الملحق الثقافي

الحنيفية

باعتباره واقعة اجتماعية، ينشأ اللاهوت الجديد، أيُّ لاهوت جديد، انطلاقاً من نقطة في ثقافة دينية أسبق. موضوع النقاش هنا هو علاقة اللاهوت الإسلامي الناشئ ببيئته الدينية المباشرة، أشير إلى بيئة التفكير الديني في مكة عند القرن السابع، مقروءة، بالطبع، في سياقها الكلي، بأبعاده الجغرافية، والاقتصادية، والسياسية، والعقلية التاريخية. اتسعت هذه البيئة لمفردات دينية ثلاث كانت جميعاً على تماسّ مباشر مع اللاهوت الجديد: هناك أولاً نظام التدين شبه الإقليمي الذي يقوم على تعظيم الكعبة المكية، ويمتد نفوذه إلى معظم قبائل الجزيرة، وهو ما سنصطلح على تسميته «النظام الطقوسي القرشي». يطغى هذا النظام على البيئة الدينية المباشرة ولكنه لا يستغرقها، فثمة ممارسات ومعارف كتابية مجاورة (يهودية، ومسيحية)، إضافة إلى أفكار ذات طابع توحيدي أخلاقي، مناقضة للوثنية القرشية، وغير مطابقة لليهودية أو المسيحية، ستُعرف إسلامياً بالحنيفية.
أهمية الحنيفية، ضمن هذه البيئة، تأتي من زاويتين: الأولى: زاوية الارتباط الوثيق بينها وبين الدين الجديد موضوعياً وعضوياً، إلى حد اعتبارها مقدمة طبيعية وتمهيداً منطقياً للإسلام.
والثانية: زاوية التواصل النسبي بينها وبين المكونين الدينيين العربي والكتابي معاً، إلى حد اعتبارها حلقة وصل ضمينة بين الإسلام والتدين العربي من جهة، وبينه وبين اليهودية والمسيحية من جهة ثانية. سنواجه بالطبع، نفس المشاكل التوثيقية التى تكتنف التأريخ للجاهلية المتأخرة، خصوصاً جانبها الديني: عدم وجود مصادر خارجية، ندرة النصوص الأصلية، معضلة النَّحْل اللصيقة بالشعر، إضافة إلى مصاعب الإسناد التقليدية في الروايات، والتدخل التأويلي المعتاد في المصادر الإسلامية. ومع ذلك، سيكون بالإمكان تحصيل تصور تقريبي موثق، من المصادر الإسلامية كمرجعية أساسية، والمصادر الأدبية كمرجعية ثانوية مساندة. المصادر الإسلامية المتمثلة في كتب الحديث، والتفسير، تثبت وجود الحنفاء كجماعة توحيدية متمايزة في الجاهلية، ما يعني «الإقرار» بوجود تيار ديني شديد الشبه بالإسلام، قبل ظهور هذا الأخير في مكة. لهذا الإقرار «الإسلامي» أهمية توثيقية. من حيث هو يشهد لحضور ظاهرة يمكن لها أن تسحب أسبقية الإسلام التوحيدية، أو أسبقية النبي الإسلامية. أو من حيث يفتح الباب أمام فكرة الاقتباس أو التأثر بهذا التيار من قبل النبي، أو اعتباره واحداً من الأحناف قبل البعثة، واعتبار الإسلام في النهاية تصعيداً لظاهرة دينية قائمة من قبل. عند هذه النقطة يظهر اللاهوت الجديد كفعل ممتد، ناشئ عن تطور طبيعي ضمن سياقه الاجتماعي المحلي.
كيف نقرأ الحنيفية، وعلاقتها باللاهوت الجديد؟
لا يقابلنا مصطلح «الأحناف» كثيراً في النصوص الجاهلية. وفكرتنا عن مفهوم «الحنيفية» في الاستخدام الجاهلي، مستمدَّة في الغالب من المصادر الإسلامية، وهي كثيراً ما تسقط مفاهيمها المستحدثة على معاني المفردات. بعض هذه المصادر تقول بأن الحنيف عند الجاهليين هو من اختتن وحج البيت الحرام.
