تقارير

الإقليم لم يكن جاهزاً أبداً لإقامة «دولة».. استفتاء كردستان العراق.. من سيئ إلى أسوأ

أدى استفتاء إقليم كردستان العراق، بشأن الاستقلال، إلى تحويل وضع، كان سيئاً بالفعل بالنسبة للأكراد، إلى وضع آخر أكثر سوءاً بكثير. فبدلاً من أن يؤدي هذا الاستفتاء إلى تعزيز النفوذ السياسي، والاستقلال الذاتي للأكراد كما كان يفترض، فإنه أدى إلى تبدد النوايا الحسنة الدولية تجاههم، وإلى خلق عداوات بينهم وبين حكومة بغداد وجيرانها، وتعميق المخاطر الاقتصادية، والشروخ المجتمعية التي يعانون منها في إقليمهم. كما أدى هذا الاستفتاء كذلك إلى فقدانهم السيطرة على الأراضي، والموارد المهمة التي كانوا يسيطرون عليها، بعد أن قامت القوات الأمنية العراقية بإعادة تأكيد سلطتها على كركوك، وممتلكاتها النفطية، وعلى «الأراضي المتنازع عليها» الأخرى، وكذلك على معابر الحدود العراقية، بعد انسحاب متفاوض عليه لقوات البشمركة، من كل تلك المواقع.
في الوقت الراهن تجد حكومة إقليم كردستان نفسها محاصرة سياسياً واقتصادياً. وعلى الرغم من أن هذه الحكومة عرضت «تجميد» نتائج الاستفتاء، لتلافي تداعياته السياسية، وللحيلولة دون تقدم القوات العراقية إلى الأراضي الخاضعة لسيطرتها؛ فإن الحكومة العراقية تطالب بالإلغاء الكامل لنتائج الاستفتاء وعدم الاكتفاء بتجميدها فقط - على الرغم من أن كلا الجانبين ما زالا منخرطين في مفاوضات بشأن هذا الأمر. كما أن تداعيات الاستفتاء، تهدد بإعادة ترتيب أوضاع السياسة الداخلية لحكومة إقليم كردستان؛ وخصوصاً عقب إعلان الرئيس مسعود بارزاني أنه سيتنحى عن منصبه في الأول من نوفمبر.
لكن الأمر المؤكد هو أن الاستفتاء كان حافزاً للأزمة الحالية لحكومة إقليم كردستان، وليس سبباً أصيلاً لها. فمع أن قيادة حكومة إقليم كردستان كانت قد عملت على ترويج سردية حول كون المنطقة ديمقراطية علمانية، تتمتع باقتصاد مزدهر، وقوة عسكرية متماسكة، فإن هذه المنطقة الداخلية المغلقة غير المطلة على بحر، كانت في واقع الأمر، ومنذ فترة طويلة، غير مستقرة اقتصادياً، وضعيفة مؤسسياً، ومنقسمة سياسياً.

