الملحق الثقافي

منفيستو الاغتراب

 «دانييل» و«كايتي» أداء مفعم بالتلقائية (من المصدر)

«دانييل» و«كايتي» أداء مفعم بالتلقائية (من المصدر)

إبراهيم الملا

يعود المخرج البريطاني العتيد كين لوتش مجدداً إلى تناول القصص الواقعية الجارحة، وبانتباه عميق لمنابع الألم الإنساني، مستخدما تكنيكاً خاصاً في التأسيس للانطباع الصادم، وتطويع الصورة لحساب القضية المطروحة في الفيلم بمشهدية داكنة رغم اللحظات المبهجة الأشبه بكوميديا منجذبة بعنف نحو مرثيات وأوجاع ومحن، معبّراً وبانحياز كامل عن صوت القاطنين في هامش الحياة، والشاغلين لمساحة متأرجحة بين القوانين الاجتماعية المتعسفة، وبين اليأس من إصلاح هذه القوانين.

بدا هذا الهاجس النقدي قوياً في فيلم «أنا، دانييل بليك» المعروض مؤخراً في الدورة الثالثة عشرة من مهرجان دبي السينمائي الدولي، والحائز السعفة الذهبية بمهرجان «كان» الدولي في دورته الأخيرة، مستعيداً بذلك وهج الأعمال المؤثرة لكين لوتش في المهرجان ذاته، وحاصداً من خلالها حضوره الأبهى في ذاكرة السينما الأوربية والعالمية، ونذكر من هذه الأعمال، فيلم «الريح التي تهزّ سنابل الشعير» المتوّج بالسعفة الذهبية قبل عشر سنوات، وفيلم «أجندة خفيّة» الحائز جائزة لجنة التحكيم الخاصة بمهرجان «كان» في العام 1990، وهناك فيلم «تمطر حجارة» في العام 1993 والذي كرر إنجاز الحصول على جائزة لجنة التحكيم، ويضاف إلى قائمة التتويج الفيلم المثير للجدل «أرض وحرية» الحائز جائزة «فيبريسكي» إحدى ألمع جوائز النقاد الدوليين.

دوائر الفوضى
يتناول فيلم «أنا، دانييل بليك» معاناة عامل نجارة في إحدى الشركات بمدينة نيوكاسل، حيث يتعرّض لأزمة قلبية حادّة وهو على مشارف الستين من عمره، ويسعى جاهداً للحصول على الإعانة الشهرية من الحكومة لعدم قدرته على العمل حسب التوصيات الطبية، يصطدم «دانييل بليك»، يقوم بدوره الممثل ديف جونز، بمجموعة من القوانين البيروقراطية المجحفة، ويبقى محصوراً في دائرة منهكة من الفوضى الإدارية لشركات عابرة للقارات وقادمة من أميركا خصوصاً، والتي باتت تتحكم في مصائر طبقة واسعة من العمال البريطانيين المهددين بالإفلاس والتشرّد بسبب جشع الشركة الأميركية، والتجاوزات الفادحة في منظومة قوانينها المتوحشة.
في المشهد الافتتاحي للفيلم نستمع إلى مكالمة هزلية بين «دانييل» وبين موظفة من مكتب الرعاية الصحية والتي لا تتقن سوى اللغة الإدارية الجافة، وتتعامل مع شكوى «دانييل» كما تتعامل مع أي قضية عادية وعابرة، دون أن تفقه شيئاً في التفاصيل الطبية لمرضى القلب، وهنا يأخذنا تهكم دانييل من الموقف إلى أقصى درجات السخرية الممزوجة بالأسى والخوف من التبعات الكارثية المتوقعة من هكذا تعامل وهكذا إجراءات محكومة بمنطق السوق لا بمنطق الرأفة والعدالة الاجتماعية.
تقودنا الكاميرا المحمولة وبأسلوب يتماس مع أفلام الواقعية الإيطالية إلى المناخات اليومية القاسية والمشحونة بالعزلة في حياة «دانييل»، خصوصاً أن انهياره الصحي والجسدي، جاء مقروناً بخسارة ذاتية موجعة، وصدمة نفسية ضارية بعد رحيل زوجته وبقائه وحيداً في شقة مليئة بذكريات مرّة وأطياف ذابلة.
يرتفع منسوب التوتر البصري والذهني مع تتابع المشاهد المشغولة ببطء مؤلم في الفيلم، ومع اصطدام «دانييل» بالحواجز الروتينية الصلبة، والحلقات الإجرائية المنهكة في دوائر الرعاية الصحية، وشؤون المتقاعدين، والخدمة المدنية، وتالياً يرتفع إيقاع الحبكة نحو المواجهات العنيدة والمباشرة إزاء متخذي القرار في الإدارة العليا The Decision Makers يتخفى متّخذو القرار هنا خلف أقنعة كثيفة من الخداع والمكر والفساد الإداري، ويمكن وصفهم من خلال الضمير السينمائي في الفيلم بمصاصي دماء العمال الكادحين، المنسيين في غفلة من الجميع، والمتروكين لمصائرهم المجهولة.

