دنيا

عياش بن أبي ربيعة تعرض للفتنة وبرّ بقسم أمه فثبته الله

أحمد مراد (القاهرة) - عياش بن أبي ربيعة، صحابي جليل من قبيلة بني مخزوم إحدى القبائل التي كانت لها أعنة الخيل في قريش، وكان أطفالها يتدربون منذ الصغر على استعمال الأسلحة وإصابة الهدف وترويض الخيل، ويكنى عياش بأبي عبد الله، وأخوه لأمه أبو جهل بن هشام، وقد سمع عياش بدعوة الإسلام فأسلم مبكراً قبل دخول الرسول صلى الله عليه وسلم إلى دار الأرقم، وكان بخلاف أخيه أبي جهل يدعو إلى الإسلام ويستمع إلى القرآن الكريم، ويقدم ماله في سبيل الله، وقد استجاب لدعوة النبي صلى الله عليه وسلم بالهجرة إلى أرض الحبشة، وكانت معه زوجته أسماء بنت سلمة التي كانت تكنى بأم الجلاس، وروت عن النبي صلى الله عليه وسلم العديد من الأحاديث.
وولد لعياش هناك في الحبشة عبد الله بن عياش، وعاد ومعه زوجته وولده إلى مكه بعدما أعلنت قريش مصالحتها مع النبي وأصحابه، وبقى في مكة بجوار الرسول صلى الله عليه وسلم حتى أذن النبي لأصحابه بالهجرة إلى المدينة، فخرج عمر بن الخطاب وعياش بن أبي ربيعة حتى قدما المدينة، وأحست قريش بفرار عياش، وأخذت الألسنة تتناول أبا جهل أيدعي أنه عدو المسلمين، بينما أقرب الناس إليه يتابع محمداً فيما جاء به، ويفر إلى يثرب، فلم يستطع أبو جهل أن يتحمل، وصمم على الذهاب إلى المدينة لإحضار أخيه.
في جنح الظلام كانت مطية أبي جهل وأخيه الحارث بن هشام تسابق الريح إلى المدينة، والتقى الأخوة الثلاثة، وقال أبو جهل: يا عياش لماذا فعلت هذا وخرجت من مكة خلسة، أكنت تخاف أحداً؟ ومن هذا الذي يستطيع أن ينال منك؟، لقد جئناك لأن أمك قد نذرت ألا يمس رأسها مشط حتى تراك، ولا تستظل من شمس حتى تشاهدك، فرق لذلك وأثر في قلبه ما عزمت عليه أمه، فاستشار عمر بن الخطاب، الذي حذره بأن تلك مكيدة ليفتنوه عن دينه، لكنه قال: بل أبر قسم أمي.
وخرج معهما عائداً إلى مكة، وفي الطريق عدوا عليه وأوثقاه، ودخلا به مكة نهاراً، حتى يراه الجميع وكأنهما يقولان يا أهل مكة افعلوا بسفهائكم كما فعلنا بسفيهنا، فكان عمر يقول: ما الله بقابل ممن أفتتن صرفاً ولا عدلاً ولا توبة، قوم عرفوا الله تعالى ثم رجعوا إلى الكفر لبلاء أصابهم، فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، أنزل الله تعالى قوله: (قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة وأنتم لا تشعرون، أن تقول نفس يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله وإن كنت لمن الساخرين)، فقال عمر: فكتبتها بيدي في صحيفة وبعثت بها إلى هشام بن العاص وعياش بن أبي ربيعة، حتى كان يوماً والرسول بين صحابته بالمدينة، قال: من لي بعياش وهشام بن العاص؟ فقال الوليد بن الوليد بن المغيرة: أنا لك بهما يا رسول الله، فتبعهما حتى عرف موضعهما وكانا محبوسين في بيت لا سقف له، فلما أمسى تسور عليهما وقطع القيود وحملهما على بعيره، حتى قدم بهما على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجاء عياش وهشام إلى أرض الإيمان وانضما إلى قافلة المجاهدين، وما كادت تأتي بدر الكبرى حتى قتل أبو جهل وأمية بن خلف ومجموعة أخرى من صناديد الكفر، الذين فعلوا بالمؤمنين ما فعلوا، وأخرجوهم من ديارهم وسلبوا أموالهم، وهكذا صدق قول الحق سبحانه: (وكان حقاً علينا نصر المؤمنين).