دنيا

أهل الواجبّ.. جنود مجهولون يفطرون في مواقع عملهم بعيداً عن الدفء الأسري

متطوعات يجهزن طعام الإفطار للصائمين طوال أيام شهر رمضان (الصور أرشيفية)

متطوعات يجهزن طعام الإفطار للصائمين طوال أيام شهر رمضان (الصور أرشيفية)

على الرغم من طول عدد ساعات الصوم في شهر رمضان هذا العام، إلا أن هناك جنوداً مجهولين يواصلون العمل في موعد الإفطار والسحور معاً، إذ إن طبيعة أعمالهم تتطلب منهم أن يثبتوا في مواقعهم من أجل أن تظل حركة العمل موصولة دون انقطاع، ولكن ماذا عن هؤلاء الموظفين وأصحاب المهن؟ وما مدى رضاهم عن تناول طعام الفطور في أماكن العمل؟ خصوصاً وأن كل فرد في هذا الشهر الفضيل يطمح إلى الراحة من أجل التفرغ إلى العبادة ومن ثم الوجود بين أفراد الأسرة على الأقل عندما ينطلق مدفع الإفطار ويرتفع أذان المغرب.

العديد من الموظفين وأصحاب المهن المختلفة يعيشون لحظات مختلفة عن بقية الناس، إذ تضطرهم الظروف إلى بذل جهد كبير، خصوصاً في الساعة التي يلتف فيها الناس حول مائدة الإفطار التي تتنوع وتتضمن ما لذ وطاب من أطعمة تكون عوضاً عن الامتناع عن الطعام ما يقارب نحو 15 ساعة تقريباً يومياً، ويظل هؤلاء الموظفون والمهنيون على هذه الحال حتى انقضاء رمضان، دون كلل أو ملل أو تعب، إذ إن أغلبهم يشعرون أنهم يؤدون واجباً اجتماعياً وإنسانياً وخدمياً يجعلهم في نهاية الأمر يحسون بأنهم في حالة حقيقية من الرضا والسعادة.
تقدير مادي ومعنوي
حول هذه الفئة التي يتم تكليفها طوال شهر رمضان للقيام بمهام تتطلب بقاءها ضمن أجواء العمل في الفترة الممتدة من قبل أذان المغرب وأحياناً إلى السحور، يقول أستاذ علم الاجتماع بجامعة الإمارات الدكتور نجيب محفوظ: ليس هناك أدنى شك في أن الذين يفطرون خارج نطاق أسرهم في شهر رمضان يتعرضون لآلام نفسية، فضلاً عن تنامي مشاعر النقص الاجتماعي، ومعروف أن رمضان فرصة يغتنمها كل مسلم من أجل أن يجلس إلي أولاده وزوجته وأقاربه على مائدة واحدة، وربما هذه الفرصة لا تتكرر في العام إلا خلال هذا الشهر، لذا فإنه في تصوري أن الموظفين والمهنيين الذين يفطرون على رأس عملهم يضحون بأثمن شيء على الأقل خلال فترة ثلاثين يوماًِ. ويضيف محفوظ: من الضروري أن يكون هناك تعويض معنوي ومادي من قبل أصحاب العمل لهؤلاء الموظفين والمهنيين، حتى تتحرك بداخلهم بواعث الرضا، فامتداح العامل ولو على عمل بسيط في هذا الظرف يسهم في رفع معنوياته، وكذلك إعطاء مكافآت مالية من شأنه أن يحفز هذه الفئة على مواصله عملها بنوع من الطمأنينة، إذ يشعر بعضهم في هذه الحالة أن تضحيتهم لم تذهب أدراج الرياح، وأن هناك من يشعر بهم ويقدرهم من الناحيتين المادية والمعنوية.
منظومة الحياة
ويتابع الدكتور نجيب محفوظ: هناك عاملان مهمان يسهمان في إضفاء مشاعر السعادة على كل من يتناول وجبة الإفطار على رأس عمله، الأول هو أن يشعر العامل أياً كان موقعه والوظيفة التي يؤديها أنه يفعل ذلك عن قناعة تامة تفضي به إلى أنه يؤدي في حقيقة الأمر رسالة وواجب يقتضيان أن يحرم نفسه قليلاً مما درج عليه الناس، خصوصاً في رمضان، وحين يصل الفرد إلى هذه الحقيقية يحس بالسعادة المطلقة فهو إذاً يعمل من أجل ألا تتوقف منظومة الحياة، والعامل الثاني خارجي يرتبط بالمؤسسة التي يعمل فيها ومستوى التقدير المادي والمعنوي، وما من شك في أن جهات العمل مسؤولة بشكل مباشر وغير مباشر عن الحالة النفسية للعمال، ويلفت إلي أن رجال الشرطة والدفاع المدني والجيش والأطباء وأصحاب الأعمال التطوعية ومن على شاكلتهم هم الأكثر سعادة لأنهم يشعرون بأنهم يؤدون أعمالاً وطنية من الدرجة الأولى.
