دنيا

الأمة تركب البحر وتغزو في سبيل الله

القاهرة (الاتحاد) - أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بالعديد من الغيوب المستقبلية التي تحققت بعد وفاته، ووقعت كما أخبر، فكانت برهاناً صادقاً على نبوته، ومنها ما جاء في إخباره بناس من أمته يركبون البحر غزاة في سبيل الله كالملوك على الأسرة وأن أم حرام بنت ملحان منهم.
قال البيهقي في دلائل النبوة، عن ‏أنس بن مالك، كان رسول الله‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏يدخل على‏ ‏أم حرام بنت ملحان ‏فتطعمه، وكانت ‏أم حرام ‏تحت عبادة بن الصامت ‏فدخل عليها الرسول ‏يوماً فأطعمته،‏ ‏ثم استيقظ وهو يضحك قالت، ما يضحكك يا رسول الله، قال: «‏ناس من أمتي عرضوا علي غزاة في سبيل الله يركبون ‏هذا البحر ملوك على الأسرة أو مثل الملوك على الأسرة»، قالت يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم فدعا لها، ثم وضع رأسه فنام ثم استيقظ وهو يضحك، قالت ما يضحكك يا رسول الله: «قال ناس من أمتي عرضوا عليّ غزاة في سبيل الله»، نحو ما قال في الأول، قالت يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم، قال: «أنت من الأولين»، ‏فركبت ‏أم حرام‏ ‏البحر في زمان ‏‏معاوية بن أبي سفيان ‏فصرعت ‏عن دابتها حين خرجت من البحر فهلكت.
علامات
قال ابن حجر، وفي الحديث ضروب من إخبار النبي صلى الله عليه وسلم بما سيقع، فوقع كما قال، وذلك معدود من علامات نبوته، ومنها إعلامه ببقاء أمته بعده، وأن فيهم أصحاب قوة وشوكة ونكاية في العدو، وأنهم يتمكنون من البلاد حتى يغزوا البحر، وأن أم حرام تعيش إلى ذلك الزمان، وأنها تكون مع من يغزو البحر، وأنها لا تدرك زمان الغزوة الثانية.
ويقول الإمام النووي، وضحك النبي كان فرحاً وسروراً بكون أمته تبقى بعده ظاهرة بأمور الإسلام قائمة بالجهاد حتى في البحر.
وقال عياض والقرطبي، في السياق دليل على أن رؤياه الثانية غير رؤياه الأولى، وأن في كل نومة عرضت طائفة من الغزاة، وأما قول أم حرام ادع الله أن يجعلني منهم في الثانية فلظنها أن الثانية تساوي الأولى في المرتبة فسألت ثانياً ليتضاعف لها الأجر، لا أنها شكت في إجابة دعاء النبي صلى الله عليه وسلم لها في المرة الأولى وفي جزمه بذلك.
وكان لأم حرام شغف بالجهاد في سبيل اللَّه، فقد خرجت مع زوجها عبادة إلى الشام في جيش كان قائده معاوية بن أبى سفيان رضى اللَّه عنه فلما جازوا البحر، وكانت تركب دابة لها، جالت بها، فصرعتها وقتلتها، وذلك في غزوة قبرص، وهكذا تحققت نبوءة النبي لها، في زمن خلافة عثمان بن عفان رضى الله عنه، سنة 28 هجرية، ودفنت في مكان مقتلها بجزيرة قبرص، وكان الناس كلما مروا بقبرها يقولون، هذا قبر المرأة الصالحة.
فركبت أم حرام بنت ملحان البحر في زمان معاوية فصرعت عن دابتها حين خرجت من البحر فهلكت، خرجت مع زوجها عبادة بن الصامت غازية أول ما ركب المسلمون البحر مع معاوية بن أبي سفيان فلما انصرفوا من غزاتهم قافلين فنزلوا الشام فقربت إليها دابة لتركبها، فصرعتها فماتت.
يقول العلماء إن في هذا الحديث ثلاثة من دلائل النبوة، أحدها إن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أخبر عن أول غزوة في البحر، وكانت سنة سبع وعشرين، مع معاوية بن أبى سفيان، وهو نائب على الشام، في عهد عثمان بن عفان رضى الله عنه، وكانت معهم أم حرام بصحبة زوجها وكان معهم أبو ذر وأبو الدرداء وغيرهما من الصحابة، رضى الله عنهم
الغزوة الثانية
أما الغزوة الثانية، فكانت غزوة قسطنطينية وكان أمير أول جيش يغزوها يزيد بن معاوية بن أبي سفيان، سنة اثنتين وخمسين هجرية، ولم تكن أم حرام معهم، لأنها كانت قد ماتت بعد الغزوة الأولى.
يقول حذيفة، خطب النبي خطبة، ما ترك فيها شيئاً إلى قيام الساعة إلا ذكره، علمه من علمه، وجهله من جهله، وإن كنت لأرى الشيء قد نسيت، فأعرف ما يعرف الرجل إذا غاب عنه فرآه فعرفه. قال ابن حجر، دل ذلك على أنه أخبر في المجلس الواحد بجميع أحوال المخلوقات منذ ابتدئت إلى أن تفنى، إلى أن تبعث، فشمل ذلك الإخبار عن المبدأ والمعاش والمعاد، في تيسير إيراد ذلك كله في مجلس واحد من خوارق العادة أمر عظيم، مع كون معجزاته لا مرية في كثرتها.