الخطأ الأول
وكان أول خطأ ارتكبته قيادة حكومة إقليم كردستان، هو التركيز بشكل كبير على حشد الدعم الدولي، لمشروعها الطموح لبناء دولة مستقلة، بدلاً من الوصول إلى اتفاق مع العراقيين حول هذا الأمر. وأخطأت تلك الحكومة أيضاً، عندما لم تعمل على اجتذاب غير الأكراد إلى مناطقها كمواطنين متساوين، في الحقوق مع الأكراد، وقامت بدلاً من ذلك بالتمييز ضدهم. فخلال زيارته إلى شمال العراق، قبل أيام من استفتاء الاستقلال، قال لي رجل أعمال عربي: «حتى في الأعمال التجارية نحن لسنا متساوين مع الأكراد»، وشكا لي الرجل من الضرائب الإضافية، التي كان مضطراً لدفعها من أجل نقل بضائعه داخل إقليم كردستان. ولم تكن تلك هي كل المشكلات الموجودة في الإقليم. فالآشوريون ردوا بغضب على مصادرة أراضيهم من قبل الحزب «الديمقراطي الكردستاني» الحاكم، وعلى استبدال مسؤوليهم المحليين بمسؤولين من قادة ذلك الحزب، وهي عملية يقولون إنها تهدف إلى «محو وجودهم» من سهول نينوى. ولم يقتصر الأمر على الآشوريين فحسب، حيث لا يزال العديد من الإيزيديين يشعرون بالاستياء لأن الحزب «الديمقراطي الكردستاني»، تخلى عنهم وتركهم يواجهون مصيرهم، أمام «داعش» عام 2014.
ونتيجة لذلك، عارض العراقيون، غير الأكراد، بأغلبية ساحقة قيام دولة كردية، خصوصاً إذا كانت مثل هذه الدولة تضم محافظة كركوك الغنية بالنفط. قال لي أحد الزعماء القبليين العرب البارزين، قبل أيام من الاستفتاء، إن خمسة فقط من كل 100 عربي في كركوك، هم الذي يمكن أن يقبلوا بسيطرة حكومة إقليم كردستان على المنطقة. وقال لي زعيم عربي آخر صراحة، إنه لن يتعامل مع نتيجة الاستفتاء على أنها شرعية، وقال أيضاً: «لن يحدث ذلك، وسوف نعود إلى كركوك».
وحتى إذا لم يكن الاستفتاء على الاستقلال، قد أثار المعارضة المحلية والإقليمية، فإن غياب تدفق إيرادات كافية، ومنتظمة لحكومة إقليم كردستان، وعدم قيامها بهيكلة قيادة عسكرية موحدة، كان من شأنهما أن يقوضا قدرتها على تأمين الأراضي، التي كسبتها خلال الحرب ضد«داعش» (يشار هنا إلى أن أراضي إقليم كردستان قد توسعت بنسبة 40 في المئة خلال الحملة العسكرية التي شنتها قوات الإقليم ضد ذلك التنظيم).

طفرة بعوائد النفط وكانت التنمية الاقتصادية السريعة التي شهدتها المناطق الكردية، خلال الفترة من عام 2008 إلى عام 2012، تمول إلى حد كبير من ثروة العراق النفطية، وليس من نواتج اقتصاد كردي مكتفٍ بذاته. وقد أدى قرار حكومة إقليم كردستان في عام 2014 بالالتفاف على حكومة بغداد والقيام ببيع نفط الإقليم بشكل «مستقل»، إلى جانب انخفاض أسعار النفط، وتكاليف الحملة العسكرية ضد «داعش»، إلى مفاقمة ضعفها الاقتصادي. وعلى الرغم من أن هذه الحكومة عملت على تخفيض الإنفاق، وزيادة الضرائب، إلا أنها فشلت في التعامل مع مشاكلها المالية، والسياسية، بشكل فاعل.
في الوقت ذاته، نجد أن الانتصارات العسكرية الكردية، قد اعتمدت بشكل كبير على الدعم الخارجي - وتحديداً القوة الجوية للتحالف - بدلاً من القوة المؤسسية لحكومة إقليم كردستان. ومما يشار إليه في هذا السياق، أن السيطرة على قوات الأمن في إقليم كردستان، بما في ذلك البشمركة، قد انقسمت منذ فترة طويلة بين الحزبين السياسيين الرئيسيين في المقاطعات الثلاث، التي تشكل الإقليم.
وهذه الانقسامات ظهرت بوضوح بعد الاستفتاء، عندما قام بعض قادة حزب «الاتحاد الوطني» الكردستاني، وهو الحزب الكردي الرئيسي الآخر، بالتفاوض على اتفاق مع بغداد، وسحب قوات البشمركة التابعة لهم من كركوك، من دون إبلاغ المسؤولين في الحزب «الديمقراطي الكردستاني» الحاكم، أو حتى من غير إعلام الأعضاء الآخرين داخل حزبهم بذلك. وهذه الانقسامات هي التي تفسر لماذا تتهم الفصائل المختلفة بعضها البعض بالخيانة، و«بيع كركوك».
إن الخسارة المدوية لكركوك، إضافة إلى حقول نفطها وأصولها، وعدد آخر من الحقول الأصغر حجماً في محافظة نينوى، تهدد الآن بتعميق الفجوة المالية، التي تعاني منها حكومة إقليم كردستان. وهذه الخسائر أدت حتى الآن إلى تخفيض إنتاج النفط في الإقليم، وتخفيض صادراته من 600.000 إلى نحو 280.000 برميل يومياً فقط، وهو ما أدى بالتالي إلى تقليص عوائد تصدير النفط من الإقليم بنسبة 55 في المئة. ومما يفاقم من تأثير هذه الخسائر، أنها تأتي في وقت تتقلص فيه آفاق قطاع الطاقة في الإقليم بدرجة كبيرة، على إثر انخفاض أسعار النفط بشكل حاد، وانسحاب شركات النفط الدولية من 19 منطقة استكشاف للنفط داخل المنطقة، منذ عام 2014.