وفقاً لهذا التعريف يكون القرشيون في مجملهم حنفاء، وتكون الديانة القرشية حنيفية، بما أنها تقوم أساساً على حج البيت وتمارس الختان، وتعتبر ذلك بعينه ديانة إبراهيم. للحنيفية هنا معنى مكافئ للديانة القرشية، وفي الوقت ذاته للديانة الإبراهيمية، بما هي الديانة الصحيحة المستقيمة. يقول الأصفهاني في المفردات: «تحنَّف فلان أي تحرَّى طريق الاستقامة، وسمَّت العرب كل من حج أو اختتن حنيفاً، تنبيهاً أنه على دين إبراهيم». وفي ذلك إشارة إلى أن الربط بين الحنيفية والإبراهيمية كان معرفاً في الجاهلية. ولكن غالبية المصادر تشرح لنا مصطلح الأحناف في الجاهلية، وهي تستصحب التعريف القرآني للحنفية، فتضيف إلى الحج والاختتان جملة من الخصائص والشروط، تبدأ باعتزال الأصنام، ثم الامتناع عن أكل الذبائح التي أُهلّ بها لغير الله، وعن شرب الخمر، إضافة إلى الاغتسال من الجنابة، والانعزال للتأمل. الحنيفية هنا تعني الإسلام تقريباً، أو تعني ملة إبراهيم كما صارت تُفهم في الإسلام، لا كما كانت تُفهم في الجاهلية، يقول الطبري: «الحنف عندي هو الاستقامة على دين إبراهيم واتّباعه على ملته. وذلك أن الحنيفية لو كانت حج البيت لوجب أن يكون الذين كانوا يحجون في الجاهلية من أهل الشرك حنفاء، وقد نفى الله أن يكون ذلك تحنفاً بقوله: «وَلَ?كِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ» (آل عمران: 67). وكذلك القول في الختان لأن الحنيفية لو كانت هي الختان لوجب أن يكون اليهود حنفاء، وقد أخرجهم الله من ذلك بقوله «مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَ?كِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ» (آل عمران: 67).

معنى الحنيف والحنيفية
يظل معنى الحنيف والحنيفية في الاستخدام الجاهلي غامضاً، بسبب غياب النصوص، هل أطلقها الجاهليون على مجمل ديانتهم الطقوسية التي تقوم على الحج رابطين بينها وبين دين إبراهيم؟ هل أطلقوا على هؤلاء الأفراد المعينين الذين يشار إليهم في المصادر الإسلامية بالحنفاء، بسبب انسلاخهم الجزئي من هذه الديانة، واعتزالهم الأصنام؟
البحث اللغوي لا يقدم لنا الكثير في هذا الصدد، سواء كان عربياً أو استشراقياً، فكلاهما يقدم طروحاً تبدو بَعدية، أعني موجِّهة بالتصور اللاحق الذي كرسته المصادر الإسلامية عن الحنفاء: الشروح المعجمية العربية -وهي محكومة غالباً بالغرض التفسيري للمفردة القرآنية- تبدو متأثرة بالمفهوم القرآني للحنيفية، فالحنفُ الميلُ، ميلٌ عن الضلال إلى الاستقامة. مقابل الجنف (بالجيم) الذي هو أيضاً ميلٌ، ميلٌ عن الاستقامة إلى الضلال. والشروح الاستشراقية -وهي شغوفة غالباً برد المفردات العربية، خصوصاً الدينية، إلى أصول خارجية، كما لو كانت المسألة محسومة في ما يتعلق بأسبقيات الانشطار داخل العائلة السامية- ترجع بالكلمة إلى أصل عبري (من تحنوت tehinoth، أو حنف hnef بمعنى تحنث) لتربط بينها وبين الزهد والاعتزال، أو إلى أصل سرياني من (من حنفه henfa بمعنى صابئة) لتربط بينها وبين الخروج عن الديانة السائدة.
بعض المصادر تتحدث عن ورود كلمة حنف في النصوص العربية الجنوبية بمعنى صبأ، أي مال وتأثر بشيء ما، وهو المعنى الذي فهمه علماء اللغة، وتستند إلى ذلك في القول بأن لفظة «حنيف» هي في الأصل بمعنى صابئ، أي خارج عن ملة قوم تارك لعبادتهم. ولكننا في الواقع لا نجد في النصوص الجاهلية إشارات واضحة لوصف الحنفاء بالصابئين قبل الإسلام، مقابل الوضوح الذي استخدم به الوصف إشارة إلى المسلمين الأوائل.
في جميع الأحوال، وأياً كان الوصف الذي استخدمه الجاهليون إشارة إليهم، كان ثمة -حسب المصادر الإسلامية- أفراد في مكة والجزيرة، يمثلون تياراً دينياً مغايراً عن الديانة الوثنية السائدة مع اشتراكه معها في طقوس الكعبة والحج، ومتمايزاً في الوقت ذاته عن الديانتين الكتابيتين وينسب ذاته إلى إبراهيم.
