ثقافة

«فن أبوظبي».. أربعة أيام سِمان

جانب من جلسة «الفن العالمي: صياغة جغرافية ثقافية جديدة» (الاتحاد)

جانب من جلسة «الفن العالمي: صياغة جغرافية ثقافية جديدة» (الاتحاد)

تغطية وتصوير: فاطمة عطفة (أبوظبي)

اختتمت أمس السبت فعاليات النسخة التاسعة من «فن أبوظبي» التي أقيمت برعاية صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي، نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، حيث شهدت منارة السعديات حضوراً جماهيرياً كبيراً، عكس نجاح «فن أبوظبي» خلال دوراته السابقة في تكوين رصيد ثقافي وفني كبير، محلياً وعربياً وعالمياً.

وعاشت أبوظبي أربعة أيام مع الإبداع وفنون التشكيل والنحت وجلسات الحوار الثقافي والفني قدمها «فن أبوظبي» للجمهور المتعطش للإبداع في أبوظبي والإمارات، إلى جانب ورش العمل وعروض المسرح والموسيقى، التي تضافرت كلها لتصنع واحدة من أبرز الجماليات التي تقدمها لنا أبوظبي.

«الاتحاد» قامت بجولتها الختامية بين الأجنحة وخرجت بهذه الانطباعات واللقطات.

جداريات

بداية، لا بد من القول إن الدورة التاسعة من هذا المهرجان الكبير، حملت الكثير من التجديد والتنوع على مستوى جميع المدارس الفنية. وكان للجداريات حضور كبير بالمعرض، وحظيت بقبول كبير من المقتنين، وحققت أسعاراً عالية، حيث بيعت جدارية «اللوفر أبوظبي» التي يعرضها غاليري ليلى هيلر للفنان إينوك بيريز بثمن 130 ألف دولار، ومثلها جدارية لنفس الفنان ترمز لمسجد الشيخ زايد وبيعت بنفس السعر أيضاً.

وحظيت أعمال الفنان الإماراتي حسن شريف التي عرضت في جاليري إيزابيل فان دن إندي، بإقبال شديد من المقتنين، ومنها لوحة «رقصة الحياة». أما غاليري «الخط الثالث: هيف قهرمان» فقد بيعت غالبية اللوحات التي عرضها وهي ألوان زيتية على القماش، إضافة إلى منحوتات الفنان المغربي منير فطمي، وهي عبارة عن شرائط من البلاستك الأبيض المضفور بشكل فني حديث ورائع جدا.

كما توسطت بهو منارة السعديات أجمل منحوتة صممتها الفنانة شيخة المزروعي، وهي بعنوان: «ركام، 2017» مصنعة من سيليكون ورخام وخرسانة وشمع العسل وخشب الأرز وراتنج الكريستال النقي وبرونز وجص ونحاس وطين، إضافة إلى جدارية للفنان ضياء العزاوي، وأخرى لمحمد كاظم بعنوان «مكة والمدينة».

جلسات نقاشية

وتميزت الدورة الحالية ببرنامج مكثف وغني، جمع بين استعراضات فنية تفاعلية وورش عمل إبداعية تعليمية، إضافة إلى الجلسات الحوارية التي أغنت المشهد بالمناقشات الهامة التي جرت في قاعة مسرح السعديات، وقد غصت بالحضور الذين الذين أضافت مشاركتهم والأسئلة التي طرحوها غنى وفائدة على مضمون تلك الجلسات.

وتحدث في جلسة (الفن العالمي: صياغة جغرافية ثقافية جديدة) الشيخ سلطان سعود القاسمي، مؤسس «بارجيل للفنون» وعضو مجلس أمناء متحف شيكاغو للفن الحديث، والدكتور عمر خليف، قيم فني مانيلو، ومدير المبادرات العالمية في متحف شيكاغو للفن المعاصر، وتناولت الجلسة موضوع المتاحف في العالم وعملية الاقتناء من محبي الفنون، وكيف أن معظم المؤسسات والمعارض تركز على جمع التبرعات، وذلك محاولة منها لاقتناء المزيد من الأعمال، وهذا ما أشار إليه خليف قائلاً: «نريد أن نعزز ميزانيات كبيرة لأعمال فنية، لكن لم أجد هذا يتحقق للفنانين في الشرق الأوسط».

وسأل القاسمي عمر خليف عن تجربته مع المتاحف العالمية ولقاءاته مع فنانين تتنقل أعمالهم بين المعارض، هل نحن بحاجة لأشخاص إضافيين؟ فأجاب خليف: «هدفنا أن يتعرف الفنانون على بعضهم البعض، فلربما يكون البعض على معرفة واطلاع بالفنون في الشرق الأوسط، فيما ينقص هذا البعض الآخر، من هنا تأتي أهمية اللقاء التي تفتح آفاقاً لعملية الاقتناء. وأضاف: لا بد من مساهمة المؤسسات الحكومية والخاصة في دعم الحركة الفنية، ضاربا مثلاً بدعم المؤسسات الحكومية في الولايات المتحدة للفن والمتاحف، قائلا: إن أغلب الشعب الأميركي يخضع للضرائب والأعباء المالية، لذلك يجد متحف شيكاغو دعما من الحكومة، مشيرا إلى افتتاح أكبر معرض في أميركا «كرافت» في شيكاغو بعد سنتين، وسوف يركز فيه على الفنون في الشرق الأوسط، وأفريقيا، والصين، وباكستان، وإلى أنه سيعمل على تنظيم المعارض، منوهاً إلى أنه فكر بضرورة تواجد فنون هذه الدول التي رزحت في فترة سابقة تحت الاستعمار.