تبعية اقتصادية
والتداعيات المالية المترتبة على ذلك، قوضت أي أمل لدى الأكراد في خلق اقتصاد مستقل ذاتياً عن بغداد. وهذه الظروف المضطربة ستزيد من حجم الصعوبات التي تواجهها حكومة الإقليم، في دفع رواتب موظفي الخدمة المدنية الذين لم يحصلوا على رواتبهم بالكامل منذ عامين، أو في سداد ديونها البالغة 20 مليار دولار من الديون، أوفي توفير تكاليف تشغيل اللجنة الأولمبية الدولية، ودفع المستحقات المتأخرة لتجار النفط. ومع أن صفقات الطاقة التي طنطنت حكومة الإقليم كثيراً بشأنها، والتي وقعتها مع تركيا، وشركة النفط الروسية «روزنيفت» يمكن أن تستمر، فإن الأمر المرجح، هو أن هذه الاستثمارات الأجنبية، خاصة بعد الاستفتاء، ستأتي على حساب سيطرة الأكراد على سوق الطاقة الخاصة بهم، وآليات التسعير المطبقة فيه. والإجراءات التي قامت بها حكومة بغداد ضد إقليم كردستان، والتي اشتملت على إغلاق المجال الجوي الدولي في الإقليم، وإلغاء بعض خطوط الرحلات الجوية الإقليمية، والتهديد بإغلاق الحدود من تركيا وإيران، لا يمكن- إذا ما استمرت- إلا أن تفاقم من الورطة الاقتصادية التي يواجهها الإقليم. يضاف لذلك كله أن القادة الأكراد يتعرضون لضغوط متزايدة، لتنفيذ إصلاحات سياسية طال انتظارها. فمن المعروف في هذا الصدد أن الحزب الديمقراطي الكردستاني الحاكم والحزب الوطني الكردستاني المنافس، يسيطران على الشؤون السياسية والاقتصادية في الإقليم، كما يواصلان العمل باتفاق لتقاسم السلطة موقع بينهما منذ إقامة أول حكومة لإقليم كردستان عام 1992، على الرغم من نوبات الحرب الأهلية والتوترات العديدة التي مر بها الإقليم منذ ذلك التاريخ وحتى الآن. وفي الآونة الأخيرة، دعا مسؤولون كبار من الطرفين إلى تمديد فترة ولاية برلمان كردستان لمدة ثمانية أشهر، وإلى تأجيل الانتخابات مرة أخرى، مما يؤكد استمرار سيطرتهم على الأوضاع السياسية في الإقليم.
والأمر اللافت أن المعارضة المحلية لهذين الحزبين ولحكومة إقليم كردستان، كانت واضحة بجلاء خلال الاستفتاء: ففي حين أن معاقل الحزب «الديمقراطي الكردستاني» الحاكم في دهوك، وأجزاء من أربيل صوتت بنسبة 80 إلى 95 في المئة بـ«نعم»، فإن أجزاءً من محافظة السليمانية شهدت درجة أقل بكثير من الإقبال، حيث لم تزد نسبة من خرجوا للإدلاء بأصواتهم فيها على 50 في المئة. وهذه الانقسامات تفاقمت بالطبع بعد الاستفتاء وما نتج عنه من تداعيات.