لم يتحدث القرآن عن الحنفاء، أعني لم يشر إليهم كأفراد أو جماعة معروفة في مكة والجزيرة، لكنه تحدث عن الحنيفية بما هي مفهوم مرادف لمعنى الدين الصحيح، دين إبراهيم، الذي هو الإسلام ذاته «قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى? صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ» (الأنعام: 161).
وردت كلمة «حنيفاً» في القرآن عشر مرات (البقرة: 135 - آل عمران: 67 و95 - النساء: 135 - الأنعام 39 و161 - يونس: 105 - النحل: 120 و123 - الروم: 30) واقترنت في ثمانٍ منها بذكر إبراهيم. ووردت كلمة «حنفاء» مرتين (الحج: 31- البينة: 5). الخصائص الأساسية للحنيفية كما يعرّفها القرآن هي:
1- الربط بينها وبين إبراهيم (ملة إبراهيم حنيفاً).
2- التوحيد ونفي الشرك (وما كان من المشركين).
3- استبعاد اليهودية والمسيحية (وَقَالُواْ كُونُواْ هُوداً أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُواْ قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً).
إلى جانب هذه الخصائص الاعتقادية، تشير كتب الأخبار إلى عدد من الطقوس والممارسات التي تجمع بين الحنفاء عموماً، وفي مكة بوجه خاص، مثل: الاعتزال بغرض التأمل والعبادة (التختن، القيام بشعائر الحج، الاغتسال من الجنابة والتطهر بالماء (الوضوء)، الاختتان، والامتناع عن الخمر وأكل الميتة والذبائح المقدمة إلى الأصنام، إضافة إلى توجه أخلاقي ملموس).
ويتسع مصطلح الحنفاء في المصادر الإخبارية إلى عدد غير قليل من الأفراد، ينتمون إلى قبائل متعددة امتداد الجزيرة العربية، فكما نقرأ عن زيد بن عمرو بن نفيل وعثمان بن الحويرث، وعبدالله بن جحش، وورقة بن نوفل من قريش، نقرأ عن قس بن ساعدة الإيادي، وأمية بن أبي الصلت الثقفي، وسيف بن ذي يزن الحميري، وعامر بن الظرب العدواني، وعبدالله بن الأبرص الأسدي، والملتمس بن أمية الكناني، وعمر بن جندب الجهني، وعبد الطانجة بن ثعلب بن وبرة القضاعي، وآخرين.
كما يتسع المصطلح لعدد من الأفكار والتوجهات التي قد تختلف من منطقة إلى أخرى، ومن فرد إلى آخر رغم الاتفاق في الإطار العام الممايز للعُرف الديني الوثني السائد، يفترق هؤلاء في طريقة التعبير عن هذا التمايز، وتتقارب بعض الممارسات إلى حد التداخل مع الديانات التوحيدية المنتشرة في المنطقة العربية، ما أدى إلى إلحاق بعضهم باليهودية، أو المسيحية، أو الركوسية، أو الصابئة، مع استمرار وصفهم بالحنيفية.

حالة بحث متواصلة
لم يكن الحنفاء جماعة ذات إطار منظم، أو نشاط راتب موجَّه بأهداف تبشيرية. ولا يمكن الحديث عن الحنيفية كديانة أو كمذهب، بل كمبادئ عامة يشترك في اعتناقها أفراد متعددون. وبالنسبة إلى العديد منهم ظل بعض هذه المبادئ تحت الاختبار، في ظل انغماسهم في حالة بحث متواصلة عن الحقيقة، استدعت السفر والتنقل للاتصال بأصحاب الديانات.
الخط الجامع لهذه المبادئ هو رفض منظومة التدين القائمة بشقيها الوثني (الرئيسي، والكتابي الثانوي) وملامسة فكرة توحيدية واسعة ليست واضحة بالقدر الكافي، نستطيع الإشارة إلى الحنيفية كظاهرة دينية توحيدية، ولكن أيضاً كظاهرة دينية قلقة. وحضورها، بهذا المعنى، مفهوم تماماً في سياقه البيئي العربي، الذي كان يجمع بين الممارسات الوثنية ذات القوام الطقوسي، وخلفيات اعتقادية مركبة تؤمن بالإله الواحد المتعالي فوق الأرباب الطقوسية، وهي خلفيات ترجع إلى جذور ايلية- إبراهيمية، قديمة وغامضة، واتسعت لعبادات خاصة بآلهة حصرية كعبادة الرحمن الجنوبية، التي انتقلت إلى اليمامة، وعبادة الإله ذي سموي. إضافة إلى الحضور الواسع لليهودية والمسيحية، التي جاءت إلى المناطق العربية في صياغتها النسطورية والآيروسية القريبة نسبياً من التوحيد الإبراهيمي.
