عربي ودولي

«بلومبرج»: قطر تضاعف بيع أصولها في الخارج لمواجهة «الخسائر الاقتصادية»

دينا محمود (لندن)

«لا تنسوا قطر ومبيعات أصولها في غمار حملة تطهير الفساد السعودية»، عنوانٌ اختارته وكالة «بلومبرج» الأميركية المرموقة للأنباء لتقرير إخباري أبرزت من خلاله تواصل النظام القطري في عمليات بيع أصوله في الخارج، في مسعى لمواجهة الخسائر الاقتصادية الهائلة التي يتكبدها جراء تشبثه بمواقفه المتعنتة والرافضة، للاستجابة لمطالب الدول الأربع الداعية لمكافحة الإرهاب «السعودية والإمارات ومصر والبحرين».
وقالت الوكالة في التقرير الذي أعده شاجي ماثيو «إنه بينما تتردد في الأسواق أصداءُ حملة مكافحة الفساد التي أطلقتها السلطات في المملكة العربية السعودية، تبيع شركات في قطر - الدولة الغنية بالغاز الطبيعي - أصولاً مملوكة لها»، وهو ما يبدو إشارةً من طرف خفي إلى محاولة النظام الحاكم في الدوحة استغلال الاهتمام الإعلامي الكبير الذي تحظى به الحملة التي تشنها السلطات في الرياض ضد مسؤولين ورجال أعمال فاسدين، لبيع أصولها الخارجية دون أن يلفت ذلك الانتباه.
وأوضح التقرير في هذا السياق أن الأيام الماضية شهدت إقدام مؤسستين مرتبطتين بالنظام القطري على التخلي عن أصول تابعة لهما، إحدى هاتين المؤسستين - بحسب «بلومبرج» - هي «قطر فاوندايشن»، التي تمثل - كما قال التقرير - مؤسسة غير هادفة للربح تملكها العائلة الحاكمة في قطر، وتنخرط في الوقت نفسه في مشروعٍ مشترك مع مجموعة «فودافون». وأبرزت الوكالة المعنية بأخبار المال والأعمال مساعي هذه المؤسسة القطرية للحصول - عبر شركة تابعة لها - على ما يربو على 1.5 مليار دولار مقابل بيع حصتها في أكبر شركة تقدم خدمات الهاتف المحمول في الهند. أما المؤسسة الاقتصادية القطرية الثانية، التي أجبرتها المقاطعة الخليجية والعربية على بيع جزءٍ من أصولها، فهي مصرف قطر الإسلامي، الذي أشار تقرير الوكالة إلى أنه باع حصته في بنك التمويل الآسيوي.
ولم يفت تقرير «بلومبرج» تسليط الضوء على الضغوط التي ترزح تحتها احتياطيات قطر من النقد الأجنبي وكذلك شركات هذا البلد بفعل المقاطعة التي يقودها «الرباعي العربي المناوئ للإرهاب»، والتي دخلت شهرها السادس قبل أيامٍ، وأشار في هذا الصدد إلى انخفاض الاحتياطي القطري من العملة الصعبة ومستوى السيولة في قطر بنسبة 8.6% في سبتمبر الماضي، مُقارنةً بما كان عليه الحال في الشهر السابق لذلك مباشرة، ليبلغ حجم هذا الاحتياطي 34 مليار دولار ليس أكثر.
ولتجسيد النزيف المالي الذي يعاني منه النظام القطري في الوقت الحالي بفعل إصراره على عدم التخلي عن سياساته التخريبية والطائشة التي تزعزع الاستقرار خليجياً وعربياً، أشارت الوكالة في تقريرها الإخباري إلى أن مؤشر البورصة في قطر خسر 24% من قيمته خلال العام الجاري، فيما لم يفقد نظيره السعودي سوى 3.8%، وهو ما يثبت بالأرقام كذب مزاعم المسؤولين في الدوحة بشأن عدم تضرر اقتصاد البلاد من حالة العزلة الحالية، ويكشف في الوقت ذاته عن أن أداء اقتصاديات الدول التي تطبق إجراءاتها الصارمة حيال قطر، لم يتضرر تقريباً من الأزمة التي تعصف بالخليج في الوقت الراهن.
