ثقافة

جيرالد بوت يقدم صورة عن سيرة الطيران في المنطقة

جهاد هديب (دبي) - في فبراير من عام 1910، شاهدت جموع المصريين أول طائرة تحلّق في سمائهم، وفي الفترة ذاتها تسنى ذلك أيضاً لجمهور عريض في فلسطين والعراق.
كانت البلدان آنذاك في عهدة التُرك، ولم تخرج إلى الوصاية المشؤومة لـ «سايكس وبيكو»، وكانت الطائرات إنجليزية بامتياز. لكن بعد ذلك بسنوات قليلة، شاهدت الجماهير العربية كلها أنواعاً أخرى من الطائرات الحربية خلال الحرب العالمية الأولى تخترق سماواتها وحدودها. غير أن هذا الأمر ليس هو موضوع كتاب «تاريخ في السماوات العربية.. أثر الطيران في الشرق الأوسط».
لقد ولد الكاتب في المنطقة العربية، وعاش فيها قرابة الأربعين عاماً، وتعلّم فيها واكتسب خبراته الإنسانية الأولى على أرضها وبين ناسها، وهذا من جهة، ومن جهة أخرى، فقد عمل مراسلاً صحفياً لهيئة الإذاعة البريطانية الشهيرة B.B.C، كما عمل محللاً للسياسات شرق الأوسطية خلال الحرب الباردة وبعدها، في العديد من الوسائط الإعلامية المرئية والمسموعة والمكتوبة، كما أنه الآن يرأس تحرير أسبوعية سياسية. ولقد مكّنه ذلك من أمرين: الوصول إلى وثائق أرشيفية، ربما من غير الممكن لسواه الوصول إليها ثم مقدرته على التقاء أصحاب القرار.
ويضاف إلى ذلك وبدرجة أقل أنه لم يكن من نسل عائلة ديبلوماسية عاشت في الأزمنة المضطربة للمنطقة العربية بل كان ابناً لعائلة عسكرية، يبدو أنها ذات تقاليد أرستقراطية بعض الشيء حيث كان أبوه وعمه ضابطين في سلاح الجو البريطاني، وعملا في المنطقة، وتحديداً الخليج العربي والعراق التي كانت مرشحة لأن تكون نقطة انطلاق جوية في المنطقة. ما يعني أنه ليس غريباً عن عالم الطيران، كما أنه عندما عمل مراسلاً في هيئة الإذاعة البريطانية كان خطف الطائرات منذ نهاية الستينات يؤسس لحقبة جديدة في تاريخ الطيران في المنطقة.
ومنذ البدء يوضح بوت غايته من الكتاب: «لا تزعم هذه الأوراق أنها تقدم عرضاً شاملاً لأهمية الطيران في الشرق الأوسط أو التاريخ الحديث لهذا الجزء من العالم. فالفكرة عِوَضاً عن ذلك هي التزود بتلك السردية التي تشرح بعض اللحظات التي تقاطعت «معاً في تاريخ هذه المنطقة».
وفي الفصول الأولى من الكتاب يتحدث المؤلف عن تاريخ الطيران في المنطقة الذي سبق بقليل اكتشاف النفط في الخليج العربي الذي عزز من أهمية موقعها بالنسبة لخطوط الطيران العسكرية والتجارية للمنطقة العربية عموما والخليج على نحو خاص. لقد كان هذا الاكتشاف هو الذي أدى إلى نقل الثقل الاستراتيجي للمنطقة من البصرة في العراق والمنامة في البحرين إلى دبي والشارقة وأبوظبي حتى قبل ظهور دولة الإمارات بكثير.
لقد غيّر الطيران وجه المنطقة بالفعل، إذ أنه منذ الأربعينات عندما لاحت البشائر بانتهاء الحرب العالمية الثانية، واستقر أمر النصر للحلفاء، باتت الطائرات تحمل رجال أعمال وعائلات قادمة من كل دول العالم للعيش هنا. كما بات ذلك المبنى الصغير الذي هو بمثابة محطة ترانزيت صغيرة آنذاك محوراً للطائرات القادمة من المحيط الهندي والقارة الأسترالية إلى الغرب وأوروبا، هكذا تداخلت عوامل كثيرة استراتيجية وسياسية في جعل تاريخ الطيران، ومنها مطارات الإمارات، واحداً من الأركان الأساسية التي ساهمت في إعادة النظر في الأهمية البالغة للمنطقة.
