسمو الشيخ هزاع بن زايد آل نهيان مستشار الأمن الوطني نائب رئيس المجلس التنفيذي لإمارة أبوظبي مساء أمس الأول، في مجلس الفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، محاضرة بعنوان «وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين» ألقاها الدكتور أسامة السيد الأزهري.
شهد المحاضرة، معالي الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان وزير الثقافة والشباب وتنمية المجتمع، وعدد من الشيوخ والمعالي الوزراء وكبار المسؤولين في الدولة، وعدد من سفراء الدول العربية والأجنبية لدى الدولة.
واستهل الأزهري محاضرته بالدعاء بأن يتغمد المولى عز وجل المغفورَ له بإذن الله تعالى، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان مؤسس هذه البلاد بواسع رحمته ومغفرته، وأن يرفع درجته في الجنة.
وقدم الشكر والتقدير لصاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة حفظه الله، على استضافة علماء المسلمين في شهر رمضان الكريم، معرباً عن شكره للفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة الذي تعقد هذه المحاضرة في مجلسه المعمور.
وقال الدكتور الشيخ أسامة السيد الأزهري “إننا نعيش في هذه المحاضرة مع نسائم الرحمة العامة واللطف الشامل والهداية العظيمة النابعة من أنوار قوله تعالى: وما «أرسلناك إلا رحمة للعالمين» حيث جاءت هذه الآية الجليلة جامعة لأطراف الشمائل المحمدية في معنى الرحمة، لأن الرحمة هي الروح السارية في سائر التصرفات والسنن والآداب والأخلاق النبوية، ولأنها الأساس الذي بنى النبي صلى الله عليه وسلم عليه الإنسان، وهو الميثاق الأعظم الذي تدور حوله معالم هذا الدين ومقاصده لأن العلم الذي خوطب به العباد إنما هو رحمة وراحة .
3 كلمات
ولفت إلى أن أي دارس لشمائل النبوة ومناقبها عند رسول الله صلى الله عليه وسلم يجد الشمائل مجتمعة في 3 كلمات تجمع مقاصد الشريعة ومناقب النبوة وهي: الهداية والرحمة والأخلاق والتي دارت حولها مواريث النبوة ونهض بها هذا الدين.
وقال إن الآية الكريمة “وما أرسلناك الا رحمة للعالمين” تعتبر بياناً ربانياً شاملاً يؤكد أن الدين إنما يدور حول معنى الرحمة، فهي الروح السارية التي تسري في هذا الدين بكليته.
وتابع الدكتور الأزهري: وقد جسد النبي صلى الله عليه وسلم الرحمة فلم يترك لنا تشريعاً وسنة إلا والرحمة في لبّه ومقصده، فقد كان صلى الله عليه وسلم يعلمنا الرفق في الأمر كله بقوله “ما كان الرفق في شيء إلا زانه” وأن الأمة قامت على أساس الرحمة.
وأوضح المحاضر أن التعبير القرآني المعجز جاء في الآية في قوله سبحانه “للعالمين” ولم يقل سبحانه “وما أرسلناك إلا رحمة للمسلمين” أو “للناس” أو “للبشر” حتى تكون الرحمة عامة وشاملة وواسعة تشمل المسلمين والبشر والجن والإنس والملائكة والجمادات والحيوانات والنباتات وسائر أنواع الوجود.
وأردف المحاضر بقوله “لهذا فقد ورد عنه صلى الله عليه وسلم قوله في حق جبل أحد”أحد جبل يحبنا ونحبه” فاتسعت المحبة والرحمة منه لتتجاوز الإنسان حتى تتسع لتشمل الجماد.
وأشار في هذا الصدد أيضاً إلى أنه ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله “إن امرأة دخلت النار في هرة “ فاتسعت الرحمة لتشمل الحيوان، وعليه فإن المسلم يجب أن يتسع صدره وأخلاقه ودينه للعالمين، لافتاً في هذا الصدد إلى أن تخصيص المرأة في هذا الحديث لا يعني أنه متعلق بالمرأة دون الرجل، كما أنه يمكن أن تحلّ كلمة الإنسان مكان كلمة المرأة، وبهذا المعنى فإن الإنسان لا يؤذي الأكوان.
رحمة للعالمين
ونوّه الشيخ أسامة الأزهري بصفات النبي محمد صلى الله عليه وسلم الذي اتّسع صدره للعالمين لأنه استوعب قوله تعالى “وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين” وليس للمسلمين والمؤمنين ليغرس في صدر كل مسلم أن الله عز وجل وضع بين أيدينا مواريث النبوة التي تقوم على الرحمة التي تتسع لتشمل العالمين.
وقال” لقد ترك لنا سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم القرآن الذي تشمل أنواره ومعانيه لكل انسان على ظهر الأرض مستشهدا بقول العلماء، إن القرآن يتوجه بالخطاب الى كل انسان على وجه الأرض وليس للمؤمنين فقط” .
وأكد في هذا المجال أن القيمة الكبرى لهذا الدين هي أن نبيه وقرآنه وشمائله تتلخص في أن الرحمة للخلق أجمعين.
هدايتان
وقال “لقد ورث النبي صلى الله عليه وسلم لأمته هذا الوحي الشريف والقرآن العظيم الذي توجه بالخطاب إلى العالمين فجاء بمستويين من الرحمة والهداية يتحقق بهما مضمون قوله سبحانه “وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين”، حيث جاء القرآن بهداية خاصة وبهداية عامة، والهداية الخاصة هي: الخطاب القرآني للمؤمنين بالتشريع والأحكام والأخلاق والقيم، ويمكن التمثيل له بكل آية بدأت بـ “ يا أيها الذين آمنوا” وعددها 88 آية.
وأوضح أن الهداية العامة هي نوع من الخطاب توجه به القرآن إلى سائر البشر من آمن ومن لم يؤمن، حيث يجمع القرآن فيه البشرية على مبادئ عامة وأصول مشتركة ومواثيق إنسانية تحقق للبشرية أماناً وسكينة، وتنبههم إلى المبادئ الإنسانية العليا التي تنهض على أساسها الحضارات وتتعايش وتتعارف.
وأضاف الدكتور الأزهري أنه يمكن التمثيل لهذه الهداية القرآنية العامة بكل آية بدأت بقوله تعالى “يا أيها الإنسان” أو “يا أيها الناس” أو “ يا بني آدم وهي 22 آية تقريباً يمكن للمسلمين أن يستخرجوا منها نحوا 20 مبدأ إنسانياً عاماً يشكل ميثاقا عالميا لحقوق الأكوان وليس فقط لحقوق الإنسان.
ولفت إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم قد علم أمته كيف تحول آيات القرآن إلى برامج عمل ومناهج تنفيذ وتطبيق بحيث تتحول الرحمة العامة من شعار وقيمة إلى بناء مؤسسة وصناعة حضارة وتكوين مجتمع .
وذكر المحاضر أن في قوله تعالى “يأيها الناس اتقوا ربكم” صورة من الرحمة العامة تذكرهم بأنهم يعودوا إلى أصل إنساني واحد، وأن الجميع إخوة في الإنسانية.
ولفت الى أن الآية الكريمة “ إنا خلقناكم من ذكر وأنثى لتعارفوا “ تمثل خطابا من الله للناس جميعا على وجه الأرض، ثم أمرنا بالتعارف... والمقصود هنا ليس التعارف بين الأفراد فقط وانما المعرفة على أساس الشعوب والقبائل .. فهو تعارف أممي حضاري أقامه الله تعالى على أساس انقسام الناس الى شعوب وثقافات وحضارات تنشأ بينهم علاقات تسمى «التعارف».

