تقارير

أوباما وحقوق الإنسان في روسيا

فريد حياة
كاتب ومحلل سياسي أميركي


شأنه في ذلك شأن جيمس بيرجلر، يحب فلاديمير بوتين الإمعان في إطلاق النار على ضحاياه حتى يجعل أجسادهم ترتطم بالأرض ثم ترتد مرات عديدة.
و«بيرجلر» هو زعيم العصابة المشهور الذي يحاكم في بوسطن حالياً لارتكابه العديد من جرائم القتل، والذي قام عندما علم أن مكتب التحقيقات الفيدرالي قد نجح في تجنيد واحد من أفراد عصابته المقربين إليه، بإطلاق الرصاص عليه بكثافة شديدة حتى جعل جسده يرتطم بالأرض ثم يعاود الارتداد عدة مرات.
أما بوتين فهو رئيس روسيا، الذي أشرف الشهر الماضي على صدور حكم بالإدانة بالتهرب الضريبي على المحامي «سيرجي ماجنيتسكي» الذي قام بالإبلاغ عن أسرار الفساد الواسع النطاق بين رجاله، فكان نصيبه الضرب المبرح في السجن والحرمان من تلقي العلاج حتى قضى نحبه منذ ثلاثة أعوام. وعلى رغم موته، إلا أن ذلك لم يكن كافياً لجعل بوتين يتوقف عن إطلاق الرصاص على جثته.
والإدانة البشعة لـ«ماجنيتسكي» لم تكن سوى محطة على مسار مذهل من سحب الحريات والحقوق، بدأه بوتين منذ عودته مجدداً للكرملين في مايو 2012 (بعد فترتين رئاسيين سابقتين تخللتهما ولاية قصيرة لرئيس الوزراء الحالي ديمتري ميدفيديف). وكانت حملـة القمـع التي قام بتنفيذها مثيرة للانتباه من حيث سرعتها وشمولها -ومن حيث لامبالاة الرئيس أوباما التامة نحوها أيضاً.
وقد بدأت روسيا في الانحدار منذ عام 2004، عندما بدأ بوتين في فترة ولايته الأولى، تفكيك القوانين التي كانت تسمح بفتح الباب أمام المعارضة السياسية.
غير أن وتيرة ذلك تزايدت بشكل كبير عندما بدأت الحكومة الروسية العـام الماضي، بعد عودة بوتين لسدة الرئاسة مرة ثالثة، إطلاق حملة قمع لا هوادة فيها ضد منظمات المجتمع المدني، وبشكل لم يسبق له مثيل في تاريخ روسيا ما بعد الاتحاد السوفييتي -كما وثقت «هيومان رايتس ووتش» في تقرير لها مكون من 76 صفحة صدر هذا الربيع.
وكما جاء في التقرير، فإن بوتين بعد أن حول البرلمان والحكومات الإقليمية إلى مجرد دمى تأتمر بأمره، وتنفذ رغبته، سعى في نطاق الموجة الثانية من حملة قمعه المستمر لتدمير منظمات المجتمع المدني، التي كانت قد بدأت في الظهور في سنوات حكم ميخائيل جورباتشوف، ثم ازدهرت بعد سقوط الاتحاد السوفييتي عام 1991.
وفي نطاق تلك الحملة، كان بوتين ينظر إلى الصحفيين المستقلين، ونشطاء البيئة، وأعضاء الجمعيات التاريخية، وأي أحد لا يبدي خضوعاً، ويقدم فروض الولاء والطاعة على أنه عدو يستوجب العقاب.
ومن خلال استغلال المحاكم، والشرطة، المتواطئة، عمل بوتين على تحويل أعدائه بشكل منتظم إلى جواسيس، ومزورين، وتجار مخدرات.
وكان الحكم بأسلوب زرع الخوف عقيدة سوفييتية... أما الآن وبعد زوال الاتحاد السوفييتي، فليست هناك عقيدة وإنما هناك خلطة سامة من الغرور الشخصي، وكراهية الأجانب، والعداوة الفطرية لأميركا.
في موسكو، ومنذ أربع سنوات تقريباً، حيا أوباما مجموعة من ممثلي المجتمع المدني لما أضافوه من «حماس ومثابرة» على نضالهم من أجل الحريات، وحكم القانون، والعدالة، والحكومة المسؤولة.
وقال أوباما لتلك المجموعة «هذه ليست قيماً أميركية، وليست حكراً على بلد دون آخر، وإنما هي قيم عالمية، وحقوق إنسانية، وهذا هو ما يدفـع الولايـات المتحدة لدعمهـا في كل مكان. هذا هو التزامنا. وهذا هو وعدنا».
ونظراً لأن تلك المجموعة وغيرها باتت مستهدفة من قبل بوتين الآن، فإن ما يمكن قوله عن وعد أوباما -بعبارات مهذبة- إنه لا يزال وعداً غير مستوفى.
والدليل على ذلك أنك لو كتبت كلمة روسيا في الموقع الخاص للبيت الأبيض على شبكة الإنترنت، فسيظهر لك بلد مختلف أشد الاختلاف. سيظهر لك بلد يعمل مع الولايات المتحدة جنباً إلى جنب من أجل «إعادة ضبط العلاقات» في مجال التحكم في الأسلحة، والإرهاب، بل والمخدرات أيضاً.
وبعد أن التقى ببوتين الشهر الماضي، قال أوباما للصحفيين إنه والرئيس الروسي «قد أجريا مناقشة مفيدة جداً حول الكيفية التي يمكن بها تعميق علاقات بلدينا الاقتصادية والتجارية، وكيف يجب أن نتشاور على نحو أكثر قرباً... وتوطيد ذلك النوع من العلاقة البناءة التعاونية التي تبعد بنا عن ذهنية الحرب الباردة».
ولم يرد أي ذكر في كلام أوباما للرئيس الروسي عن الحملة التي يشنها هذا الأخير على منظمات حقوق الإنسان المعرضة للهجوم في بلده، ولا أي ذكر للمعارض «أليكسي نافالني» الذي أدين ظلماً بالاختلاس، وحكم عليه بالسجن لمدة ست سنوات. ولم يكن هناك مجرد تلميح عن محنة العديد من الصحفيين الذين سجنوا، وضربوا وقتلوا، ولا عن معاناة من ما زالوا على رغم كل ذلك، يحاولون أن يحكوا القصة، ويقولوا الحقيقة.
يكفي هذا القدر من الكلام عن «التزامنا».
ولكنّ هناك شيئاً واحداً يتعين قوله بعد ذلك هو أن الولايات المتحدة عندما تقف مع أولئك الذين يكافحون من أجل الحرية فإنها تمنحهم شجاعة. وتسلط الضوء على غياب العدل، وتشجع رفاق الديمقراطية في أركان لا يمكن التنبؤ بها من العالم.
ومن خلال ذلك تستطيع الولايات المتحدة أن تحدث الفارق، وهذا -وكما قال أوباما منذ أسبوعين فقط- هو الشيء الصائب الذي يتعين عليها القيام به.

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»