صحيفة الاتحاد

ثقافة

«اللوفر أبوظبي».. يسافر بحضارات العالم إلى المستقبل

الجمهور في صالات العرض

الجمهور في صالات العرض

أشرف جمعة (أبوظبي)

وسط أجواء مشبعة بروح الفن في غمار افتتاح معرض اللوفر أبوظبي، كان الزوار يتوافدون على جزيرة السعديات للمشاركة في البرامج والفعاليات المصاحبة التي طرحت تجربة غنية ممتزجة بمشاهدة أعمال فنية وتحف من القارات كافة والعصور المختلفة، مع الكثير من الفنون الاستعراضية والعروض الحية التي جمعت شعوب العالم تحت سقف الفن والجمال، ومن اللافت أن الزوار كانوا يتفاعلون مع سلسلة من الأعمال الفنية الموجودة داخل صالات العرض من تماثيل وقطع من المملكة السومرية الحديثة والحضارة المصرية والإمبراطوريات والأديان العالمية وما يعبر عن أوصاف الكون والعالم من منظور جديد حتى تحديات الحداثة، وكان يتخلل هذه الصالات عروض حية للجمهور تمثلت في الأداء التعبيري المفاجئ لفرقة «لوسيندا تشايلدز» والعيّالة الإماراتية وأقنعة الدعون الأفريقية.

روح التسامح
فور الدخول إلى صالات عرض متحف اللوفر أبوظبي، يلتف الجمهور حول الإطارات الزجاجية التي تحتوي على العديد من القطع الأثرية والمنحوتات الفنية التي تعبر عن العصور السابقة في مختلف الحياة التي عاصرها الإنسان آنذاك، لكن أهم ما يحكمها هو هذا التدفق الفني الذي جذب أنظار الزوار وجعلهم ينظرون بتمعن إلى هذه القطع التي جسّدت المعاني الرفيعة للفن ووحّدت الشعوب حول روح التسامح، ورصد الحقب التاريخية التي مثّلت جزءاً مهماً من حياة وتاريخ الإنسان.
ومن ضمن الزوار الذين انبهروا بهذا الحدث التاريخي، الدكتور ستيفن جويبر، ألماني يعيش في أبوظبي، والذي كان يجوب صالات العرض للاستمتاع بالمشاهد الحيّة للقطع الأثرية في مختلف العصور والأزمان، حيث توقف عند تمثال حجري على الطراز اليوناني من الحضارة الفينيقية. ويذكر أنه منذ انطلاق هذا الحدث وهو يترقب الوقت الذي يذهب فيه إلى متحف اللوفر أبوظبي، كي يتعرف على ما يحتويه من قطع أثرية ومنحوتات وأشكال فنية، خصوصاً أنه من عشاق الفنون القديمة ولديه هواية قديمة في زيارة المتاحف في الكثير من دول العالم. مشيداً بهذه التجربة التي تحتضنها العاصمة أبوظبي وترسخها دولة الإمارات التي أعطت الكثير من الأمثلة على أن روح التسامح هي التي يجب أن تسود في هذا العالم الذي تمزقه الصراعات، لافتاً إلى أنه عاش في أتون تجربة فريدة من نوعها ولم يكن يصدق أن هذا المتحف يحتوي على كل هذه الكنوز التي تؤكد منجز الإنسان عبر العصور.

فرس النهر
وأمام إحدى القطع الأثرية التي تعبر عن فرس النهر لأحد التماثيل، توقفت عفراء الزعابي -مصممة جرافيك- تتأمل هذا التمثال العجيب، خصوصاً أنها من هواة المتاحف وتحاول أن تقرأ معالمها وتتجول في أركانها بحثاً عن كل شيء جديد ومختلف. وتبين أنها أُعجبت بهذا التمثال الذي يعود تاريخه إلى حضارات سابقة، مشيرة إلى أن صديقتها موزة الرميثي رافقتها في هذه الرحلة التي تراها فريدة من نوعها، خصوصاً أن متحف اللوفر أبوظبي يمثل لها دفقة معنوية كبيرة، وأنها عادت بالذاكرة إلى الوراء عندما كانت في زيارة إلى متحف اللوفر في فرنسا، واليوم تشاهد هذا الصرح الكبير الذي احتضنته أبوظبي في واحدة من أهم اللمحات الإنسانية والفنية والتاريخية، مؤكدة أن هذا المتحف له شكل آخر ويسير وفق أحدث النظم العالمية في التنظيم وطريقة العرض، وهو ما جعل المتحف يكتظ بالجمهور من كل جنس ولون، وهم في حالة من الانبهار والسعادة كون مدينة عربية تتبنى هذا المشروع الذي يعمل على التقارب بين الشعوب.

مومياء فرعونية
ولا يُخفي يوجيه خوسيه (ألماني)، أنه كان يسارع الخطى منذ الإعلان عن افتتاح متحف اللوفر أبوظبي، خصوصاً أن هذا الحدث له خصوصية لديه، كونه أُتيحت له الفرص لزيارة الكثير من المتاحف حول العالم، وأنه فور الوقوف بين جنبات صالات العرض شعر بأنه يعيش حالة وجدانية مع هذا الصرح العملاق الذي تتجسد فيه كل ملامح الإنسانية والفن الراقي وكيف تتلاقى الحضارات والفنون في مكان واحد، مشيراً إلى أن أكثر ما لفت نظره أن هناك تعدد في شخصيات الزوار وأنهم من أعراق وثقافات وجنسيات مختلفة، مبيناً أنه توقف عند مومياء فرعونية كانت موجودة في المتحف، خصوصاً أنه من المهتمين بالحضارة الفرعونية، وعندما وجد هذا التمثال ظل ينظر إليه ويتفحصه حتى يكتشف نقاط الجمال به.