ويبين أستاذ علم الاجتماع بجامعة الإمارات الدكتور نجيب محفوظ، أنه من الأهمية بمكان أن تقوم الشركات والمؤسسات بعمل دورات تدريبية، لكي تهيء موظفيها المعنيين بالإفطار في شهر رمضان على رأس عملهم وذلك باستقطاب بعض علماء الاجتماع والنفس ورجال الدين أيضاً من أجل رفع حالتهم المعنوية، وكذلك حثهم على الإفطار الجماعي مع زملائهم الآخرين، حتى تتبدد بداخلهم الآلام النفسية ويصلون إلي حالة من الرضا.
ساعة متأخرة
من بين الذين يثابرون ويذهبون من الساعة الخامسة عصراً إلي مواقع العمل أحد المخرجين الفنيين بأحد الصحف التي تصدر يومياً، ويورد أنه اعتاد على هذا الدوام منذ سنين إذ إن طبيعة عمله تتطلب أن يكون موجوداً في مقر عمله بعد صلاة العصر مباشرة إلى ساعة متأخرة من الليل، ويقول: عندما جاء رمضان لم يتغير وقت العمل الرسمي، وهو ما يجعلني أفطر يومياً في محل عملي، عدا يوم إجازتي الأسبوعية، ويشير إلى أنه غير متضرر بالمرة من إفطاره على رأس عمله بهذا الشكل في رمضان إذ إنه يشعر بمتعة خفية وهو يسهم في عمل الإخراج الفني للصحيفة التي تصدر يومياً في أبوظبي، وباقي إمارات الدولة كافة، ويلفت إلى أنه على يقين بأن الإفطار بين أولاده وأسرته في رمضان له طعم آخر، وعلى الرغم من انعدام فرصة وجوده بينهم في كل أيام رمضان، إلا أن عزاءه الوحيد يتمثل في أنه يفطر معهم مرة واحدة في الأسبوع أي بواقع أربع مرات في الشهر.
واجب اجتماعي
وبخصوص بعض المهن الأخرى فإن فيصل بو رعده الذي يعمل مسؤول مبيعات في مخبز السرور في أبوظبي يضطر أيضاً إلى تناول طعام الإفطار في محل عمله بصفة مستمرة، وربما لا يستطيع تناول وجبة الإقطار بتلذذ مثل الآخرين، نظراً لأن العديد من عملاء المخبز فجأة يطلون عليه ساعة الأذان من أجل شراء الخبز أو الرقاق، ويوضح أنه اعتاد على ذلك منذ سنوات، فهو يعد أيام شهر رمضان استثناء لحاجة الناس المتواصلة لسلع أساسية ومهمة، ويلفت إلى أنه منذ بداية شهر رمضان وهو على هذه الحالة بحيث يتوقع في أثناء تناول وجبة الإفطار أن أي عميل سيدخل عليه، ويذكر أنه لا يؤخر لأحد طلب ولا يتقاعس عن أداء دوره بل إنه يعده واجباً اجتماعياً في هذا الظرف الخاص، يؤكد أنه لا يبقى وحده في المخبز ساعة الإفطار، بل يوجد معه بعض الخبازين الذين يفطرون أيضاً في المخبز، ويقول الأمر الذي يعوض بعدي عن أسرتي هو أنني أفطر مع زملائي في موقع العمل فيخفف ذلك عني ويشعرني أنني بالفعل أفطر وسط أهل بيتي خصوصاً وأن المزاح لا يفارقنا.
قيم جميلة
أما أحمد كمال الذي يعمل نادلاً في أحد مطاعم إمارة أبوظبي، فهو يشعر بسعادة خفية حين يقدم لرواد المطعم الذي يعمل فيه وجبات الإفطار والسحور، وهو ما يعني أنه لا يفطر إلا بعد أذان المغرب بنصف ساعة تقريباً ولا يتناول طعام السحور إلا قبل بزوغ الفجر بقليل. ويبين أنه يحضر إلى مقر عمله لمدة ستة أيام في الأسبوع قبل العصر، ويظل حتى الساعات الأولى من الصباح، ويذكر أحمد أنه منذ أن عمل بالمطعم وتصادف أن واجه مثل هذه المصاعب في أول رمضان مر عليه وهو يشعر بآلام نفسية لكنه مع الأيام تخفف منها وأدرك أن يقوم بخدمة قطاع كبير من المجتمع لذا فهو يرى أنه يحصل على أجرين، الأول نظير عمله والثاني يتمثل في أنه ظل قائماً على رأس صائم حتى يبل ريقه ويأخذ في تناول وجبته بعد عناء يوم من الصيام، ويلفت أحمد إلي أن شهر رمضان يخلق في الإنسان قيماً جميلة ويجعله بالفطرة سعيداً وراضياً مهما كانت طبيعة عمله صعبة.