داخل الإطار العام للحنيفية يمكن الحديث عن خصوصية مكية نسبية، يصح افتراضها بالتأسيس على وضعية مكة الدينية، المرتبطة بالحرم والقيام على خدمة الطقوس، إضافة إلى وضعيتها الاقتصادية، والاجتماعية الأكثر تطوراً وانفتاحاً بالقياس إلى بقية المناطق العربية. وهي أسباب تضع مكة في قلب مسألة التطوير الديني، التي تشمل واحدة من زوايا النظر الضرورية إلى ظاهرة الحنيفية.
تبدو الحنيفية القرشية شديدة الشبه بطروحات الإسلام خصوصاً في نسخته المكية، فهي بجانب النزوع التوحيدي وتسفيه الأصنام، أظهرت تمسكها بالبيت الحرام وشعائر الحج، وكشفت عن نوع من المعارف الكتابية (قصص الأنبياء التوراتية)، وأبدت وجهاً أخلاقياً دافئاً على مستوى السلوك الفردي والعلاقات الاجتماعية.
زيد بن عمرو بن نفيل يمثل النموذج الأبرز، الذي يمكن من خلاله عرض خصائص الحنيفية القرشية، وعلاقتها الخاصة بالإسلام: فهو يحظى بالمرتبة الأولى بين الحنفاء في المصادر الإسلامية، وحسب ابن حبيب، كان أول من عاب على قريش ما هم عليه من عبادة الأوثان: «ويجمع ابن إسحاق بينه وبين حنفاء قريش المعروفين في سياق واحد: اجتمعت قريش يوماً عند صنم من أصنامهم، وكان ذلك عيداً، في كل سنة يوماً، وكانوا ينحرون له. فانتحى جانباً أربعة منهم هم: ورقة بن نوفل، وعثمان بن الحويرث، وعبدالله بن جحش، وزيد بن عمرو بن نفيل، فلما خلا بعضهم إلى بعض وتصادقوا قالوا ليتكم بعضهم على بعض، واتفقوا على ذلك. ثم قال قائلهم: تعلمون والله ما قومكم على شيء. لقد أخطؤوا دين إبراهيم، وخالفوه. ما وثن يُعبد؟ لا يضر ولا ينفع فابتغوا لأنفسكم، فإنكم والله ما أنتم على شيء، فخرجوا يطلبون ويسيرون في الأرض يلتمسون أهل الكتاب».
وتذكر الأخبار أنه خرج بصحبه هؤلاء الثلاثة إلى الشام، وأنه «انتهى مع ورقة إلى راهب بالموصل فسأله عن الدين، فلم يقتنع بالنصرانية، أما ورقة فاقتنع بها وتنصر».
لم يدَّع زيد النبوة قط، ولم تساوره أحلام بشأنها مثلما ينسب الإخباريون عادةً إلى أمية بن أبي الصلت وبعض المتحنفين، ولكننا نفهم من الروايات أنه أعلن رأيه صراحة في دين قومه، وسفَّه عبادتهم للأصنام وذبْحِهم لها، وأنه أوذي بسبب ذلك وأُجبر على الخروج من مكة فاستقر في حراء، ونقرأ عند ابن الأثير أنه كان يقول: «إلهي إله إبراهيم، وديني دين إبراهيم»، وكان يعيب على قريش ذبائحهم ويقول: «الشاة خلقها الله وأنزل لها من السماء ماء، وأنبت لها من الأرض، ثم يذبحونها على غير اسم الله تعالى. إنكاراً لذلك وإعظاماً له». وينقل الذهبي أن أسماء بنت أبي بكر رأت زيد بن عمرو بن نفيل مسنداً ظهره إلى الكعبة يقول «يا معشر قريش والذي نفسي بيده ما أصبح أحد منكم على دين إبراهيم غيري، اللهم إني لو أعلم أحب الوجوه إليك عبدتك به، ولكني لا أعلم، ثم يسجد على راحلته».
