دنيا

محمد الدهماني: اعتمدنا على الزراعة والصيد وحرصنا على عادات رمضانية جميلة

منطقة البرج وما بقي منها من أثر (الصور من المصدر)

منطقة البرج وما بقي منها من أثر (الصور من المصدر)

منطقة النصلة، ربما تكون منطقة بسيطة في مظهرها، لكنها غنية بأهلها وبتراثها، وهي تتبع إمارة رأس الخيمة، وتقع ضمن مجموعة من المناطق في المنيعي، ولكنها تستقر فوق قمة جبل يستطيع من خلاله الزائر مشاهدة آخر مكان من المنطقة التي تعد قريبة من بعض مناطق سلطنة عمان، وتبعد النصلة مسافة ساعة ونصف الساعة عن إمارة دبي، وكانت القوافل التجارية أو القوافل التي ترغب في قضاء الصيف خارج الدولة، ينتقلون من الإمارات إلى سلطنة عمان عن طريق النصلة. ويعد برج النصلة، من أهم كنوز المنطقة، والذي كان مخصصاً للحراسة الأمنية، وهو في أشد حالات التدهور، حيث تعرض لعوامل كثيرة أدت إلى سقوط أجزاء كبيرة منه، ولكن تبقى ما يمكن ترميمه وإعادة الهيبة له، خاصة أنه شامخ في أعلى منطقة، ويعد المسكن الذي يعلوه هذا البرج تابعاً لأملاك أجداد محمد بن عبدالله بن أحمد الدهماني، الذين ذهب بنا إلى قمة الجبل ليشرح لنا مكونات المكان، وكيف كان يعيش فيه وهو طفل صغير، قبل أن تغمر النهضة أرجاء الدولة، وينتقل الجميع لأماكن أكثر راحة وتحصينا.

