دنيا

صخرة المغول تحطمت في «شقحب»

رسوم: عصام طه

رسوم: عصام طه

أحمد مراد (القاهرة) - في الثاني من رمضان عام 702 هجرية، انتصر المماليك بقيادة الناصر محمد بن قلاوون على المغول بقيادة قطلوشاه في معركة «شقحب» أو «مرج الصفر»، وكان لشيخ الإسلام ابن تيمية الذي شارك في القتال فضل كبير في تحقيق النصر.
وشقحب قرية تقع بالقرب من دمشق، وهي سهل واسع يمتاز بلون تربته الصفراء - لذلك سميت بمرج الصفر - يمتد باتجاه الجنوب الشرقي لقرية كناكر، وكان فيها تجمع بشري صغير من حيث العدد.
وكانت معركة شقحب حلقة من هجمات المغول على بلاد الإسلام، حيث أراد ملك المغول قازان تحطيم سلطان المسلمين في مصر، فجهز حملة عسكرية لتنفيذ رغبته، وكان يريد السير بنفسه على رأس تلك الحملة، ولكن الخطر الذي كان يهدد حدوده الشرقية دفعه إلى أن ينيب عنه نائبه قطلوشاه الذي استولى على عدد من مدن المسلمين.
وفي شهر رجب من سنة 702هـ انتشرت الأخبار عن عزم المغول على دخول بلاد الشام، فانزعج الناس لذلك، واشتد خوفهم جداً، وكان الخليفة المستكفي بالله والسلطان الناصر محمد بن قلاوون مقيمين في مصر، وبالفعل وصل المغول إلى حمص وبعلبك وعاثوا في تلك البلاد فساداً، وقلِق الناس قلقاً عظيماً لتأخر قدوم السلطان بالجيش، وشرع المثبطون يوهنون من عزائم المقاتلين، ولكن ابن تيمية تصدى لهؤلاء المثبطين، واستطاع أن يقنع الأمراء بالتصدي للتتار.
باب النصر
وجلس القضاة بالجامع يحلِّفون جماعة من الفقهاء والعامة على القتال، وتوقّدت الحماسة الشعبية، وارتفعت الروح المعنوية عند العامة والجند، وكان لابن تيمية أعظم التأثير في ذلك.
وتوجه ابن تيمية بعد ذلك إلى العسكر في حماة فاجتمع بهم في القطيفة، فأعلمهم بما تحالف عليه الأمراء والناس من لقاء العدو، فأجابوا إلى ذلك وحلفوا معهم، وامتلأت دمشق بالناس الوافدين، وازدحمت المنازل والطرق، وخرج ابن تيمية من دمشق صبيحة يوم الخميس من باب النصر بصحبة جماعة كبيرة، ومضى في طريقه إلى ميدان المعركة. وخرجت العساكر الشامية إلى ناحية قرية الكسوة، ووصل التتار إلى قارة. وقيل: إنهم وصلوا إلى القطيفة فانزعج الناس لذلك، وخافوا أن يكون العساكر قد هربوا، وألح الناس في الدعاء والابتهال في الصلوات، وذلك في يوم الخميس التاسع والعشرين من شعبان، فلما كان آخر هذا اليوم وصل أحد أمراء دمشق، فبشر الناس بأن السلطان محمد بن قلاوون قد وصل.
تحت الراية
وتابع التتار طريقهم من الشمال إلى الجنوب ولم يدخلوا دمشق، بل عرجوا إلى ناحية تجمُّع العساكر، ولم يشغلوا أنفسهم باحتلال دمشق، ووقفت العساكر قريبا من قرية الكسوة، فجاء العسكر الشامي، وطلبوا من ابن تيمية أن يسير إلى السلطان يستحثُّه على السير إلى دمشق، فسارَ إليه، فحثّه على المجيء إلى دمشق، فجاء هو وإياه، فسأله السلطان أن يقف معه في القتال، فقال له ابن تيمية: السُّنَّةُ أن يقف الرجُلُ تحت راية قومه، ونحن من جيش الشام لا نقف إلاَّ معهم. وحرّض السلطان على القتال، وبشَّره بالنصر.
وفي يوم السبت 2 رمضان نظَّم المسلمون جيشهم في سهل شقْحب الذي يشرف على جبل غباغِب، وكان السلطان الناصر في القلب، ومعه الخليفة المستكفي بالله والقضاة والأمراء. وقبل بدء القتال اتُّخِذَت الاحتياطات اللازمة، فمر السلطان ومعه الخليفة بين صفوف جيشه، يقصد تشجيعهم على القتال.
ولما اصطفَّت العساكر والتحم القتال ثبت السلطان ثباتاً عظيماً، وأمر بجواده فقُيِّد حتى لا يهرب، وبايع اللهَ تعالى في ذلك الموقف يريد إحدى الحسنيين إما النصر وإما الشهادة، واحتدمت المعركة، وحمي الوطيس، واستطاع المغول في بادئ الأمر أن ينزلوا بالمسلمين خسارة ضخمة، ولكن الحال لم يلبث أن تحوّل بفضل الله، وثبت المسلمون أمام المغول، وتغير وجه المعركة وأصبحت الغلبة للمسلمين، حتى أقبل الليل فتوقّف القتال إلا قليلا، وطلع المغول إلى أعلى جبل غباغِب، وبقوا هناك طول الليل، ولما طلع النهار نزلوا يبغون الفرار بعد أن ترك لهم المسلمون ثغرة في الميسرة ليمروا منها، وقد تتبّعهم الجنود المسلمون وقتلوا منهم عدداً كبيراً، كما أنهم مروا بأرض موحِلة، وهلك كثيرون منهم فيها، وقُبض على بعضهم.

على شاطئ الفرات

وصل التتار إلى الفرات وهو في قوة زيادته فلم يقدروا على العبور، والذي عبر فيه هلك، فساروا على جانبه إلى بغداد، فانقطع أكثرهم على شاطئ الفرات، وأخذ العرب منهم جماعة كثيرة. وفي يوم الاثنين رابع رمضان رجع الناس من الكسوة إلى دمشق فبشروا الناس بالنصر، ودخل ابن تيمية البلد ومعه أصحابه المجاهدون، ففرح الناس بهم، وفي يوم الثلاثاء خامس رمضان دخل السلطان إلى دمشق وبين يديه الخليفة، وزُينتِ المدينة، وبقِيا في دمشق إلى ثالث شوال إذ عادا إلى مصر، ودخل السلطان الناصر محمد بن قلاوون مصر دخول الظافر المنتصر، يتقدم موكبَه الأسرى المغول يحملون في أعناقهم رؤوس زملائهم القتلى.