دنيا

أحمد مصطفى: الحرف الأمثل يمتزج فيه اللونان الزيتي والمائي

من أعمال الفنان أحمد مصطفى (الصور من المصدر)

من أعمال الفنان أحمد مصطفى (الصور من المصدر)

قادت الصدفة البحتة الفنان التشكيلي أحمد مصطفى إلى أن يعكف على البحث في تطوير القيم التشكيلية للحرف العربي، وينشئ من أجل ذلك مركزه في لندن، الذي قال عنه الناقد الفني «جيرني هينزل» إن له ثمرات عجزت عن تحقيقها 20 سفارة عربية»، في مقاله الذي جاء في مناسبة معرض لأعمال الفنان في الفاتيكان، وأن اللغة التشكيلية التي تطالع العالم عبر تلك اللوحات الفذة تثبت أن تواصل الغرب ثقافياً مع الحضارة الإسلامية هو وحده الكفيل حالياً بإعادة التوازن إليه بعد أن تآكلت روحه أو تكاد.

مجدي عثمان (القاهرة) - تمثلت الصدفة في أن مصطفى أثناء إنهاء أوراقه للعودة إلى مصر بعد أن أمضى حوالي عامين في المملكة المتحدة، وحصل على دراسات عليا متخصصة في العمل الفني المطبوع، قرأ مقالة في الجريدة الأميركية منشورة في سنة 1939 بعنوان «عطاء بن مقلة وخط الشمال العربي»، وكان حواراً بين اثنين من الأكاديميين، الأولى أميركية، وكانت أستاذة المخطوطات الشرقية في متحف ميتش بورتال وتُدعى نابيه أبيت.
والثاني ألماني الجنسية وتحاورا حول بحثه في الدكتوراه وعنوانه «خط البديع لابن مقلة»، الذي أوقعه في عشق اللغة العربية، موضحاً أن كلمة بديع هي صفة للخط البديع وليست طريقة كتابة، وأن محمد بن عبد الله بن مقلة هو مَنْ اخترع ما يسمى الخط البديع، وهو استنتاج مغلوط، وهو ما جعل مصطفى يشعر بالعار الكبير بعد أن وجد أن اثنين ممن لا ينتمون إلى العالم العربي يتحدثان عمّا هو مرتبطاً بالحرف العربي وتاريخه ومدلوله الرمزي، في الوقت الذي لا يعلم هو أي شيء عن الخط العربي، رغم أنه عربي ويكتب ويتحدث العربية، فمكث يعمل على دراسته التي استغرقت حوالي 14عاماً تحت عنوان «الأساس العلمي لأشكال الحروف العربية».
وهي الدراسة التي أعدها في الكلية المركزية للفن والتصميم بالتعاون مع المتحف البريطاني.
واستطاع أن يكشف النقاب وبدقة عن الشبكة الهندسية التي يقوم عليها «الخط المنسوب» الذي وضعه بين القرنين التاسع والعاشر الميلاديين الوزير المهندس أبن مقلة، وقد ظلت المعايير التي حددها ابن مقلة لكتابة أشكال الحروف العربية متّبعة إلى يومنا هذا لما يزيد على ألف سنة، كما أدى هذا الكشف إلى إظهار المبادئ الهندسية التي يستند إليها التوافق البصري في كل أشكال الفن والعمارة الإسلاميين.
ويعتبر مصطفى إنها كانت بمثابة رحلة العودة إلى بيته الحقيقي، وإنها رحلة روحية بعد أن تضرَّع لله سبحانه وتعالى، في أن يسخر موهبته من أجل التقرب إلى الله.
ويعتقد مصطفى أن أهم الإنجازات التي قام بها هي تحقيق نظرية ابن مقلة وعلاقة مساحة الحروف المفردة ببعضها البعض من حيث التجانس البصري الذي يحكم هذه العلاقة، ثم اكتشاف النقطة التي تسمى نقطة التقدير، والتي من دونها لا يمكن للحرف أن يخرج إلى النور، كما ثبت أن هذه النظرية هي المَعين الذي تتولد منه كل أفرع علم الجمال في الإسلام، ثم يأتي الإنجاز التالي في تحقيق هيئة الأرقام العربية التي يستخدمها الغرب والعالم كله وهم يعلمون أنها ذات أصل عربي، ولا يمتلك العالم العربي أو الإسلامي التوثيق الحقيقي الذي قامت عليه هيئة هذه الحروف.
أما معظم التحقيقات الأخرى، فكانت في صورة معارض مختلفة في أرجاء العالم، وكان منها معرض لأعماله داخل الأكاديمية المصرية بروما. يعد الإنجاز الأهم لأحمد مصطفى هو المكعب الذي يختصر الكون وينفتح على 99 سطحاً بعدد أسماء الله الحسنى، ويواصل كل مكعب داخلي انفتاحه على ذات العدد من الأسطح إلى ما لا نهاية، وقال إن هذا العمل التركيبي الموجود حالياً بشكل عرضاً دائماً في متحف الفن الإسلامي في ماليزيا، وافتتحه سلطان ماليزيا عند عرضه هناك وأثار انتباه الصحافة ورجال الإعلام والمهتمين بالأمور المرتبطة بمعنى التوحيد والمعاني الكامنة في الإسلام.
وأضاف أنه من المسلَّم به أن للمكعب ستة أسطح مربعة متساوية يتعامد كل منها على الآخر في علاقتهم ببعضهم البعض، مما يترتب عليه وجود ثماني قمم، وبالتحقيق الرياضي البسيط يمكننا أن ندرك أنه إذا قسمت كتلة أي مكعب إلى ألف من الوحدات المكعبة المتساوية «10 × 10 × 10» عند ذلك يمكننا التعرف من أي جهة كانت على مثلث متساوي الأضلاع، ويتكشف لنا أن عدد المكعبات الداخلية الصغرى هو 99 مكعباً، وبذلك يبرهن هذا العمل الفني بصرياً على أن الأسماء الحسنى الـ 99 تندرج في الاسم الشامل المحيط ويحضّنا على حث السعي في نيل حظ من صفات هذه الأسماء بقدر المستطاع في حياتنا، وأن نسلم بحقيقة أن اللّه سبحانه وتعالى (لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير).

تكنيك مزج الألوان الزيتية والمائية
إن التكنيك الذي يستخدمه مصطفى في معظم أعماله بشكل عام قال إنه مزج بين الألوان الزيتية والمائية، ويعتقد الكثيرون أنه تكنيك غريب، حيث كيف يُمكن مزج عنصرين لا يمتزجان أساساً كالجمع بين الزيت والماء، ولكن بالتجربة على مدى أكثر من 20 سنة اتضح أنه الوسط الأمثل للحفاظ على الحدة التي تكون عليها هيئة الحرف عند الكتابة، وفي الوقت نفسه إعطاء فرصة للمزج الحر في علاقة الحرف باللون من دون أن تشوه الهيئة أو الحدة عند كتابة الحرف نفسه، ويخرج العمل في أي لون بما فيه من الملامس الكتابية والحرفية والتركيب البنائي كله في الوسيط الزيتي، ثم بعد ذلك يتم التعامل معه بالوسيط المائي، وأكدت التجربة أن التباين الشديد بين الوسيطين لا يعتدي على مساحة الآخر، وهو تكنيك يحتاج إلى الصبر الشديد، وبصيرة الفنان.