في أي حال، فإن أول ذكر للإمارات في الكتاب يأتي مطار أبوظبي عام 2009، حيث ينظر المؤلف إلى شابتين إماراتيتين عائدتين من لندن، ولا تأبهان بمشهد الأضواء إلى الأسفل منهما، بل تنشغلان بما جلبنه من تقنيات حديثة من أسواق لندن.
لكن الملاحظة الأولى المثيرة للاهتمام تأتي من ما نقله بوت عن ما يسميه بالكاتب الرسمي للطيران البريطاني مطلع الأربعينات عندما يكتب، في سياق حديثه عن المفاوضات الجارية مع حكام المنطقة لإنشاء مطارات تخدم الاستراتيجيات الانجليزية في الثلاثينيات والأربعينيات من القرن الماضي بصدد المحيط الهندي وما يليه، وبصدد النفط والغاز، والولع بالطيران عند عرب الصحراء بالقول «يتقبل العربي فكرة الطيران بوصفه جزءا من حياته بالفلسفة الشخصية ذاتها التي يتقبل بها «الدلو». الطائرات، في هذه الأثناء وفي بعض الأحيان، استُأْجرت من العرب المولعين بالطيران، من أجل نقل حجيجهم إلى مكة».
فقد شهدت الثلاثينيات والأربعينيات من القرن الماضي مفاوضات صعبة بين حكام الإمارات والضباط الإنجليز من أجل فتح الأجواء العربية، بأكملها طبعاً، أمام الطيران الإنجليزي، وبالتالي أمام شركات الطيران والنفط والغاز ومحطات الترانزيت إلى الشرق الأقصى وأستراليا، وكل هذا حاول الإنجليز، بكل دهاء وخبث، أن يكون لصالحهم وحدهم.
بدأ ماراثون تلك المفاوضات عام 1931، واستمر حتى ما بعد النصف الثاني من الأربعينيات، وكانت تجري بتحفيز من شركات الطيران الكبرى، خاصة «إمبيريال للطيران»، إذ يختصر خط الطيران العربي المسافة الزمنية التي تستغرقها الرحلة إلى كلكوتا مثلا إلى الربع من غيره من خطوط الطيران، فلنتخيّل إذن كم سيجلب ذلك من اختصار للوقت والجهد والمال والعمر الافتراضي للآلة ذاتها المستخدمة في الطيران، خاصة إذا تمت ترجمة ذلك إلى الجنيه الاسترليني آنذاك.
كان خط الطيران «بغداد – طهران» هو المستخدم، آنذاك لكن التحول عنه قد جرى بسبب ما أنجزه الإنجليز مع حكام الإمارات من اتفاقات ونشأة العديد من محطات الطيران في الشارقة ودبي، وكذلك الطبيعة الجغرافية لخط الطيران المحلي إذ يخلو من أي جبال أو مرتفعات قد تجعل من الطيران أمراً أكثر كلفة. باختصار كانت حسابات الإنجليز هنا محسوبة بـ «الشلن» الإنجليزي تبعاً لما يورده الكاتب، وبناء على قراءته للوثائق.
ولأنه كان واضحاً أن موازين القوى تعمل لحساب المصالح الإنجليزية، فقد حققت الدبلوماسية البريطانية مكاسب عديدة على هذا الصعيد، فلم يتغير الوضع جذرياً إلا مع أمرين، هما تبعا للتسلسل الزمني: ظهور النفط في أبو ظبي، ونشأة الدولة الحديثة.
أما ما تبقى من الكتاب فهو يخص تاريخ الطيران في المنطقة العربية بمجملها وتشابكاته الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، حيث ازدادت مساحة التنقلات الاجتماعية، وكذلك تضاعفت الأنشطة الاقتصادية، وبرزت الإمارات كواحدة من أهم دول المنطقة التي تشارك في كتابة تاريخ الطيران في المنطقة.