دنيا

مصر في رمضان.. عالم من السحر والخيال يملأه الشغف بالدين والحياة

مائدة رمضانية متنوعة في منزل السفير المصري لدى الإمارات (تصوير عبد العظيم شوكت)

مائدة رمضانية متنوعة في منزل السفير المصري لدى الإمارات (تصوير عبد العظيم شوكت)

تعددت الألوان والأعراق والألسنة بتعدد البلاد والشعوب، فاختلفت العادات والتقاليد عبر دول العالم الإسلامي التي يعيش فيها أكثر من مليار نسمة في شتى قارات العالم، ولا يجمعهم إلا الإسلام تحت راية «لا إله إلا الله محمد رسول الله». وفي رمضان من كل عام، يتحول المسلمون في شتى ربوع الأرض إلى كتلة واحدة عملاقة، تهيمن عليها روحانيات الشهر الفضيل، فيؤدي الجميع العبادات نفسها من صيام وصلاة وإقبال استثنائي على فعل الخير ونزعة أقوى للتسامح والتواصل مع الآخرين. لكن رمضان بسماحته، يعطي أحبابه في مشارق الأرض ومغاربها فرصة عظيمة ليضع كل مجتمع بصمته ولمساته المستمدة من عاداته وتاريخه على طقوس استقبال ومعايشة الشهر الفضيل.
وتنشر «دنيا الاتحاد» على مدى الشهر سلسلة حوارات مع العديد من زوجات سفراء الدول العربية والإسلامية في الإمارات، لإلقاء الضوء على عادات وتقاليد شعوبهن خلال رمضان.