ولكنه ظل متمسكاً بطقوس الكعبة والبيت التي اعتقد أنها ترجع إلى إبراهيم. وتذكر المصادر أنه كان إذا خلص إلى البيت استقبله ثم قال «لبيك حقاً حقاً، تعبداً ورقّاً، البر أرجو لا الخال، وهل مهجر لمن قال». ثم يقول «عدنا بما عاد به إبراهيم»، وكان يحج فيقف بعرفة، ويلبّي بقولك «لبيك لا شريك لك، ولا نِدّ لك»، ثم يدفع من عرفة ماشياً.
في أبيات منسوبة إلى زيد تظهر معارف واضحة تتعلق بالأنبياء التوراتيين، وهي معارف من مصادر كتابية. هذه الأبيات كسائر الشعر المنسوب إلى الحنفاء خصوصاً أمية بن أبي الصلت تدخل في دائرة الطعن بالنحل، الذي صار تقليدياً في معظم الدراسات الحديثة، بسبب التطابق المدهش مع النصوص الإسلامية، واحتوائها على مضامين ومفردات لم تكن موجودة -فيما يُفترض- قبل الإسلام. جزئياً لا يمكن الاعتراض على هذه المطاعن، فكثير من تلك الأشعار يصعب تنسيبها، بقليل من التأمل النقدي، إلى البنية الفكرية، والأسلوبية الجاهلية. إن حدوث النحل كواقعة مادية ثابت تاريخياً بإقرار الرواة وتحقيق النقاد.
لكن بغض النظر عما إذا كان الشعر الحنيفي مختلقاً كلياً أو بشكل جزئي، لا يصح الشك في حضور معارف كتابية في محيط الجزيرة العربية، التي عرفت اليهودية والمسيحية عن كثب قبل ظهور الإسلام بقرون، سواء كانت هذه المعارف مستمَدَّة من النصوص الأصلية، أو مطابقة لليتورجيا الرسمية (وهذا وارد على الأقل من جهة المسيحية). أو كانت من منطوقات التراث الدارج، التي تجري على ألسنة الناس (وهذا مفهوم في سياق التدين الشعبي الذي يحتفظ على طريقته بجوانب من أدبيات الديانة خصوصاً القصص).
والحالة هذه، لا يكون مدهشاً أن تتضمن أشعار الحنفاء -كما تضمنت أشعار جاهلية لغير الحنفاء- مضامين كتابية تتعلق بالتوحيد، وخلق الكون، والقيامة والملائكة، والشيطان، إضافة إلى قصص الأنبياء. ويبدو حضور هذه المضامين في أشعار الحنفاء مفهوماً، بحكم الاهتمام النزوحي لموضوع الدين وغلبته على لغة التفكير، وعملية الاختلاق، في حد ذاتها، تشير إلى افتراض هذا المعنى وتبني عليه.
وفي الأخبار المنقولة عن زيد نلمس حساً أخلاقياً وثيق الصلة بالمعنى الديني، ينقل ابن سعد أنه «كان يُحيي الموؤودة، يقول للرجل إذا أراد أن يقتل ابنته أنا أكفيك مؤونتها، فيأخذها حتى إذا ترعرعت قال لأبيها: إن شئت دفعتها إليك وإن شئت كفيتك مؤونتها»، وهو حس شائع في أخبار الحنفاء، يضاف إلى ما أشرت إليه سابقاً حول سلوكيات قرشية أخلاقية، موضوعة في سياق ديني كحديث حكيم بن حزام، «أرأيت أموراً كنت أتحنث بها في الجاهلية من صلة رحم وصدقة نتقرب بها إلى الله».
من جملة هذه النقول تتشكل صورة للحنيفية شديدة الشبه بالإسلام. إن لم تكن مطابقة له في طرحه المكّي المبكر (فكرة التصحيح اللاهوتي لوثنية الشرك- الإبقاء على طقوس الكعبة والبيت الحرام، حضور مضامين كتابية ذات طابع قصصي- الحس الأخلاقي البسيط)، هذا التطابق الموضوعي الذي لم ينكره الإسلام، بل أكده من خلال ثنائه على الأحناف وتبنيه لمصطلح الحنيفية ذاته، يفتح الباب للنقاش حول طبيعة العلاقة بين الحنيفية والإسلام.