تحدث محمد بن عبدالله بن أحمد الدهماني، قائلا: أخبرت حكومة إمارة رأس الخيمة بضرورة صيانة وترميم المكان، ولديّ إثباتات على ملكية المكان، ويكمل حديثه لنا عن الأجداد والمكان، موضحاً: أن جدي الأكبر هو خميس بن سلطان بن محمد، وهو مؤسس القلعة وما يتبعها حتى إن المكان يضم مسجداً يصلي به لأهل المكان ولمن يرغب من أهل المنطقة، وكان هناك أقارب لنا يسكنون بقرب المكان والجميع يعملون في الزراعة، ولا يمكن لأحد أن يصدق أن هذا الوادي المقفر الذي يقع تحت المكان، كانت تغمره المياه العذبة الجارية، والتي تسقي الزرع والأهل والقوافل المارة، وقد كان جدي يملك ثلاث مزارع، وهي الفي والحصين والنخل، ومن ضمن المنتجات الغليون والدخن وتربية المواشي والإبل، ولكن بعد انتشار التوعية بضرر الغليون وحرمانية زراعته توقف والدي عن زراعته عندما علم بذلك.
ويضيف الدهماني: توفي الوالد وعمري ست سنوات وكنت أعمل في المزرعة وقد قام على تربيتي علي بن سالم بن علي بن محمد، وكنت أساعده في أعماله أيضا، وكنا نشعر بحلاوة الحياة رغم أن الحصول على أي شيء كان لا يخلو من صعوبة، ولم يكن يسكن منطقة النصلة إلا الدهامنة، ومهنتهم الأصلية الرعي والزراعة وجمع الحطب من الأشجار التي تموت وتجف، وأتذكر أننا كنا نبيع الفحل من الأغنام والماعز بدرهمين، وكنا ما بين الفترة والأخرى نرمم أماكننا الأثرية بالجص، ولكن عندما انتقلنا للأعمال في الوظائف، لم يعد أحد يهتم كثيراً مثلما كنا نفعل.
أبراج الحراسة
ويروي محمد الدهماني ذكريات وقصة هذا المكان، قائلا: تلك المربعة أو البرج المربع، صنع من مادة طينية جصية كان يؤتى بها من منطقة المصباح من أعلى قمة الجبل، حيث كانوا يركبون على الإبل ويأتون في كل يوم بحمولتين، وقد كان جدي من أثرياء المنطقة والجميع يعلم بذلك حتى اليوم، وقد بني منزله من دورين، واستغل الأرض لبناء مكان للحراسة ومسجد صغير، وكان الجميع يعملون في حرق الجص ثم يدق، وبعد ذلك يسكب عليه الماء ويصنع منه البناء، واليوم نخشى أن يندثر بعد فترة من الزمن ليموت معه تاريخ حافل، لأن عمر البرج حوالي مائتي عام وربما 190 عاماً، ولم يكن يستخدم لغير الحراسة، كما أن الحارس يتمكن من خلاله من مشاهدة أية قافلة، قبل أن تدخل الحدود فينبه رجال الأمن، بالإضافة للبيت والغرف المحيطة به.
وكان أهل المنطقة يحبون الاجتماع بالقرب من البرج في مختلف الأوقات، خاصة أن الحصون والقلاع وأبراج الحراسة من أهم ما يمكن أن تفخر به الشعوب، وتعد الحصون أصغر حجماً من القلاع، وكان أهل المنطقة قد ساهموا في بناء الحصون والقلاع، ودلالة على ذلك توجد في المناطق المجاورة مربعة للحراسة وهي برج مربع في هندسته، والجميع موحد في مواد البناء، وهي العمارة الطينية التي تختلف عن البناء بنوع أخف من الطين يسمى المدر، والمدر أقل قوة وصلابة في مواجهة التأثيرات والعوامل المناخية، وهو درجة ثانية من حيث القوة.
البناء في الماضي
إن أهم ما جمع الأهالي في ذلك الزمان وحتى وقت قريب، هو التعاون في بناء منازلهم وفي بناء حصونهم، وكان الرجال الذين يتسابقون للبناء ويتوزعون إلى مجموعات ولكل مجموعة مهمة، ووسائل نقل مواد البناء تتم عن طريق النقل على الحمير أو الإبل في بعض المناطق، ليصعدوا بها لأعلى الجبل، ومنهم من يذهب ليأتي بالطين في خرج من السعف، بعد ذلك يبدأ عمل مجموعة أخرى وهم الفريق المسؤول عن دق الطين بعصي غليظة جداً وهي القب أو القبان حتى يتفتت الطين.
أما عن النصلة فقد كانت منطقة لا ينقطع عنها الماء طوال العام، فهناك وادي يمر به الماء سواء من العيون أو المتساقط من المطر، ولذلك عندما تأتي القوافل تتوقف عند الغدير من أجل الماء، ولذلك لم يكن صعباً أمر توفر الماء لأجل البناء، ولكن الصعب هو نقل الماء في قرب على ظهور البغال والحمير، إلى مناطق البناء، حيث تأخذ العملية وقتاً، ولكن في النهاية يتحقق المشروع، سواء كان قلعة أو برجاً، وعندما يصل الماء يوضع على الطين الذي يكون على هيئة كومة، وتصنع حفرة في الوسط لأجل وضع كميات مدروسة من المياه، وعندما يصب الماء يصبح شبيهاً بالمعجون وبطريقة الدهس بالأقدام أي العجن يتكون، ثم يترك حتى اليوم الثاني كي يتشرب الماء ويصبح أقوى، وفي اليوم الثاني يصب عليها الماء مرة أخرى، ثم يوضع قش القمح الذي كان يتوافر بكثرة في ذلك الزمن، لكونه من الغلات الرئيسية التي كانت المنطقة تشهتر بزراعتها.
الزراعة وصيد الظباء
ويشير الدهماني، قائلاً: أهل النصلة، والقرى المجاورة لها، كانوا يزرعون القمح والذرة والدخن، ولكن الإقبال على الدخن والذرة كان كبيراً لأن المحصول يكون وفيراً، وكان الفقير من الرجال والذي لا يملك مزرعة، أو لا يستطيع تحمل تكاليف الزراعة، يعمل كمساعد لدى الآخرين، كما اشتغل البعض الآخر في العمل على اليازرة، وهي الساقية لإخراج الماء من باطن الأرض للري، ومن زراعة النخيل كان الرجال يبيعون الرطب ويحتفظون بالتمور لأنفسهم، وكان أصحاب مزارع النخل يتركون مزارعهم مفتوحة حتى يستطيع من ليس له دخل أن يأخذ ما يكفيه منها.
ومن العادات التي حرص عليها رجال النصلة وبقية المناطق الخروج لصيد الظباء، ولم يكن صيدها بشكل جائر كما حدث فيما بعد، وإنما كان الإنسان يصطاد عندما يحتاج للطعام، وكان يحفظ اللحوم بطريقة التمليح والتجفيف وهو القديد، وكم عشق أهلنا السفر على الإبل للمناطق الأخرى من الدولة، حيث يزورون أهلها في أفراحهم وللقيام بواجبات العزاء، ومن العادات أنهم عندما يصلون يجدون أهلهم أو من يضيفهم، وقد أعد لهم مكاناً للضيافة، ويحضرون لهم عتاد صنع القهوة من حطب وأوانٍ وقهوة وماء ويقوم الضيوف بإعدادها، ويعد المضيف العشاء من أرز ولحم ويكون النوم بعد صلاة الفجر، حيث يبقون للتسامر أو للرزيف في حال كان هناك عرس.