مهمة ملاك الرحمة

من جهتها، تقول الدكتورة سارة أبو الناس «ممارس عام» بمستشفى النور في أبوظبي، إن طبيعة مهنة الطب تتطلب قلباً رحيماً يشعر بالناس ويقدر ظروفهم، فالمريض لا يستطيع الانتظار فور شعوره بالعلة لذا فإنني لا أتضايق مطلقاً من وجودي في المستشفي أتابع المرضي في حين أن غيري ينعم بلحظات جميلة بين أسرته، بخاصة حين ينطلق مدفع الإفطار، ويلتف الجميع حول مائدة الطعام. وتضيف: أعمل ثلاثة أيام في الأسبوع من الساعة الثانية ظهراً إلي العاشرة مساء في رمضان وأعتقد أن الأطباء ورجال الشرطة والقوات والمسلحة ورجال الدفاع المدني يشاركونا مشاعر الرضا عن النفس في أيام رمضان، لأننا جميعاً نقدم أعمالاً تمس عصب المجتمع وتسهم في إضفاء ابتسامة غائرة على الوجوه.

ثواب العمل التطوعي

اعتادت هناء المرزوقي على تجهيز وجبات للصائمين طوال شهر رمضان، حيث تعدها في بيتها ولا تفطر قبل أن يقوم أبناؤها بتوزيعها على بعض المساجد والمسافرين على الطرقات. وتذكر أنها تقوم بهذا العمل التطوعي منذ سنوات وتلفت إلى أنها موظفة وتعد هذا العمل ضمن نطاق وظيفة من نوع آخر وهي العمل التطوعي طمعاً في الخير والثواب من الخالق عزوجل، وتشير إلى أنها لا تضع في فمها الطعام إلا بعد أن تكون قد اطمأنت بالفعل على أن أولادها قاموا بتوزيع الوجبات على الصائمين. وتبين أن أسرتها تساعدها في إعداد الوجبات وهو ما أوجد نوعاً من التكاتف داخل البيت في هذا الشهر الفضيل.