رمضان في مصر شيء مختلف تماماً.. إنه ليس شهر العبادة فقط.. بل هو مناسبة للبهجة والفرحة، تحول الشوارع في القرى والمدن إلى عوالم مثيرة تنبض بالحركة والحياة حتى الساعات الأولى من الصباح، طوال أيام الشهر الفضيل.
يستعد المصريون للصيام قبل موعده بأسابيع. فتمتلئ الأسواق بمستلزمات مائدة الإفطار، خاصة التمور التي عادة ما يطلق عليها الباعة أسماء مشاهير السياسة والرياضة والفن. وفي العادة يأخذ أفخم الأنواع اسم أحب الشخصيات، حسبما تقتضي الحال.
لكن مركز الحركة الحقيقي ومحور نشاط المصريين خلال رمضان ليس في الأسواق، بل في المساجد التي تتحول بدورها إلى ساحات من نور لا تخلو من المصلين والمتعبدين على مدار الساعة، فلا يعرف المرء متى يصلي المصريون ومتى يلهون. لكنهم في كل الأحوال يعشقون رمضان وينتظرونه باشتياق شديد، حتى أنهم حولوه إلى ما يشبه رحلة ملأى بالشغف والمفاجآت.. والمسلسلات.
وفي المساجد أو على مقربة منها تتألق بنور الإيمان مآدب الرحمن التي يقيمها أهل الخير لإفطار الصائمين، تقربا لله تعالى، ولو انطلق أذان المغرب، وأنت في الطريق، لابد وستجد من يمنحك ماء وتمراً كي «تكسرك صيامك»، حسبما يقول المصريون في العادة.
وفي الطريق أيضاً، لابد وأن تسمع طوال ساعات الليل والنهار، أصوات المقرئ عبد الباسط عبد الصمد أو الحصري أو الطبلاوي، تصدح من المقاهي والمتاجر بآيات الذكر الحكيم، وستجد كثيرين، رجالاً ونساءً، في وسائل النقل العام ، خاصة مترو الأنفاق، وقد أمسكوا بالمصحف الشريف، يمضون وقت رحلتهم في التلاوة.
باختصار .. مصر في رمضان، عالم أكثر إدهاشا مما هي عليه في بقية شهور العام.
والقاهرة بالتحديد، تشكل تاريخها بصورة أو بأخرى عبر رمضان، وتراكمت فيها عبر نحو 14 قرناً تقاليد وعادات، كثير منها مستمد من رمضان.
تقول الدكتورة مها محمد رضوان حرم السفير المصري لدى الإمارات أن المصريين بدأوا تحري الهلال بصورة رسمية ومنظمة لأول مرة عام 155هـ، عندما خرج قاضي قضاة مصر إلى جبل المقطم في نهاية شهر شعبان، ومن يومها صار هناك ما يسمى بـ «دكة القضاة» التي يتم استخدامها كل عام للتأكد من ظهور هلال الشهر، ثم انتقل هذا التقليد إلى بقية الدول العربية والإسلامية.
المائدة المصرية
وتشير مها رضوان التي تعشق ممارسة «الطاولة» في رمضان، إلى أن المصريين يفطرون على التمر ثم مشروب بارد مثل الكركديه أو قمر الدين، الخروب، تمر الهندى أو العرقسوس الذي يفضله كثيرون، لأنه يقلل الإحساس بالعطش نهاراً في الصيف.
ثم يؤدي الجميع صلاة المغرب، وبعد ذلك يتناولون الإفطار الذي يبدأ ببعض الحساء مثل شوربة لسان العصفور أو قليل من شوربة العدس.
وتختلف الموائد بحسب كل عائلة وإمكاناتها لكن لن تخلو مائدة من الملوخية أو المحاشي، وبخاصة ورق العنب، بالإضافة طبعاً إلى السلطة الخضراء.
ويستهلك المصريون الآن كميات كبيرة من الياميش والمكسرات التي يستخدمونها في صنع حلويات رمضان الشهيرة مثل الكنافة والقطايف والبقلاوة، ثم إنهم يعتمدون بدرجة كبيرة على ما يعرف باسم «الخشاف»
وهو خليط مذهل من التمر والمكسرات، ذو سطوة بالغة على الموائد المصرية عند الإفطار وبعده.
وعلى الضفة الأخرى، من المكسرات ـ الباهظة الثمن في العادة ـ يتألق طبق الفول بلا منازع وقت السحور مع الفلافل والمخللات والزبادي. ولذلك، فباعة الفول هم النجوم الحقيقيون في الأسواق طوال رمضان، فيعرضون بضاعتهم في كل مكان وبكل الطرق.
استعدادات الأسر
لأنهم يحتفون برمضان بطريقتهم الخاصة جدا، تفضل كثير من الأسر المصرية ادخار ميزانية خاصة من أجل مستلزمات الشهر الفضيل، من مواد غذائية وياميش ، وفوانيس للأطفال وزينات تعلق على المنازل وفي الشوارع.
تقول حرم السفير المصري إن فانوس رمضان له حضور أساسي في الشهر الفضيل حتى أن رمضان بالنسبة للأطفال هو ذلك الفانوس الصغير الجميل الزاهي الذي يلهون به ليلا مع جيرانهم كل ليلة بعد الإفطار.
