ثقافة

أحمد راشد ثاني يتغلغل في حب الجزائر

عصام أبو القاسم (الشارقة)ـ يزيد كتاب «جزائر حبيبتي» حسرة لمن لم يتعرف على كاتبه الشاعر أحمد راشد ثاني الذي رحل منذ عامين بعد سيرة حياتية قصيرة ولكن عامرة بالنصوص الشعرية والمسرحية وبالمقالات والتحقيقات التراثية، إذ إن هذا الكتاب، الصغير في حجمه والكثيف بتفاصيله، يكشف لمن يطلع عليه: كم كان هذا الشاعر الإماراتي شفافاً ومرهفاً وبسيطاً، في حركته وسكونه، في نهاره كما ليله، وسط رفاقه الشعراء والمثقفين أو بين أولئك البسطاء والفقراء والمشردين، كم كان محباً للحياة، يعيشها لحظة بلحظة، نابضا بالرفقة والأنس ومفعماً بالقراءات والحكايات والأسفار..!؟
في «جزائر حبيبتي» يستذكر أحمد راشد مشاهدات وتنقلات وحوارات عرفتها رحلته إلى العاصمة الخضراء، يحكي عن الأمكنة حوله والناس ويلتقط الظواهر العابرة التي لا يمكن أن ينتبه لها إلا هو، ويعلّق هنا وهناك، يبدي استغرابه من تلك الصورة ويتهكم على ذلك المنظر، يسخر من هذا ويذوب في محبة ذاك.. كما يليق بشاعر في تمرده وانطلاقته.. وشبابه!
إذاً، يمكن القول: يرسم أحمد راشد ثاني في هذا الكتاب صورته الشخصية: كيف يفكر في الآخر، علاقته بالمكان والزمان، صلته بالبحر وكائناته وأساطيره، ضيقه من العزلة ورغبته في أن يكون مع الناس ومن الناس وللناس.
مئوية
ليس معروفا عن الشاعر الراحل أي انشغال بما يعرف بـ «أدب الرحلة»، ولكنه كان كثير الكتابة على كل حال، سواء في المسرح أو الشعر أو سواهما، وحين نقرأ هذا الكتاب نتعرف على الدافع الذي حمل أحمد راشد ثاني على خوض التجربة، حيث كان مجرد وعد قطعه مصادفةَ لنادل يعمل في الفندق الذي حل به في العاصمة الجزائرية، التقى راشد بالنادل وجرى بينهما هذا الحوار القصير المثبت في مقدمة الكتاب:
«يسألني النادل: هل أنت سائح؟
ـ لا، أنا كاتب. وعندما يرى القلم والأوراق أمامي يكاد يصدق هذا الادعاء.
ـ وماذا تكتب؟
أمازحه فأقول:
ـ أنا جئت لأكتب عن مناسبة مرور قرن على إنشاء هذا الفندق.
ـ أي فندق.. ألبير الأول؟
ـ نعم ألبير..»
في تلك اللحظة، لم يكن صاحب «الأرض بتتكلم أردو» يعرف أنه فعلا سيكتب، إذ إنه جاء إلى الجزائر استجابة لدعوة من وزارة الثقافة للمشاركة في أمسية شعرية ما والعودة إلى بلده، ولم يكن حواره مع النادل سوى ممازحة حرضته عليها جملة من الظروف السيئة صادفت انطلاقة رحلته من دبي إلى الجزائر.
يحكي الشاعر الراحل عن أيام صعبة مرت عليه واضطرته إلى أن يفكر في السفر وفيما هو على هذه الحال جاءته الدعوة إلى الجزائر فوجدها فرصة للتخلص من العبء الذي أثقل ظهر أيامه تلك، على أن جملة من المصادفات غير السعيدة وقعت له في اليوم التالي: اكتشف أولا أن موعد السفر قريب جداً وأن عليه الذهاب، في وقت حرج، إلى دبي ـ كان يقيم في أبو ظبي ـ لكي يستلم تذكرته وقبل ذلك كان عليه أن يذهب إلى السفارة كي يحصل على فيزا. وبعد أن أكمل هذه الإجراءات اكتشف أن اسمه الثالث كتب بطريقة خاطئة، فلقد أبدلت «ثاني» بـ «سامي»! وهذا الخطأ في الاسم حرمه الدخول إلى الطائرة المتجهة إلى الجزائر وكان الوقت متأخراً جداً ولذلك اضطر إلى شراء تذكرة من نقوده حتى لا يجد نفسه مجبراً على العودة من دبي إلى أبو ظبي فجراً!