قلوب شاغرة
يدخل دانييل في إشكالات عديدة مع هذه المؤسسات الخاصة وشركات التأمين البعيدة عن محاسبة ورقابة الدولة، ويضطر إلى تلبية شروطها الصعبة في التسجيل على المواقع الإلكترونية رغم جهله بالتقنيات الحديثة، وعندما ينتهي من هذا الإجراء المبدئي الذي يثبت من خلاله عدم قدرته على العمل لأسباب طبية، يصطدم برفض «صانع القرار» وأن عليه تقديم طلبات توظيف في شركات أخرى يمكن أن تتيح له عملاً إدارياً لا يتطلب مجهوداً جسدياً كمهنة النجارة، رغم إقراره بعدم القدرة على ممارسة أي مهنة سواها، والتي استهلكت أربعين عاماً من حياته.
في إحدى مراجعاته المحكومة بالفشل مسبقاً يتعرف «دانييل» إلى «كايتي» الممثلة هيلي سكوايرز المطلقة القادمة إلى نيوكاسل من العاصمة لندن بصحبة طفليها من أجل الحصول على منزل للعاطلات عن العمل، حيث لم تعد هناك منازل شاغرة في العاصمة، يتسبب هذا النقل بشرخ نفسي واجتماعي للأم والطفلين بسبب ابتعادهم عن بيئة العائلة الكبيرة، خصوصاً مع افتقاد الطفلين جدتهما وبعدهما عن المدرسة التي اعتاداها، يتعاطف دانييل مع العائلة ويجد فيها فسحة لتذويب الركام الهائل من عزلته القسرية، وتنشأ بين الطرفين، رغم الظروف الصعبة، علاقة أبوية دافئة تنطلق من حس مشترك تجاه هشاشة الوحدة وضعف الحيلة أمام جبروت الواقع، وضبابية القانون الاجتماعي الجديد، وفي ظل الركود الاقتصادي وهيمنة الاحتكار على مفاصل هذا الواقع.
تطمح كايتي إلى مواصلة دراستها الجامعية بالمراسلة، وتسعى للحصول على وظيفة تؤمن فيها أدنى شروط الحياة لطفليها في مجتمع غريب ووسط غلاء فاحش، ويستغل «دانييل» خبرته في النجارة لترميم وإصلاح الشقة المتهالكة للعائلة، ومع تأزم الوضع في الجانبين، وانعدام أي فرصة وظيفية بالنسبة إلى كايتي، وأي أمل في الراتب التعاقدي بالنسبة إلى دانييل، يتحوّل النمط الأقرب «للدوكيودراما» في الربع الأخير من زمن الفيلم إلى تراجيديا خالصة، وإلى عزف مأساوي على وتر الحاجة والعوز، وفي أقوى مشاهد الفيلم وأكثرها إيغالاً في القسوة والتفتت العاطفي، نرى كايتي مع طفليها وبصحبة دانييل في دار للرعاية الاجتماعية تقدم وجبات مجانية إلى أسر العاطلين عن العمل، وفي اللحظة التي تجمع العاملة في الدار مجموعة من الأطعمة لكايتي، يتحول المشهد برمته إلى شظايا تنفجر وتتناثر فجأة على الشاشة عندما تنهار كايتي وتعترف بالجوع المستعر في أحشائها، وبجوعها الأشد لحياة طبيعية بعيداً عن المهانة البشعة، والذلّ الناشب بأنيابه في روحها.