ولدى سؤاله عن متحف اللوفر قال عمر خليف: «هذا المبنى الحي المفتوح، مثل رسالة رائعة نرسلها بحب. ومن يراقب هذه الرحلة الطويلة في الاستثمار بالفن والثقافة لا بد أن يشعر بالبهجة والفائدة، إنها لحظة تاريخية رائعة يمنحها اللوفر أبوظبي». وانتقل خليف للحديث عن باقي المؤسسات الفنية والمتاحف في الإمارات، متوقفاً عند بينالي الشارقة، الذي يضم أهم الأعمال الفنية العالمية والمحلية، مذكرا بأعمال الفنان الراحل حسن شريف، وقد وصفها بأنها تشمل المساحات القديمة والحديثة معا. وفي ختام الجلسة لفت الشيخ سعود سلطان القاسمي إلى أن ما نحتاج إليه الآن هو أن نظهر تاريخ الفن، ونسعى لتوفير منح لاقتناء التحف، مؤكدا أن المتحف له أهمية لأنه جزء من التاريخ والأشخاص يحتاجون إلى إطار يكتب التاريخ ويوثقه.

منحة الشيخة سلامة للناشئين

وتحت عنوان «ضمن منصات الإبداع الفنية في دول مجلس التعاون الخليجي - برنامج الإقامة الفنية وأهميتها: برنامج منحة الشيخة سلامة بنت حمدان آل نهيان للفنانين الناشئين، ومؤسسة كروسواي، وكلتشر رانرز»، تحدثت كل من خلود العطيات مدير الفنون والثقافة والتراث في المؤسسة، وفاليرىا مارياني: مدير المشاريع في مؤسسة كروسواي، والفنانة عفراء الظاهري، وكيف زكر، فنان وأستاذ مساعد في كلية رود آيلاند للتصميم، وتشندي، فنان ومخرج إبداعي، وأدارت جلسة الحوار القيمة الفنية منيرة الصايغ، التي أشارت عند افتتاح الجلسة إلى برنامج منحة الإنتاج الإبداعي للناشئين والرحلات التي تتم إلى مدينة نيويورك للناشئة، قائلة: لا بد من أن يكون هناك بعض النقاط مع المحتويات في النقد البناء، عند مساعدة الناشئين للوصول إلى الهدف المنشود، ويجب أن نشهد المردود الفني الحقيقي من هذه الزيارات من خلال الرحلة إلى نيويورك.

وقال كيف: «أعتقد أن هيكلية برنامج مؤسسة الشيخة سلامة سمحت لنا بأن نركز على النقد وبطريقة بناءه، كما على أسابيع التعليم وورش العمل الأسبوعية التي تتم في استديوهات يتبعها توجه الفنانين إلى نيويورك، وعقد جلسات عمل». وانتقل الحديث إلى الظاهري التي شاركت في المنحة فقالت: «دفعني للمشاركة وجود استديوهات، وهي لم تكن موجودة في الدراسة، ونحن أيضا نصقل مهاراتنا الفنية ونفهم ونبتكر بمهاراتنا. وأكدت مارياني بدورها على العلاقة التي تنشأ بين الفنانين الشباب، وهم من مجتمعات متنوعة يتواصلون مع بعضهم في رحلة فنية تدوم لأسبوعين، موضحة بقولها: هناك نزور المتاحف ونتعرف على تراث وثقافات الدول مثل اليابان وتركيا والصين وغيرها، ونكتشف تقاليد وثقافات هذه البلاد والشباب يكتسبون أفكارا جديدة ويطبقونها.

وكشفت جلسة النقاش هذه عن المعايير التي يتم فيها اختيار الطلاب، وركز المتحاورون على أهمية اختيار الطلاب وأن يكونوا مهتمين بحب الفنون والقراءة والمطالعة. وأكدوا في الختام على أنه حان الوقت أيضا لمشاركة الجمهور بالتواصل والحوار مع المتخرجين، قائلين: نستطيع أن نفتح مدونات وشبكة للتواصل مع الفنانين حتى يعملوا على بناء جسر ما بين هذه النماذج والفنون المختلفة.

وتنبع أهمية هذه الجلسات الحوارية من أنها تتيح الفرصة لمناقشة مجموعة من المواضيع الفنية، سواء كانت تاريخية أو معاصرة، حيث يسلط المتحاورون الضوء على عدد من القضايا الرئيسية، بمشاركة فنانين وقيمين فنيين، إضافة إلى مسؤولين وإعلاميين وشخصيات ثقافية وأدباء ومصممين. وهو برنامج تشرف عليه منيرة الصايغ، القيمة الفنية لدى جونجهايم أبوظبي.

تفاعل الجمهور

وكان للجمهور دوره حين شارك في مجموعة متنوعة من ورش العمل التفاعلية، من بينها ورشة بعنوان «البحث والمشاهدة»، المخصصة لليافعين والكبار، قدمتها الفنانة سارة العقروبي. وتقوم هذه الورشة باختبار مفهوم الإبصار عبر نشاط للرسم الأعمى، حيث يطلب من المشاركين رسم شيء ما دون رؤيته وإنما من خلال لمسه وإدراكه بالعقل. فيما اختتمت ورشة عمل «المرأة الخفيّة» التي قدمتها منال الضويان لليافعين والكبار على مدار يومين. واستمرت فعاليات ورش العمل الإبداعية التفاعلية حتى يوم أمس، وكانت تقام يوميا من الثانية ظهرا إلى التاسعة مساء، وهي مصممة خصيصا للجمهور من جميع الأعمار، وجرت هذه الفعاليات في استوديو الفن، بمنارة السعديات.