من الناحية الزمنية ظهرت الحنيفية على تخوم الإسلام وتداخلت معه، وليس في المصادر ما يشير إلى ورود حنفاء سابقين على القرن السادس، رغم أن المثيرات النظرية المفترضة لظهورهم (المعارف التوحيدية- الفكرة الإبراهيمية- الصلات الكتابية) كانت حاضرة قبل هذا القرن. وهو ما يدعو للتساؤل عن ظروف ومتغيرات البيئة الجاهلية التي تفسر ظهورهم في هذا التوقيت بالذات، ويقترح التنبيه إلى نوع من الصلة العضوية، يسمح بالقول إن الحنيفية لم تكن ظاهرة نشأت في زمن الجاهلية فحسب، بل كانت -بالتحديد- ظاهرة «قبيل إسلامية» وإنها كانت حلقة في مسار تطوري وصل إلى نهايته المنطقية بظهور الإسلام، وإن الإسلام ذاته كان تصعيداً لهذه الظاهرة، أي تطويراً من مثيرات الواقع التاريخي الاجتماعي المحلي.
نظرياً، لا يتعارض هذا التحليل مع فكرة التأسيس الإلهي الديني عبر الوحي، بشرط التخلي عن المفهوم الحرفي لهذه الفكرة كما يقدمها العقل التوحيدي التقليدي بوجه عام. فالوحي في جميع الأحوال -كما أكرر «لا يشتغل إلا داخل الاجتماع، وهو يتجلى من خلال أفراد من البشر، في شكل مقولات منقولة باللغة، تتعلق بوقائع حادثة في الزمن، وهو كما يشهد تاريخ التدين المقروء، يُبنى في كل مرة على معطيات وشواغل موجودة في البيئة التي يصدر فيها، ويتلون بلونها الثقافي، ومن هنا سيبدو كأنه يوافق الواقع، جزئيا بالضرورة».
اللاهوت الإسلامي -كما أظهرت الفقرات السابقة- لم ينبثق بشكل فجائي منبتّ الصلة عن أنساق التدين الرئيسية الثلاثة في البيئة العربية: النسق القرشي، والنسق الكتابي، والنسق الحنيفي، بل انطلق من أرضية مشتركة عن النسقين الأول والثاني، وتماهى تماماً مع النسق الثالث الذي كان في الواقع مزيجاً من الخصائص القرشية والكتابية. بمقياس النتائج اللاحقة. مثل اللاهوت الجديد انقلاباً على نمط التدين العربي العام، ولكنه بالقياس الموضوعي لم يكن انقلاباً حاداً، يبدأ من نقطة صفر جديدة، فكرة التوحيد كانت حاضرة، لا من خلال اليهودية والمسيحية فحسب، بل أيضاً في مفاهيم التدين القرشي ذاته، وكذلك فكرة النبوة في صياغتها التوراتية المتداولة في المحيط السائد المفتوح، لم ينكر الدين الجديد على التدين القرشي منظومته الطقوسية، وأعلن اشتراكه في المصدر مع اليهودية والمسيحية، وتبنى رواية التوراة التاريخية في الآباء والأبناء، كما أعلن عن اتحاده الكامل مع الفكرة الحنيفية.
واللاهوت الإسلامي، مثل كل لاهوت، لم يولد مكتملاً، بل تشكل تدريجياً عبر فترة من زمنية غير قصيرة، من خلال التفاعل مع معطيات البيئة التي تغيرت بشكل واضح بعد الهجرة من مكة إلى المدينة ثمة فوارق يمكن رصدها بين اللاهوت المكي واللاهوت المدني.

معنى كلمة «حنف»
بعض المصادر تتحدث عن ورود كلمة حنف في النصوص العربية الجنوبية بمعنى صبأ، أي مال وتأثر بشيء ما، وهو المعنى الذي فهمه علماء اللغة، وتستند إلى ذلك في القول بأن لفظة حنيف هي في الأصل بمعنى صابئ، أي خارج عن ملة قوم تارك لعبادتهم. ولكننا في الواقع لا نجد في النصوص الجاهلية إشارات واضحة لوصف الحنفاء بالصابئين قبل الإسلام، مقابل الوضوح الذي استخدم به الوصف إشارة إلى المسلمين الأوائل.

خصوصية مكية
داخل الإطار العام للحنيفية، يمكن الحديث عن خصوصية مكية نسبية، يصح افتراضها بالتأسيس على وضعية مكة الدينية، المرتبطة بالحرم والقيام على خدمة الطقوس، إضافة إلى وضعيتها الاقتصادية، والاجتماعية الأكثر تطوراً وانفتاحاً بالقياس إلى بقية المناطق العربية. وهي أسباب تضع مكة في قلب مسألة التطوير الديني، التي تشمل واحدة من زوايا النظر الضرورية إلى ظاهرة الحنيفية.