ثقافة

العلاقات المشهدية الجديدة في القصيدة المعاصرة

من الندوة (تصوير حسام الباز)

من الندوة (تصوير حسام الباز)

إبراهيم الملا (الشارقة)

تناولت الندوة الفكرية التي استضافها ملتقى الكتّاب بمعرض الشارقة الدولي للكتاب، مساء أمس الأول، الصور والمفاهيم والعلاقات المشهدية الجديدة في الشعر المعاصر، مقارنة بما كان يطرحه الشعر القديم في جزيرة العرب من تراكيب وصور سكنت في التكرار، وما تلا هذا الشعر من قصائد ارتبطت بالمعمار الكلاسيكي المبني على الوزن والقافية، والذي ظل معماراً سائداً لقرون طويلة قبل ظهور شعر التفعيلة، ثم الشعر الحر أو قصيدة النثر التي تخلصت من قداسة الوزن والقافية معاً، واستبدلتها بإيقاعات مشهدية داخل بنية القصيدة الحديثة، بالتوازي مع التحولات والانعطافات الكبرى بعد الحربين العالميتين وبعد الثورة الصناعية والتقنية، وهيمنة المدينة على الريف والصحراء والحواضر البعيدة والنائية.
حملت الندوة عنوان «تفاصيل الحياة اليومية، والنتاج الشعري الجديد» وشارك بها كل من الناقدة المصرية ثريا العسيلي، والشاعر المغربي ياسين عدنان، والشاعر الفلسطيني سامح كعوش، وقدم للندوة الكاتب السعودي فرج الظفيري الذي أوضح أن الشعر المعاصر ارتبط بتوثيق الحياة اليومية بكل ما تحتفل به تفاصيل، وأن الشعراء الجدد يحتفون بهذه التفاصيل كونها لصيقة بالعين والروح، لأنهم بهذه الروح الشفافة والحسّ المرهف يرون ما لا يراه غيرهم.
وطرحت العسيلي في بداية مداخلتها مجموعة من الأسئلة، منها: كيف يتعامل الشعر العربي في عصرنا الحالي مع اللغة الشعرية ومع الأحداث اليومية؟ وهل هناك فرق بين الشعر العربي المعاصر وبين الشعر القديم.
وأجابت: هناك فروق كبيرة يمكن رصدها، من خلال المواضيع والصور التي تناولها رواد شعر التفعيلة مثل: السياب ونازك الملائكة وصلاح عبدالصبور، وعبدالمنعم عواد يوسف مقارنة بما قدمه البارودي وشوقي وحافظ إبراهيم في شعرهم التقليدي الذي كان سائداً في زمنهم، مضيفة أن أغلب الشعراء الكلاسيكيين تناولوا مواضيع وطنية وتاريخية، ولكنهم لم يتناولوا تفاصيل الحياة اليومية التي ظهرت بقوة لدى شعراء التفعيلة، ولاقت استهجاناً مزدوجاً حينها من القراء ومن الشعراء التقليديين، وقالت إن شعر التفعيلة استطاع أن يفرض حضوره لاحقاً لأنه كان يخاطب الواقع، ويستنطق مشكلات الناس في مجتمعات متحولة ومتداخلة مع الحداثة والمدنية.
بدوره، قال ياسين عدنان إن الانشغال باليومي كان حاضراً في صلب الشعر العربي منذ زمن المعلّقات، وساق أمثلة بقصائد طرفة بن العبد، وعمرو بن كلثوم، والحارث بن حلزة، مضيفاً أن القصيدة هي بنت الحياة، سواء في الماضي أو الحاضر، وإذا انفصلت عن نبض الحياة وعن ما يدور حول الشاعر وما يترجمه هذا الشاعر بصدق في قصائده، فإنها ستتحول إلى (قصيدة عضلية) وشكلية وذهنية تشتغل بالتفنن في الشقلبات المجازية والاستعارية، وهو ما يجعلها قصائد عابرة وليست ذات قيمة.
وتساءل عدنان: ما القصيدة؟ إن لم تنقل بعض حياة كاتبها، ولم تفصح عن مزاجه، مؤكداً أن للشاعر لعبته في هذا الباب والتي تضعه خارج التصنيفات العابرة للحساسيات وتصادم الأشكال والأجيال، وقال: «أتصور هنا أن ارتباط الشاعر بحياته اليومية، وفيوضاته الداخلية، هو الوحيد الذي يعطي الضمانة للقصيدة بأن تتجدد، وللشاعر أن يجدّد قوله الشعري، وأن يوسّع تجربته ورؤاه».
أما الشاعر سامح كعوش فقال: «أنا ضد إلغاء التراث النثري، الذي يقع تحت مسمى قصيدة النثر، لأنها قصيدة أقرب إلى الحياة، وإلى تناول المفردة اللصيقة بالزمان والمكان».
وأضاف أن الشاعر الذي لا يتناول الواقع والحقيقة والحياة، هو شاعر لا يقول شيئاً، ولا يعبّر عن خصوصية ثقافية، وقال إن الشاعر يقف اليوم أمام خيارين، إما العولمة التي تلغي الهوية الشعرية، أو العالمية التي ترحب بالاختلاف والخصوصية، ويمكن للشعر العربي من خلال مفهوم العالمية أن ينقل صوت الشاعر العربي دون إقصاء وتمييز وأحكام مسبقة.