وذَكَّر تقرير «بلومبرج» باضطرار جهاز قطر للاستثمار، وهو صندوق ثروة سيادي تابع للدوحة يفترض أن قيمته الإجمالية تبلغ 320 مليار دولار، إلى تقليص حصصه المباشرة في مؤسسات مالية كبرى مثل مصرف «كريدي سويس» السويسري الشهير، وشركة «تيفاني» المعروفة للمجوهرات، وكذلك شركة «روسنفت» الروسية العملاقة للنفط. وأماط التقرير اللثام عن أن البنك التجاري القطري - وهو ثالث أكبر مصرف في هذا البلد - يجري محادثات في الوقت الحالي لبيع حصته في «البنك العربي المتحد» المسجل في أبوظبي، وهي الحصة البالغة 40% من أسهم هذا المصرف.
وأكدت «بلومبرج» أنه على الرغم من إعلان شركة «الخطوط الجوية القطرية» هذا الأسبوع اعتزامها شراء حصة من أسهم شركة «كاثي باسيفيك» بقيمة 660 مليون دولار تقريباً، فإن الشركة باتت بصدد مواجهة تكبد خسارة سنوية، بعدما صارت مُجبرة بفعل المقاطعة المفروضة على قطر، على تغيير مسارات العديد من رحلاتها وإلغاء بعض المسارات الأخرى.
والملف نفسه كان محور اهتمام صحيفة «نيويورك تايمز» التي قالت إن بيع شركة «ثري بيلارز» التابعة لمؤسسة «قطر فاوندايشن» حصتها في شركة «بارتي آيرتيل» الهندية للهواتف المحمولة، يُضاف إلى سلسلة عمليات بيع الأصول التي تُقْدِمْ عليها هذا الدولة المفروض عليها عقوبات، وأشارت الصحيفة إلى أن عملية البيع الأخيرة تأتي في وقتٍ تنهمك فيه شركات قطرية أخرى، بما في ذلك الصناديق السيادية للبلاد، في تقليص حصصها في مؤسسات أجنبية، بهدف الحصول على أموالٍ من شأنها تخفيف «الضغوط الواقعة على كاهل الاقتصاد القطري الذي تضربه العقوبات المفروضة» من الدول الأربع.
وأبرز تقرير «نيويورك تايمز» ما قام به «جهاز قطر للاستثمار» من قبل من ضخٍ لمليارات الدولارات في شرايين المصارف المحلية بهدف تعزيز ودائعها. وفي هذا السياق، أفادت تقديرات بأن ذلك الصندوق السيادي - الذي كان يفاخر في الماضي بموارده الهائلة - ضخ قرابة 40 مليار دولار في محاولةٍ لإنقاذ المصارف من عثرتها خلال الشهرين الأولين من الأزمة، أي في يونيو ويوليو الماضيين.
وكانت وسائل إعلام غربية كشفت قبل أسابيع قليلة عن أن المصرفيين والمحامين الذين كانوا معتادين على عرض شراء الأصول المعروضة للبيع في مختلف دول العالم على «جهاز قطر للاستثمار» لكي يبحث إمكانية شرائها، أصبحوا الآن يعرضون الأصول للبيع نيابةً عنه. وأفادت هذه الوسائل بأن أولئك المصرفيين والمحامين أُبلِغوا بألا يتوقعوا إقدام الجهاز على الدخول في أي استثمارات كبرى في المستقبل القريب.
واعتبرت صحيفة «دَيلي إكسبريس» البريطانية أن التصريحات الأخيرة التي أدلى بها أكبر الباكر الرئيس التنفيذي لشركة «الخطوط الجوية القطرية»، ودعا فيها الرئيس الأميركي دونالد ترامب للقيام بالمزيد لإنهاء المقاطعة الاقتصادية المفروضة على بلاده بسبب رفضها العودة إلى الصف الخليجي، تشكل ضغطاً قطرياً على ترامب لإنهاء «الإغلاق ذي التأثير الخانق» المفروض على نظام الدوحة.
وفي تقريرٍ أعدته رَبيكا بَيرنج، قالت الصحيفة - ذات توجهات يمين الوسط - إن الأزمة بين الدول الخليجية والنظام القطري بلغت «نقطة الغليان» مع الإجراءات الصارمة التي اتخذتها «السعودية والإمارات ومصر والبحرين» ضد هذا النظام في مطلع يونيو الماضي، والتي شملت قطع العلاقات الدبلوماسية وفرض حظر بري وبحري وجوي على قطر.
واعتبر التقرير أن الأزمة الراهنة هي الأكثر خطورة في منطقة الخليج منذ عقود، وكان لافتاً أن يشير إلى قطر بوصفها «الدولة المُضيفة بشكلٍ مثير للجدل لـ «كأس العالم لكرة القدم 2022» وذلك في إيماءة لا تخفى للشبهات الكثيفة التي تحيط بملابسات حصول النظام القطري على حق تنظيم هذه البطولة.