ضحايا وجلادون
وأمام هذا النزيف الوجودي المتواصل تضطر كايتي إلى العمل كبائعة هوى، كي توفر لأبنائها مصاريف ومتطلبات الدراسة، الأمر الذي يكتشفه «دانييل» لاحقاً، ما يدفعه إلى ترجمة هذه الصدمة إلى نضال شرس في مواجهة المؤسسات المدنية المشاركة في هذا الظلم الاجتماعي، وهذا العذاب «السيزيفي» للمتعلقين بوهم التغيير، أو على أقل تقدير للحالمين بوصول صرخاتهم إلى «متخذ القرار»، القابع خلف مقعده الوثير، والطامح إلى مضاعفة أرباحه حدّ التخمة.
ينتهي الفيلم ببارقة أمل ينصبها المخرج هنا مثل فخّ أنيق، عندما يتولى أحد المحامين المستقلين والشرفاء قضية «دانييل بليك» خصوصاً عندما يكسب تعاطف الشارع بعد تعبيره الصارخ عن غضبه على الجدران الخارجية لشركة التأمين الاجتماعي، ومن خلال تعاطف جماعات الضغط مع قضيته الموصولة أيضاً بقضية كايتي وأزمتها الإنسانية المتفاقمة، تكتمل أوراق القضية أمام المحامي، وفي اللحظة الحاسمة يسقط «دانييل» ميتاً بسبب مضاعفات الأزمة القلبية، وبدت هذه النهاية المؤلمة مثل لكمة سددها المخرج بقوة في وجه المتلاعبين بمصائر الضعفاء، وفي وجه مجتمعات منافقة تتباهى بقيم العدالة والحرية والمساواة، ولكنها تمارس في العمق وفي الخفاء أشد الإجراءات البيروقراطية عنفاً، وأكثر الأساليب الشيطانية تلوثاً بالأنانية المالية والديكتاتورية الربحية، حيث يذهب الضحايا المقيدون بعجزهم إلى منافي الصمت ومدافن النسيان، ويبقى الأقوياء وحدهم اللاعبين الأساسيين في هذه الحلبة التنكرية الدامية والشرسة للصراع الطبقي المستتر بالزيف والتلوّن والادعاءات الكاذبة.
تفوّق فيلم «أنا، دانييل بليك» في تطوير البنية السردية لسيناريو مليء بالتفاصيل الشخصية والمصطلحات القانونية والتحولات العاطفية صعوداً وهبوطاً، كي يطوّعها المخرج بعد ذلك في قالب بصري بسيط ومتماسك، يعتني بتلك التفاصيل الهامشية والروافد الجانبية والمواقف الإنسانية المؤثرة، ليغذي بها المسار الأساسي للحبكة الروائية، المتمثلة هنا في المقاومة الداخلية للشخصيات الرئيسة في الفيلم، وإصرارها على اقتحام أرض الألغام وتخطّي نقطة اللاّعودة، وسط تغيرات اجتماعية واقتصادية عاصفة لا تلتفت إلى معاناتهم وعذاباتهم، وتعتبرهم في النهاية مجرد أرقام وإحصاءات في سجلات مهملة وزائدة عن الحاجة.
امتاز الفيلم أيضاً بالتصوير المتقشّف إذا جاز التعبير لأن ثقل القضية المطروحة كان مهيمناً وطاغياً على أي تكلفّات وإضافات في الجانب التقني والشكل الفني، وكان أداء الشخصيتين الرئيستين في الفيلم، «دانييل» و«كايتي» مفعماً بتلقائية آسرة، وانصهار كامل مع الدور المتصاعد إلى الذروة الميلودرامية، إنها الواقعية الشائكة أيضاً، وفي أكثر حالاتها تجليّاً وتعبيراً وتأثيراً في المُشاهد.

بعيداً عن التسلية
تعامل المخرج «لوتش» اليساري المنحاز للمظلومين والمتألمين في كل مناطق التوتر بالعالم، وخصوصا في فلسطين، والذي احتفل بعيد ميلاده الثمانين قبل أشهر من الآن، مع الفيلم التسجيلي في بداية ارتباطه بالإخراج الاحترافي، وساهم فيلمه «كاثي عودي إلى المنزل» ــ إنتاج العام 1966 ــ في تغيير القوانين المدنية المتعلقة بالمشردين والفقراء، ويعتبر «لوتش» أحد المخرجين العظماء والمساهمين الكبار في صياغة تقاليد السينما البريطانية المهمومة بتفاصيل الحياة اليومية والقصص الإنسانية والتاريخية المرتبطة بالمكان وبالذاكرة، فابتعد وبخطوات واسعة عن أفلام التسلية العابرة ذات الهوى الهوليودي والتجاري البحت.