عادات رمضانية قديمة

يقول محمد الدهماني: كان أهلنا يرزفون رزفة خاصة بالعيد الأضحي، وتبدأ قبل سبعة أيام من العيد، ولكن انشغال الناس وسفر معظمهم للإمارات الأخرى للعمل، أو لقضاء احتياجاتهم جعل هذه العادة تتوقف، ولا يتم فعل ذلك قبل عيد الفطر لحرمة شهر رمضان، ولكن في رمضان لا يزال أهل المنطقة يمارسون ذات العادات القديمة، حيث يقيمون مآدب بسيطة لبعضهم البعض، كما يحمل الأطفال أطباق الطعام والحلوى إلى الجيران البعيدين نسبيا عن بيوتهم، ويحرصون على إيصال بعض الوجبات إلى الأسر الفقيرة.
رمضان قديما كان شاقاً على الناس لقسوة الحياة الجبلية، حيث لابد من السفر لمسافات بعيدة للحصول على متطلبات رمضان والعيد، وفي مواسم المطر وعندما تغمر السيول الطريق الوحيد لعدة أيام، فإن أهالي المنطقة يعانون إن كانوا في حاجة ماسة لبعض المؤن، ولذلك كان الناس يحرصون على ما يشترون ولا يعرفون التبذير، حتى إن الرجل قد يمر عام ويأتي العيد من جديد ولا يستطيع أن يفصل ثوباً جديداً، والناس يحرصون إلى اليوم على التلاقي بعد صلاة التراويح للتسامر، وربما لمناقشة بعض القضايا والموضوعات المختلفة.

مسيرة مع الوظيفة


في الكبر فضل محمد الدهماني العمل بعيداً عن الزراعة، وعن ذلك يقول: في بداية الستينيات عملت في الحرس الخاص لمدة أربعة أشهر عند الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم رحمه الله عليه، وكان الراتب يعادل 40 درهماً، ثم تركت العمل في عام 1965 للعمل في شرطة إمارة رأس الخيمة، حيث بقيت لمدة 15 عاماً، وكان عملي يتطلب التنقل مابين شعم والرمس ثم الحويلات القريبة من هنا، كما كنت أتنقل في عملي حسب المكان وأغيب عن أهلي حوالي 20 يوماً، ثم أعود إلى المنطقة، حيث كانت مختلفة تماماً عن الوقت الحالي بعد أن جفت المياه، حيث تعد من أجمل المناطق التي يمكن قضاء وقت ممتع بين حقولها أو أوديتها في الشتاء، وعند مواسم سقوط الأمطار تتحول إلى بقع خضراء متناثرة، بعد أن ينبت العشب والأزهار الجبلية وتغتسل المزارع، ولكن منذ عدة سنوات أصبحت المياه شحيحة مما حولها لمنطقة عطشى.
ويضيف الدهماني: عندما كان جدي حياً حكم المنطقة وإمارة رأس الخيمة الشيخ سالم بن سلطان القاسمي، وتعتبر قبيلة الدهامنة من القبائل الرئيسية في هذه المنطقة، وينتشر أفرادها في مناطق رأس الخيمة، ثم سكن في المنطقة قسم من قبيلة بني كعب، واتخذوا من وادي الجور قرية لهم، كما يعيش في المنطقة عائلات من قبائل القوايد والمحارزة.
وقديما كان السفر إلى إمارة دبي مثلا يستغرق على ظهور الإبل سبعة أيام، وقد كانت المنطقة مشهورة بزراعة التبغ أوالغليون، ولذلك كان يعتبر ثروة حيث يحمل على ظهور الإبل ليباع في دبي، وكان يسافر للتجارة مجموعة من الرجال يخرجون في قافلة.
وفي دبي يلتقون مع التجار القادمين من البحرين لشراء الغليون أو التبغ، وبعد الشراء يدفعون مقدما للموسم المقبل، ويعرف الناس موسم زراعة التبغ عندما تهب الكوس والكوس اسم نوع من الرياح، ويباع الغليون كل أربعة أمنان في حزمة، والمن عبارة عن أربعة كيلو جرامات، وكانت كل حزمة تباع بأربعين روبية، وفي عام 1990 أصبحت تباع بثلاثمائة درهم، ولكن بعد أن عرف الرجال بمخاطر والقول بتحريم التدخين، توقف الرجال عن تعاطي التبغ ثم توقف معظمهم عن زراعته.


بناء الأسوار والحصون

ويوضح الدهماني: بنيت الحصون والقلاع من الطين الأكثر صلابة، وكان المدر يستخدم لبناء أسوار مزارع النخيل قديما،
وللطين مناطق معروفة في أماكن مختلفة من الدولة، وكل منطقة بها أماكن يستمد منها الرجال مواد البناء، مثل الطين والسعف وجذوع النخل، والجندل وهو جذوع أشجار لا توجد في الامارات، كان يؤتى بها من دول أخرى سواء أفريقية أو آسيوية،
وتستخدم كأساس في الأركان الأربعة، ومنه ما هو مختلف ليستخدم في بناء السقوف، والطين أنواع ومنه الرمادي والبني والأخضر، وذلك بسبب بعض المعادن الأصلية التي يتكون منها، وعند عملية البناء يتم اختيار أجود الأنواع من الطين الذي يستخرج من باطن الأرض، لأن العلوي منه يسمى طفال أو طفل وهو التربة الممتازة والأجود للزراعة.