عروض العيّالة
وفي أثناء انغمار الزوار في صالات العرض داخل متحف اللوفر أبوظبي، كانت فرقة العيّالة أمام البوابات الرئيسية تُجسد لوناً من ألوان الفن الإماراتي الأصيل عبر فرقة «مبارك العتيبة للعيّالة»، والتي تتكون من 40 فرداً. ويذكر مبارك العتيبة أنه يشعر بالفخر لكونه يشارك مع فرقته في هذه الاحتفالية الكبيرة بعرض خاص للعيّالة التي تُعد من أشهر الفنون الشعبية التقليدية في الإمارات، وهذا الفن كان يُمارس في المناسبات الوطنية، وحفلات الزفاف، والاحتفالات الأخرى. لافتاً إلى أن طريقة العرض تتم من خلال وقوف الرجال في صفّين متقابلين، وهم يحملون في أيديهم عِصيّا رفيعة من الخيزران تمثل الرّماح والسيوف، موضحاً وقوف العيّالة في صفّين متراصّين وبينهما بعض الذين يقرعون الطبول، والدفوف، والصنوج النحاسية، وآخرون يحملون سيوفاً وبنادق يرمونها في الهواء، ويلتقطونها أثناء سقوطها.

عرض خاص
عبر عرض خاص للأداء التعبيري المفاجئ، كانت الفنانة لوسيندا تشايلدز تُبهر الحضور داخل قاعات العرض في المتحف، حيث إنها بارعة في الأداء التعبيري المعاصر، وتعد من أهم مصمميه في الوقت الحالي. وقد بدأت مسيرتها الفنية في مسرح جودسون للأداء التعبيري عام 1963، حيث صممت 13 أداء تعبيرياً. ومنذ إنشاء فرقتها الخاصة عام 1973، صممت أكثر من خمسين عملاً من الأداء التعبيري المنفرد والجماعي. وفي عام 1976 تعاونت مع روبير ويسلون، وفيليب جلاس في أوبرا «آنشتاين أون ذا بيتش» بصفتها مؤدية رئيسية، وقد نالت جائزة «أوبي فيلج فويس» على هذا العمل. كما ظهرت في العديد من الأعمال المهمة لروبير ويلسون، ومن اللافت أن لوسيندا في أثناء عرضها داخل متحف اللوفر أبوظبي كانت تبتعد عن عالم الأشياء وتعود إلى روح الحركة، من دون الاعتماد على أي ديكور أو أشياء إضافية، بما يُجسد أداءها التعبيري الذي يعتمد على علاقة الحركة بالزمان والمكان، من دون أي عنصر من شأنه أن يؤدي إلى تشتيت الانتباه.

«أوعية الدعون»
أمام الباحة الرئيسية لمتحف اللوفر أبوظبي كانت فرقة «آوا»، تقدم واحدة من العروض الفنية التي تُسمى «أوعية الدعون»، وذلك من خلال استعراض يمثل الدعون التقليدية، وكان يرافقها عازفو الإيقاع وموسيقيون آخرون، حيث إن هذا الفن يعبر عن ارتباط الموسيقى بالأداء التعبيري أثناء العيش في تجارب القنص وصيد الأسماك والزراعة. ومن ضمن الذين استمتعوا كثيراً بهذا العرض محمد غانم المهيري الذي كان يصطحب معه بعض الأطفال من العائلة، والذي أشاد بالعرض، وقال إنه يشعر بالفخر لكون متحف اللوفر أبوظبي أظهر للعالم الكثير من الطاقات البشرية وعبّر عن روح التلاحم بين الفنون والثقافات، ويشير إلى أن ميرة وعبدالله وروضة رافقوه في هذه الرحلة القصيرة التي شعروا من خلالها بأنهم وسط أجواء تجمع ما بين الحياة القديمة التي تعتمد على البساطة، والحياة المعاصرة التي تجمع كل ألوان الحضارة.

تجارب فنية
قدم متحف الأطفال الكثير من الأشياء الجاذبة التي جمعت عددا كبيرا من أبناء الزوار الذين انبثوا بين جنبات هذا المتحف المثير، وهو ما لفت نظر الطفلة مريم عبدالله الجابري (11 عاماً)، والتي طلبت من والدها أن تمكث داخل المتحف لكي تتعرف إلى القطع الموجودة بداخله، وفي أثناء ذلك وجدت لوحة كبيرة تجذب الأطفال ليشكلوا بها بعض الكلمات وهو ما دعاها إلى أن تمارس هوايتها في تكوين بعض الحروف بشكل فني، وتشير إلى أنها تهوى الرسم وتسعى إلى التمكن من فن النحت، خصوصاً أن لها تجارب فنية داخل البيت وفي المدرسة أثمرت عن العديد من اللوحات وتشكيل بعض التماثيل. وتبين أنها عاشت لحظات سعيدة بين جنبات متحف اللوفر أبوظبي، خاصة الأركان الممتعة التي أُعدت خصيصاً للأطفال، ما يؤكد أن هذا الحدث يلائم جميع الأعمار.