وتحكي بعض الروايات التاريخية أن المصريين عرفوا هذا التقليد في الخامس من شهر رمضان عام 358 هجريا عند دخول المعز لدين الله الفاطمي القاهرة ليلاً ، فاستقبله أهلها بالمشاعل والفوانيس وهتافات الترحيب. ومن ساعتها «تحول الفانوس من وظيفته كمصدر للإضاءة ليلاً إلى وسيلة للترحيب بالشهر الفضيل يطوف بها الأطفال في الشوارع والأزقة»، حسبما تقول الدكتورة محمد رضوان.
تبادل الزيارات وصلة الأرحام
تعرف الحياة الاجتماعية في رمضان نشاطا كبيرا، حيث تتبادل العائلات الزيارات، وتبرز مظاهر التكافل والتراحم، كما تنشط كثير من الأسر في التعاون مع الجمعيات الخيرية، فيتزايد الإقبال على زيارة المرضى ومراكز الأيتام وذوي الاحتياجات الخاصة.
كما تنتشر ما يعرف باسم الخيام الرمضانية، وهي أشبه بمقاهٍ كبيرة تلتقي فيها كثير من الأسر والأصدقاء للإفطار أو تناول السحور، على أنغام فرق الموسيقى العربية أو التواشيح الدينية.
وتعرف الشوارع المصرية حراكا وتفاعلا يمتد إلى الصباح». وتوضح مها رضوان أن رمضان ارتبط في ذاكرتها بتلك التجمعات في المقاهي الشعبية، التي كانت تدب فيها الحركة بعد صلاة التراويح، وتعرف أجواء قل نظيرها في هذا الزمان.
سمو الروح
وتلقي الدكتورة مها رضوان الضوء على الجانب الاجتماعي والديني في رمضان كطقس أساسي من طقوس رمضان، وتقول» كان شهر رمضان وما يزال في مصر مناسبة اجتماعية دينية تعبر عن مدى حيوية التراث الثقافي المصري. فالناس بأعداد هائلة في المساجد تقرأ القرآن الكريم وتستمع للدروس الدينية أو تؤدي الصلوات المفروضة والنوافل.
وفي ليلة مثل ليلة القدر، تفيض المساجد بالمصلين، حتى أنهم يصطفون خارجها في الشوارع، وقد رفعوا أكف الضراعة رجالاً ونساء.
وتضيف «من السمات المميزة لشهر رمضان الكريم «موائد الرحمن»، والتي يتم من خلالها توزيع وجبات الإفطار على ضيوف المائدة الذين يتوافدون من كل مكان، ومن جميع الطبقات الاجتماعية، ويسعى كل مصري خوض هذه التجربة، بحيث إذا شارك جموع الصائمين هذه الوجبة عند سماع مدفع الإفطار عند آذان المغرب يشعر بالسمو الروحي».
احتشام
يحرص المسلمون في أغلب الدول العربية والإسلامية على ارتداء الملابس المحتشمة خلال الشهر الفضيل، تقديرا لحرمته، وغالبا ما تحتل الأزياء التقليدية مكانة متميزة خلال هذا الشهر الكريم، وتقول مها رضوان «كما هو الشأن في مصر أيضا، يحرص الصائمون في هذا الشهر الكريم على ارتداء الملابس الفضفاضة بصفة عامة، وتحتل الجلابية النسائية المصرية وطرحة الرأس مكانة مهمة لدى السيدات».
المسحراتي
ارتبط السحور في مصر بصوت طبلة المسحراتي التي تعلو مع صوته لإيقاظ النائمين بشعاره الشهير «اصحى يا نايم وحد الدايم»، وفيما مضى كان المسحراتي، حسبما تقول رضوان، ينادي سكان كل بناية بأسمائهم، فردا فردا حتى يوقظهم لتناول السحور وأداء صلاة الفجر. وفي العادة تتكون وجبة السحور من طبق الفول بالزيت والليمون، الجبن الأبيض بأنواعه، الزبادي، بيض بالبسطرمة، أنواع من السلطات.
حلويات رمضان
تحتل الحلويات مكانة مهمة للغاية عند المصريين في شهر رمضان، وتأتي في المقدمة الكنافة والقطايف ولقمة القاضي «العوامات» وبلح الشام.

أهلا بالقمر
تقوم حرم السفير المصري بنشاطات اجتماعية مكثفة مع زوجات السفراء المعتمدين في الإمارات، أو مع أبناء الجالية المصرية المقيمة في الدولة.
وتقول عن ذلك «كزوجة السفير المصري في الإمارات، أتشرف بأن أكون الرئيسة الشرفية لجمعية سيدات مصر بأبوظبي، والتي تقوم بأنشطة متعددة اجتماعية، وثقافية وخيرية، مما ساهم في خلق روابط وثيقة بين الجالية المصرية، وجمع شملهم، ومن خلال اللقاءات الرمضانية، حيث يتم تنظيم أنشطة لجميع أفراد الأسرة، ومن بينها أنشطة مخصصة لرمضان، حيث ينشد الأطفال أغنيتهم الشهيرة «وحوى يا وحوى»، ومعناها بالفرعوني «أهلا بالقمر»، بالإضافة إلى أغانٍ شهيرة، مثل «رمضان جانا وفرحنا به» ، و»أهو جه يا ولاد». ويخفف ذلك كثيراً من أجواء الغربة، ويداوي جروح الفراق والبعاد التي تزداد وطأتها أحياناً خلال مثل هذه المناسبات».