ثقافة

عبدالرحمن البلدي يرصد علم وفن الصيد بالجوارح

دبي (الاتحاد)- يذهب مؤلف كتاب «الكافي في البيزرة»، البازيار البغدادي عبد الرحمن بن محمد البلدي، الذي عاش خلال القرن السادس الهجري على الأرجح، إلى القول بأن «مداراة الجوارح علم دقيق لا يفهمه إلا الذكي الفطن اللبيب، وهو من آداب الملوك والسلاطين والعظماء، ومن أعظم لذّاتهم وأكبر راحتهم ومفاخرهم».
ما يعني أن العلم بطبائع الجوارح السيكولوجية منها وغير السيكولوجية لم يكن متوافرا في الثقافة العربية والإسلامية دون الأخذ بأسباب هذا العلم، وبالتالي فإن الصيد بالجوارح، أي البيزرة، لم يكن له أن يصل إلى ما وصل إليه عند العرب من دون هذا العلم، وكذلك من غير الممكن للصائد بالجوارح، أي بازيار، أن يكون محترفا، إذ أن هذا العلم هو خلاصة خبرات واقعية ويومية في التعايش مع الجوارح، الصقور منها بخاصة، وقد تراكمت عبر القرون وليس حصيلة ممارسات فردية للصيد بالجوارح بوصفه فنا يخص المترفين فحسب.
يمثل هذا الكتاب جهدا معرفيا متقدما في هذا العلم، كتبه صاحبه بناء على اتجاهين معرفيين متوازيين: الخبرة الشخصية بوصفه بازيارا محترفا يقدم خبرات معرفية في هيئة أفكار من الممكن مناقشتها كما أن من الممكن في ضوئها مناقشة أفكار سابقة عليه في المجال نفسه سواء أكان صاحب هذه الفكرة عربيا أم افرنجيا، والاتجاه الآخر هو الاطلاع العميق على ما كتبه السابقون عليه في هذا الحقل المعرفي. بهذا المعنى فإن «الكافي في البيزرة» هو كتاب علمي صرف يكشف عن الثقافة الموسوعية التي كان يتصف بها جهد عبدالرحمن بن محمد البلدي هو الذي لم يشأ من كتابه سوى أن يكون علما ينتفع به الناس.
الكتاب
وبحسب صفته، فقد جاء الكتاب في أربعة أقسام: «في معرفة أجناس الجوارح، لئلا يشتبه الجنس الجيد منها بالجنس الرديء»، و«في معرفة الفاضل المختار من الجنس النافع من الجوارح، ومعرفة الرديء منها»، و«في تدبير الجوارح النافعة ورياضتها، وسياستها، وتعليمها وتقدير طُعْمها»، و«في مداواة أمراض الجوارح وعوارضها وآفاتها، وتدبير قرنصتها».
ويمتاز الكتاب بلغته الواضحة والهيّنة، إذ رغم مرور هذه القرون على تأليفه فإن القارئ لا يبذل جهدا كبيرا في إدراك مرامي الكلام، بل يوفّر لقارئه رياضة ذهنية وتخييلية خاصة وأن عبدالرحمن البلدي في العديد من أبواب الكتاب يجنح باتجاه الحكاية التي ترقى أحيانا إلى مستوى الأسطورة أو الخرافة عندما ينقل الخبرات العربية الأولى في فن الصيد بالجوارح وكذلك عندما يقدم تلك المعارف المدهشة بأنواعها والفوارق الدقيقة بينها وما يعبّر عن مزاج كل منها وعن بنيته النفسية وميوله.
في باب «معرفة الجيد والرديء من الجوارح من قبل أخلاقه وأفعاله وحركاته»، فإن البلدي يسمي الطيور بأسمائها وكذلك يسمي أشياءها مثلما هي عليه عندما تكون في «الوحشة»، أي عندما تكون في مجالها الطبيعي في البرّية، ثم يقدم تلك التغيرات التي تطرأ عليها عندما تكون عند الإنسان فيمارس من خلالها رياضة ذهنية وعملية هي فن الصيد بالجوارح.
«السُنْقُر التركي»
في هذا الباب يصف البلدي «السُنْقُر التركي»، وهو نوع من أنواع النسور على الأرجح، بأنه «أجلُّ الجوارح قَدْرا وأعلاها منزلة» فهو الأكثر ضراوة في الصيد من البازي والشاهين، فإذا خرج طلبا لطعام فإنه لا يقبل دون العشر إذا لاح له رفّ إوزّ فيضرب الواحد منها تلو وينزله قتيلا إلى الأسفل حتى يأتي على الأخير منها فينزل معه ليلتهمه يستقر به المقام وقد تحطمت عظامه على الأرض وبات سائغا، كما يشير إلى أن لهذا الطائر دأب على فعل ذلك حتى لو كلّفه الأمر جهد يومه بأجمعه، وينقل عنه البلدي أيضا أنه «يأخذ الصيد دسيسا» أي أن بإمكانه أن يصطاد فريسته حتى لو فرّت إلى منطقة جبلية وعرة كالأخاديد وسواها أو منطقة شجرية مكتظة فإنه يلاحقها حتى ينال منها.
البازي
أيضا يتطرق البلدي إلى صفات الجوارح الأخرى فيشرح ما شَرُفت به وميَّزها عن غيرها من الجوارح، ومن بينها البازي، فيرى أنه «ذو فضل على جميع الجوارح لجماله وعقله ونجدته وفروسيته وخفة محمله ونظافة جسده وطيب ريحه، وهو يصيد بالطبع، (أي وفقا لطبع فيه يخصه) في وحشته جميع أصناف الطير، ما جلَّ ودقَّ من الكركي إلى العصفور إذا كان نادرا كريما حرّ الأصل» دون أن يذكر البلدي كيف بوسع البازي أن يميز العصفور النادر الكريم حرّ الأصل عن سواه من العصافير وما هي مقاييس ذلك لديه. غير أن في ذلك طرافة تجعل من قراءة الكتاب معرفة ومتعة.
الصقر والشاهين
وبعد أن يستغرق البلدي طويلا مع البازي وصفاته المحمودة والمذمومة ينتقل إلى الشاهين ينتقل البلدي الذي يقول في أخلاقه المحمودة: «سرعة الطيران وحدّته، وكثرة الأكل والوثوب، وسرعة الاستمراء، وجرأة القلب، وشدة القبض»، أما المذمومة: «إن في الشواهين بعض الغدر والإباق، ولذلك يُضرب بغدرها المثل: فلان أغدر من شاهين».
ويبدو أن البلدي أكثر ميلا إلى الصقور من سواها، فيقول: «فلهن النجدة وجرأة القلوب، وصيد عظيم الوبر وعظيم الطير، تصيد ما تقضي به حقوق الإخوان، وتقري وتمي ربه الضيفان». واستخدام التأنيث للصقور هنا من قبل البلدي ليس عرضا لأن أنثى الصقر أكثر ضخامة من الذكر وأقوى في الطيران وأكثر ضراوة في الصيد، فهي التي تصطاد الظباء من فرط قوتها ما يميزها عن الجوارح الأخرى باستثناء العُقاب. ويصفها البلدي بأن فيها «عزة النفس».
والطريف في أمر «الكافي في البيزرة» أن البلدي لا يأبه لمصائر «بُغاث الطير»، وهي الطيور التي لا تصيد ففرّق بينها وبين الطيور الأخرى التي تصيد بوصفها بأنها «بهائم الطير» نقلا عن مراجع مكتوبة سابقة عليه.