خديعة وصراعات داخلية
وعلى الرغم من أن بعض الأكراد، ينحون باللائمة على الحكومات الأجنبية في فشل محاولة الاستقلال التي قاموا بها، فإن الغالبية العظمى منهم تشعر بأنها قد تعرضت للخديعة من قبل قادتهم في الحزب «الديمقراطي الكردستاني»، و«الاتحاد الوطني الكردستاني». في الوقت ذاته تفاقمت صراعات السلطة داخل الأحزاب السياسية وفيما بينها، بشكل تجاوز مقتضيات المنافسة التقليدية بين الحزب «الديمقراطي الكردستاني» وحزب «الاتحاد الوطني الكردستاني». وتؤكد أحداث العنف الأخيرة التي وقعت في برلمان كردستان العراق، بعد إعلان بيان «استقالة» مصطفى البارزاني من رئاسة الإقليم، والتوترات المستمرة بين الفرقاء، مدى هشاشة الاستقرار السياسي داخل الإقليم. ومع أنه من غير المحتمل حدوث نزاع مسلح دائم، فإن الحرب الإعلامية، وأعمال العنف قد تتواصلان على نحو متقطع. وقد دعت جماعات المعارضة، والمستقلون، وحزب إصلاحي جديد برئاسة رئيس الوزراء السابق لحكومة إقليم كردستان «برهم صالح» إلى تشكيل «حكومة انتقالية» للمساعدة في حل الأزمات السياسية، والاقتصادية لحكومة الإقليم. ولكن حتى لو تخلى بارزاني عن منصبه، فإنه ليس هناك من الدلائل ما يدعو إلى توقع سقوط بيت بارزاني، أو بيت طالباني - وهما بيتا العائلتين اللتين أسستا الحزب الديمقراطي الكردستاني، وحزب الاتحاد الوطني الكردستاني - على التوالي - في أي وقت قريب.
الدرس الخطأفالحزب الديمقراطي الكردستاني له جذور مؤسسية في العراق منذ الأربعينيات من القرن الماضي، كما أن شبكات رعاية عائلة بارزاني متجذرة بشكل عميق في كل مكان من الإقليم تقريباً. أما بارزاني نفسه فمن المتوقع أن يحافظ على نفوذه داخل ما يعرف بـ «مجلس القيادة السياسية»، بينما سيبقى ابنه مسرور رئيساً للجهاز الأمني للحزب الديمقراطي الكردستاني، ويبقى ابن أخيه «نيجيرفان بارزاني» رئيساً للوزراء. ويبدو أن حكومة إقليم كردستان مستعدة لاستخلاص الدرس الخطأ تماماً، من الفوضى والدمار اللذين سببهما الاستفتاء. فبدلاً من الاعتراف بخطأ حساباتهم الاستراتيجية، لجأ بارزاني وغيره من القادة الأكراد إلى التنصل من المسؤولية عن فوضى الاستفتاء، وتداعياته. ويمكن الاعتماد على هذه المجموعة من القادة، لمواصلة اللعب بورقة الضحية، وإلقاء اللوم على «الخونة» في تبرير أوجه القصور المؤسسي الذين يعانون منه، مع القيام في الآن ذاته بالعزف على نغمة التهديدات الخارجية، بما في ذلك تلك التي تمثلها إيران وميليشياتها، بدلاً من إيلاء الاهتمام لحل مشكلاتهم الداخلية وإصلاح هياكلهم المؤسسية.

*زميل أبحاث، ومدير مركز الأبحاث الاستراتيجية في معهد الدراسات الاستراتيجية التابع لجامعة الدفاع الوطني
عن دورية «فورين بوليسي»
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»