الاسم والمسمى
ـ لا ينتهي الشقاء هنا، إذ إنه حين يصل إلى مطار هواري بومدين يجد أن فريق الاستقبال التابع للجهة التي دعته قد ملّ انتظاره وغادر المطار، فيتذكر أحمد راشد أن أحدهم قد قال له إن كل ضيوف الجزائر الثقافيين تتم استضافتهم في فندق ألبير. صعد التاكسي وذهب إلى هناك. سيكون عليه في الفندق أن يحاجج الموظفة حول اسمه أيضاً وهي لن تقتنع إلا بعد اتصالات ووقت ليس بالقصير.
ـ كل شيء سيبدو مختلفاً للشاعر القادم من الخليج، مشهد المدينة التى بناها الفرنسيون لتسع 700 ألف نسمة فازدحمت بأكثر من 32 مليون نسمة، الأمير عبد القادر الجزائري، مكتبة العالم الثالث، فرانز فانون، الموسيقى، فندق الأوراسي، مقام الشهيد.. الكورنيش.. وغير ذلك، يمر الشاعر بكل الأمكنة ويتعالق معها ولديه دائماً القدرة على التعليق عليها، كما أن حظه دائماً يوقعه في المفارقات.
صرف
بعد أن يستقر به الحال سيحاول أن يبدل نقده الإماراتي بالعملة المحلية ويواجه ظروفاً صعبة هنا، يتنقل بين الصرافات والبنوك والفنادق بحثاً عن حل لمشكلته وفي تنقلاته لا ينسى الشاعر أن يصور ما يشاهده لقطة لقطة، ولكنه لا يفعل ذلك بمنظور السائح المستعجل ولكن بطريقة المثقف النقدي الذي يعي مقدار هذه المسافة بين المدن العربية والمدنية أو الحداثة.
نجده يعلق بعد جملة من المصادفات غير السارة: غريب أمركم أيها الجزائريون تتكلمون الفرنسية ولكن تفكرون كعرب، كبدو، كعالم ثالث أو عاشر، كعالم خارج العالم، كمن يفكر ولا يفكر، كما أفكر أنا الذي لا يعرف أية لغة أخرى!
يحن أحمد راشد إلى الليل دائماً، فهو وقته المفضل، ولذلك نجده يذكره كثيراً في ثنايا الكتاب وهو يشرب الكثير من القهوة دائماً، ويبدو ميالًا إلى التنقل بين الأماكن بدلًا من الاستقرار في مكان واحد، وينشغل بالقراءة والموسيقى ويحب السينما، على أن ما يبدو لافتاً أكثر من غيره: هذه العلاقة التي جمعت الشاعر بثلة من ندل فندق ألبير؟ هو يدعوهم بـ «رفاقي ندل مطعم فندق ألبير» ويبدو حميماً معهم بصورة تبين لك بساطته وتواضعه، ولكن في نفس الوقت هي تبين لك قدرته في التخلص من الوحدة والعزلة.
سمكة إلداورد
ولعل أفضل ما يمكن أن نشير إليه في هذا الباب تلك الواقعة التي استغربها حتى الندل. فهم طلبوا حين علموا بأنه سيذهب إلى سوق السمك، أن يأتي لهم بسمكة «إلدوارد» وسرهم جداً أنه قدّر طلبهم وجاء لهم بالسمكة.
ـ أنا أحببتك، قال له النادل، وأضاف: نحن كنا نمزح حين طلبنا منك سمكة «إلدوارد» ولكنك أدهشتنا جداً حين جئت بها. كانت طيبة.
رد أحمد راشد ثاني:
ـ أنت الطيب.
محبة الجزائر
يصف أحمد راشد ثاني بعض الملامح القاسية في الحياة اليومية للجزائرين ولكنه يظهر دائماً إيمانه الشديد بقدرة هذا الشعب على العيش والتناغم مع الطبيعة والظروف من حوله، وفي أكثر من موضع من الكتاب نجده ينسب تردي المجتمعات العربيةـ يتكلم بصفة قوميةـ إلى الأجهزة الإدارية الفاسدة والهياكل التنظيمية الغارقة في الروتين والتكرار الممل.