التحذير من خطورة الغلو والتعصب للانتماءات الفكرية

حذر الدكتور أسامة السيد الأزهري من خطورة الغلو والتعصب للانتماءات الفكرية والعقائدية الصغيرة عبر تضخيم مبادئها وأفكارها ومساواتها مع الانتماءات الأكبر، وأكد بأن تغليب مصالح الانتماءات الجزئية الصغيرة على الانتماء للوطن والأمة الإسلامية مدعاة للفتن والفساد.
وقال: “دوائر الانتماء بعضها أوسع من بعض، وإذا انتمى الإنسان إلى انتماء صغير بطريقة متعصبة، أفسد الروابط بينه وبين بقية أصحاب الانتماء الأوسع، مضيفاً أنه لا عبرة لانتماء ينقلب لتعصب، ولا عبرة بفرع يكر على أصله بالبطلان. وأوضح الأزهري أن الانتماء مقسم لدوائر وحلقات متفاوتة في الحجم والتأثير، تبدأ بالانتماء إلى القبيلة أو أرض الميلاد، ثم الانتماء إلى الوطن، ثم دائرة أشمل هي الانتماء للأمة، ثم الانتماء للإنسانية كلها، فضلاً عن الدوائر الفرعية الأخرى للانتماء، كالانتماء إلى المهنة وغيرها. وطالب المحاضر بإيجاد ميثاق عالمي من سائر اللغات، ينطلق من مبادئ التعارف والتكامل بين الحضارات، ويبنى على أسس الاحتكاك والمعرفة، وانتقاء كل حضارة ما يضيف وينسجم وهويتها ومنجزها الحضاري المجتمعي. وشدد على قصور نظرة البعض حول القيم الإسلامية وحصرها في جوانب محددة لا تعكس شمولية الرسالة الإسلامية وعموم نهجها ومنهجها. وأكد حث الإسلام على التعارف والتقارب الأممي على أساس انقسام الدول إلى شعوب وحضارات، ولم يقتصر على التعارف بين الأفراد كما يفهم البعض خطأً، موضحاً أن تعاليم الإسلام واضحة معتدلة تتسع للجميع وتجمعهم الإخوة الإنسانية.

