دنيا

«خير الدين بربروسا» من التجارة إلى قيادة الأسطول العسكري

رسم تخيلي لخير الدين في معركة بحرية (الصور من المصدر)

رسم تخيلي لخير الدين في معركة بحرية (الصور من المصدر)

على موعد مع القدر جاء، متنقلاً من شواطئ اليونان إلى الشمال الأفريقي ومغادراً التجارة البحرية إلى البحرية العسكرية في وقت كانت تتطلع فيه إسبانيا والقوى الأوروبية إلى إكمال الاستيلاء التام على الأندلس باحتلال شمال أفريقيا بكماله وتمامه. إنه خضر بن يعقوب الذي لقبه السلطان العثماني بخير الدين فيما عرفته أوروبا باسم خير الدين بربروسا أي ذو اللحية الحمراء.


د. أحمد الصاوي (القاهرة) - ولد خير الدين لأب من فرسان السباهية أصله يوناني اعتنق الإسلام وفقاً لنظام الدوشيرمة الذي كانت الدولة العثمانية تحصل بمقتضاه على صبيان من القرى اليونانية ليربوا تربية إسلامية وعسكرية ومن هؤلاء تشكل جيش الجند الجديد أو الانكشارية.
تزوج يعقوب الأب من سيدة مسلمة من أصل أندلسي ولدت له خمسة أولاد هم اسحق وعروج وإلياس ومحمد ثم خضر الذي عرف بلقبه خير الدين عبد الرحمن.
عمل الأشقاء بالتجارة في مطلع شبابهم وكان لخير الدين سفينة يتاجر بها بين سالونيك وأجريبوز وتعرضت السفينة لاعتداء فرسان القديس يوحنا الذين اتخذوا من جزيرة رودس قاعدة لهم منذ سقوط قواعد الصليبيين بالساحل الفلسطيني ووقع الأخ الأكبر عروج في أسرهم إلى أن تمكن خير الدين من تهريبه إلى إيطاليا ومنها إلى مصر.
نقطة تحول
كانت تلك الحادثة نقطة التحول في حياة خير الدين وإخوته، فسرعان ما تركوا التجارة في البحر إلى الجهاد في المتوسط ضد النشاط الصليبي البحري، فقد لجأ عروج إلى السلطان المملوكي قنصوه الغوري وطلب مساعدته فأهداه سفينة من الأسطول المملوكي تمكن عروج من تحقيق انتصارات باهرة على فرسان رودس، وما لبثت الأم أن وجهت أبناءها إلى الشمال الأفريقي لإنقاذ المسلمين هناك من الغارات البحرية للإسبان على الشواطئ الإسلامية ولإنقاذ بقايا المسلمين الأندلسيين من المدجنين والذين كانوا يلقون بالسفن أحياء في عرض المتوسط دون ماء أو زاد.
في عام 1505 م تمكن عروج من الاستيلاء على 3 سفن إسبانية واتخذ من جزيرة جربة بتونس مقراً لعملياته البحرية ضد السفن الأوروبية الحربية والتجارية وأرسل يستدعي إخوته ليبدأ دور خير الدين في الظهور.
أسس الإخوان، عروج وخير الدين إمارة لهما في تلمسان بالجزائر وحررا المدينة من سيطرة الإسبان وأمنا معاً نقل المدجنين الأندلسيين للجزائر التي ازدهرت من وقتها، ولكن عروج سقط شهيداً وهو يصد هجوماً إسبانيا فشل في استعادة تلمسان.
أمير البحار
يعود الفضل لخير الدين في نقل تبعية الحكم بالجزائر للدولة العثمانية، إذ أصبحت إيالة عثمانية بلا حروب، وعُين خير الدين بايا أو والياً عليها، ثم أصبح على عهد سليمان القانوني الباش قبودان أو قائد الأسطول العثماني في المتوسط بدءاً من 1533 هـ.
كان خير الدين أميراً للبحار بالفطرة وتمكن بفضل مهاراته البحرية والعسكرية من دحر الأساطيل الأوروبية في المتوسط وتأمين السيطرة العثمانية على هذا البحر لقرابة أربعة عقود كاملة.
كان اسم بربروسا كفيلاً ببث الرعب بين بحارة السفن الأوروبية العسكرية والتجارية على حد سواء، خاصة مع قدرته على التخفي لمباغتة الأساطيل الأوروبية وحتى رفعه للرايات الصليبية في عدة كمائن بحرية وهو ما اضطر شرلكان ملك إسبانيا لعقد هدنة مع ملك فرنسا فرانسوا الأول وعقد تحالف صليبي واسع ضم بابا روما، والبندقية، والبرتغال، وهاجم هذا التحالف في عام 1538 م بسفنه الستمائة وتحت قيادة أندريا دوريا خليج بروزة على الشاطئ الأفريقي ونجح خير الدين بأسطوله المؤلف من 122 سفينة في دحر الهجوم وإلحاق هزيمة مذلة بالتحالف الأوروبي حتى إنه استولى على 36 سفينة بعتادها وجنودها، وبلغ عدد الأسرى الأوروبيين في تلك المعركة 2175 أسيراً. وعندما حاول شرلكان في عام 1541 م مهاجمة الجزائر تصدى له خير الدين وألحق به هزيمة نكراء فقد معها الإسبان معظم قطع أسطولهم.
