دنيا

ظهور «القرآنيين» والمنطق الفاسد لمنكري السنة

القاهرة (الاتحاد) - أيد الله الرسل بمعجزات، كل واحد بما دلّ على صدقه، فأما خاتم النبيين، فإنه الأكثر آيات وبينات، منها ما كان في حياته وما وقع بعد وفاته، وما لم يزل يتزايد وهو القرآن العظيم المعجز وحبل الله المتين الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ولو اجتمعت الإنس والجن لا يأتون بمثله، ومعه السنة المطهرة، قال صلى الله عليه وسلم: «ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه» أي أن الله أعطاه وحيا آخر وهو السنة، التي تفسر القرآن وتبين معناه، كما قال الله عز وجل: (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم)، فقد أوحى الله إليه القرآن وأوحى إليه السنة.
وقد ابتليت الأمة بمن ينكر السنة، وللعجب أن ذلك لم يكن مفاجئاً، وإنما أخبر به الصادق الذي لا ينطق عن الهوى، كما ورد في «دلائل النبوة» عن أبي رافع أن رسول الله قال: «لا ألفين أحدكم متكئاً على أريكته يأتيه الأمر من أمري مما أمرت به أو نهيت عنه يقول لا أدري ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه»، وعن المقدام بن معد يكرب أن النبي قال: «يوشك أن يقعد الرجل منكم على أريكته يحدث بحديثي فيقول بيني وبينكم كتاب الله فما وجدنا فيه حلالاً استحللناه وما وجدنا فيه حراماً حرمناه وإن ما حرم رسول الله كما حرم الله عز وجل»، وهذا خبر من رسول الله عما يكون بعده من رد المبتدعة حديثه بالإحالة على ما في القرآن من الحلال والحرام دون السنة، فكان كما أخبر.
ابتلاء
يؤرخ العلماء لنشأة فرقة منكري السنة النبوية، بظهور بعضها وموقفها العدائي من صحابة رسول الله رضي الله عنهم، والخوارج الذين من أثر شطط أحكامهم الضالة، نسب إليهم الإمام البغدادي، إنكار السنة جملة وتفصيلاً، وقد أفاد الإمام الشافعي رحمه الله، بأنه وجد في زمانه من كان ينكر الحجة في السنة كلها، ويقول بالاعتماد على القرآن وحده.
وقد ظهرت بدعة في القرن الثاني الهجري تدعو إلى الاكتفاء بأحد مصدري التشريع، وهو القرآن والاستغناء عن السنة النبوية المطهرة بحجة أن القرآن منقول بالتواتر القطعي الثبوت المحفوظ من الله تعالى، بينما السنة ظنية، ومن ثم لا يجوز الاحتجاج بها وبهذا المنطق الفاسد شكك منكرو السنة في علم الحديث برمته دراية ورواية، وانتهى بهم الأمر إلى إنكار كل معلوم من الدين بالضرورة. وقيل إن هذا الحديث دليل من دلائل النبوة وعلامة من علاماتها، فقد وقع ما أخبر به، فإن رجلا قد خرج في البنجاب من إقليم الهند، وسمى نفسه أهل القرآن، بل هو من أهل الإلحاد، فأطال لسانه في رد الأحاديث النبوية بأسرها.
الإنكار
وفي العصر الحديث ظهرت فكرة إنكار السنة في الهند وباكستان ومصر، ويعمل القرآنيون بما يسمونه «السنة الفعلية»، وهي الأفعال التي انتقلت بالتواتر مثل كيفية الصلاة والحج والزكاة وغيرها من الأمور التي لم تذكر تفصيلاً في القرآن.وتعتقد الفرق الإسلامية على اختلافها أن القرآنيين بهذا قد خالفوا القرآن نفسه، حيث جاء فيه أمر من الله للمسلمين فقال: (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب)، «الحشر: الآية 7»، إنه أمر واضح من الله بطاعة النبي وقد تكرر قول الله: «وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول»، مرات عديدة في القرآن، فقرن الله طاعته بطاعة النبي، وطاعة الرسول تتمثل في الالتزام بسنته الواردة في الأحاديث النبوية.
وممن رد على القرآنيين من المتقدمين، ابن حزم الأندلسي، حيث قال ولو أن امرأ قال لا نأخذ إلا ما وجدنا في القرآن، لكان كافراً بإجماع الأمة، ولكان لا يلزمه إلا ركعة ما بين دلوك الشمس إلى غسق الليل، وأخرى عند الفجر، لأن ذلك هو أقل ما يقع عليه اسم صلاة، ولا حد للأكثر في ذلك.

قوم لا خلاق لهم

قال الإمام الشاطبي إن الاقتصار على الكتاب رأي قوم لا خلاق لهم خارجين عن السنة إذ عولوا على ما بنيت عليه من أن الكتاب فيه بيان كل شيء فطرحوا أحكام السنة فأدى بهم ذلك إلى الانخلاع عن الجماعة وتأويل القرآن على غير ما أنزل الله.
وكتب الحافظ السيوطي رسالة سماها «مفتاح الجنة في الاحتجاج بالسنة» وذكر في أولها أن من أنكر السنة وزعم أنه لا يحتج بها فقد كفر إجماعا، ونقل كثيراً من كلام السلف في ذلك.