الإنسان والأوطان والعمران
أكد الدكتور الأزهري أن المجتمع النبوي قام على 3 أركان ترى كلها البشرية من خلالها معاني قوله تعالى “وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين “ وتلك الأركان والمقومات للمجتمع النبوي هي: الإنسان والأوطان والعمران.
وقال في معرض استعراضه للركن الأول وهو الإنسان أن النبي صلى الله عليه وسلم عظم من قدر الإنسان، وجاء له بسعادة الدنيا والآخرة ورعى خاطره وضمن أمانه وعلمه كيف تتسع آفاقه وكيف يقوم برعاية مقاصد الشريعة ليكون رحمة على الناس من حوله وليكون رفيع الأخلاق واسع العطاء رحيما يملأ الدنيا من حوله بالأمل والعمل وبناء الإنسان هو أول مقوم وأساس من أسس بناء المجتمع الذي يرى الناس من خلاله معاني الرحمة العامة ومحاسن الشريعة.
وتابع: فالإنسان هو البناء العظيم “معصوم دمه” أمر الله بتوقيره إذ أمر ملائكته بالسجود له، وأمر بإكرامه وهو ما جاءت به الكتب والشرائع، فهو غاية هذا الكون، وأمرنا الله بإكرامه وسعادته، فالدين رحمة وراحة للإنسان، فجاء بناء النبي صلى الله عليه وسلم للإنسان على أساس من الرحمة، فهو عظيم قدسي مصون ومحترم.
وتناول المحاضر الركن الثاني وهو الأوطان وأورد في هذا الصدد أن البخاري روى عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا رجع من سفر فنظر إلى جدران المدينة أوضع راحلته، وإذا كان على دابة حركها من حبها، فقال الإمام الحافظ ابن حجر “ في هذا الحديث دليل على مشروعية حب الأوطان والحنين إليها”.
وقال الدكتور الأزهري علمنا النبي صلى الله عليه وسلم إن الانتماء دوائر يبدأ بالانتماء إلى القبيلة أو أرض الميلاد، ثم دائرة الانتماء إلى الوطن، ثم دائرة الانتماء للأمة ودائرة الانتماء للإنسانية كلها، فضلاً عن الدوائر الفرعية الأخرى للانتماء كالانتماء إلى مهنة أو غيره ودوائر الانتماء بعضها أوسع من بعض، مؤكداً أنه إذا انتمى الإنسان إلى انتماء صغير بطريقة متعصبة تفسد عليه الروابط بينه وبين بقية أصحاب الانتماء الأوسع، فإن الانتماء الصغير لا عبرة به لأنه حينئذ انقلب من “انتماء إلى تعصب” والتعصب مذموم ولا عبرة بفرع يكر على أصله بالبطلان كما يقول العلماء.
وتناول المحاضر الركن الثالث وهو العمران، حيث علم النبي صلى الله عليه وسلم البشرية محبة العمران والإقبال على الحرف والمهن والصنائع ومحبة عمران الأرض بالحضارة والبناء والنماء حتى يتحول الإنسان إلى مصدر رخاء وإسعاد للناس من حوله.
وأشار إلى أن المسلمين قاموا بالإبداع في الحرف والمهن وألف الإمام السبكي كتابا اسمه “معيد النعم ومبيد النقم” جمع فيه الآداب اللازمة لـ113 وظيفة ومهنة كانت في زمانه قبل 7 قرون حتى اعتبره المستشرقون أول كتاب في علم آداب نفس المهنة.
وخلص المحاضر إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم بنى الإنسان والمجتمع على نحو منير تسري من خلاله معاني الرحمة للعالمين، وتتحول فيه الرحمة العامة إلى إجراءات وتطبيقات وسنن وآداب تشهد الدنيا من خلالها معاني السعة والرحمة.

الأزهري في سطور

يشرف الدكتور الشيخ أسامة السيد الأزهري على مكتب رسالة الأزهر الشريف، وهو محاضر بجامعة الأزهر - كلية أصول الدين، ومدرس بكلية أصول الدين والدعوة الاسلامية بالزقازيق. للأزهري مؤلفات عدة، منها: “إحياء علوم الحديث، مقدمات منهجية ومداخل معرفية” و”المدخل إلى أصول التفسير” و “معجم الشيوخ” و”الإحياء الكبير لمعالم المنهج الأزهري المنير” و”صائد اللؤلؤ - خطوات على طريق بناء الإنسان”.