استغاثة
ومن الجدير بالذكر أن فرانسوا الأول استغاث بالدولة العثمانية لمواجهة هجمات شرلكان الإسباني فأرسل الخليفة العثماني سليمان القانوني قائد أسطوله خير الدين بربروسا بأسطول مؤلف من 110 سفن لينجح في تحرير ميناء نيس من الاحتلال الإسباني في عام 1543 م ويتخذ من المدينة الفرنسية قاعدة لعملياته في غرب المتوسط لبعض الوقت ومن هناك وطد خير الدين بربروسا علاقاته مع السيدة الحرة الأندلسية الأصل والتي كانت تحكم تطوان بالمغرب لصد هجمات الإسبان.
ورغم تلك الشهرة العسكرية والثروة الطائلة التي جمعها خير الدين فإنه لم يبخل بها على أوجه البر فضلاً عن أولاده ورجال الدولة العثمانية حتى أنه أوصى ابنه بإسقاط دين الصدر الأعظم أي رئيس الوزراء العثماني وعدم قبوله حتى لو رغب في دفعه وكان يقدر بنحو ربع مليون ليرة ذهبية، وعند وفاته في عام 1546 م ترك أكثر من عشرين سفينة للدولة العثمانية بناها وجهزها من جيبه الخاص.
لحية حمراء
ولخير الدين عدة صور توضح شخصيته العسكرية القوية منها ما قام برسمه فنانون بالبلاط العثماني ومنها صور أخرى بريشة فنانين أوروبيين. وتتفق كل الصور على إبراز لحيته الحمراء التي اشتهر بها وربما ورثها عن أصله الأندلسي وتظهره واحدة منها بريشة فنان أوروبي رجلاً جسيماً قوي البنية بملامح أوروبية ولحية كثة صهباء وقد ارتدى رداء جلدياً على عادة رجال البحرية تزينه رسوم الأهلة التي كانت شعاراً رسمياً للدولة العثمانية وقد اعتمر في تلك الصورة عمامة مرصعة بالجواهر والأحجار الكريمة إشارة لرتبته العسكرية كقائد للأسطول العثماني بينما يتمنطق سيفا مقبضه على هيئة رأس نسر.
وهذه الصور لخير الدين كانت في فترة ولايته للجزائر حين كان كهلاً أما صوره الأخرى فتبين ملامح الشيخوخة عليه بعد استقراره في بشكطاش باستانبول، ومنها واحدة له يعتمر عمامة كبيرة كتلك التي اعتاد رجال الدولة العثمانية ارتداءها في المناسبات الرسمية، ورغم تقدمه في السن ظل الفنان حريصاً على رسم لحيته الصهباء التي اشتهر بها بين الأصدقاء والأعداء على حد سواء.
وبينما تبدو ملامح التحدي والفخر العسكري على صورته وهو والٍ على الجزائر توضح صوره الشخصية المتأخرة تمتعه بالدعة والسكينة ورغبته في بذل الخير والتي وضحتها وصيته لابنه حسن، وكأن الرجل قضى أيامه الأخيرة قانعاً بما أنجزه على صعيد المعارك الحربية في المتوسط وتأمينه لحياة قرابة 70 ألف أندلسي كانوا على وشك الغرق بعد إبعادهم قسرياً عن أوطانهم وراضياً عن إطلالته المحببة في كل صباح على البسفور من شرفة قصره المنيف.

على شاطئ البسفور
اختار قائد البحار أن يقضى أيامه الأخيرة على شاطئ البحر عند البسفور والذي رآه أفضل موقع وقعت عليه عيناه في تطوافه بأرجاء البحر المتوسط فشيد لنفسه قصرا عند بشكطاش باستانبول وإلى جواره مسجد ترك لنفقته 30 ألف ليرة ذهبية وأوصى أن يدفن في مدفن ملحق بهذا المسجد وما زال المسجد والمدفن باقيين إلى اليوم، حيث يزور الأتراك قبره وقبر ابنه حسن قبودان قائد الأسطول العثماني من بعده وقد نصب تمثال له بالميدان المواجه لمسجده، بينما سمي الميناء الحربي القريب باسم خير الدين بربروسا.