الملحق الثقافي

استنطاق الأرض

متحف رأس الخيمة الوطني معلم شاهد على ما قدمته بياتريس للإمارات (أرشيفية)

متحف رأس الخيمة الوطني معلم شاهد على ما قدمته بياتريس للإمارات (أرشيفية)

في هذا التقصي لحياة بياتريس دي غاردي، عالمة الآثار المتميزة، كان لا بد من سؤال الذين عرفوها أو عملوا معها، أو اطلعوا على كتاباتها وأبحاثها، فكانت هذه الشهادات التي أجمعت على ريادتها، وحملت إعجاباً غير محدود، وأسهبت في الحديث عن مكانتها وآثارها.

نموذج للإخلاص
يقول د. حمد بن صراي أستاذ التاريخ القديم في جامعة الإمارات:
«بياتريس دي كاردي» أضحتْ نموذجاً للآثاريين المخلصين في عملهم، والباذلين في سبيل العلم كل مجهوداتهم وطاقاتهم حتى جاوزتْ المائة من عمرها. كما وصفتْ هي نفسها، وكأنّها تتجوّل على طريق لم يتبقّ منه إلا القليل. وتتحدّثْ عن إصرارها على التقصّي وتتبّع الأثر بأنّها إذا لاحظتْ انحناءً في أحد الركامات الآثاريّة فإنّها لا تكتفي بالبحث في هذا الركام بل تقوم بجولة فاحصة حول هذا الركام. وتُبيّن أنّها لا تعرف المستحيل، وأنّها هيّأتْ نفسها لمواجهة الصعاب، وتقول أيضاً: أنّها لا تعتبر نفسها إمرأة أو رجلاً، بمعناهما المجرّد، عندما تعمل في منطقة الخليج أو في أيّ مكان آخر بل تعدّ نفسها متخصّصة في علم معيّن، وهو علم الآثار، وبناء عليه فإنّ النّاس تقبّلوها بناء على هذا الأمر. ولازال ذلك دأبها في كلّ عام إذ تأتي إلى المنطقة للتّأكّد من المعثورات الجديدة الموجودة في المتاحف ومطابقة كلّ ذلك بما هو مصوّر في الكتالوجات على الرغم من تقدّمها في السّنّ. ولهذا وُصِفتْ بأنّها أقدم الآثاريّين العمليّين. وقد استحقّت هذه العالِمة الريادة في العمل الآثاري، وكونها مؤسِّسة للعمل الميداني الآثاري في إمارة رأس الخيمة بدولة الإمارات العربيّة المتحدة.
ولإبراز دور هذه العالِمة في تأريخ وآثار المنطقة، يقترح حمد بن صراي عمل كتاب تكريمي لها، يعرف بها، وبالبحوث والدراسات التي كتبتْها أو ساهمتْ في إعدادها، وترجمة هذه البحوث والدراسات إلى اللغة العربيّة والتعليق عليها إذا تطلّب الأمر. على أن يقوم بترجمة هذه الدراسات عدد من المتخصّصين في الآثار والتاريخ القديم أو من المترجمين المتخصّصين في اللغة الإنجليزيّة، ونتمنى أن تتولّى إحدى الهيئات أو الجهات رعاية هذا العمل العلمي ودعمه ماليّاً، ونشره بعد ذلك.

دور واسع
ويعتبر ناصر الدرمكي مدير إدارة تطوير المتاحف في الشارقة، أن بياتريس دي غاردي من الرواد الآثاريين الذي أولوا اهتماما كبيرا بمنطقة الخليج الخليج العربي، ويقول: تعرفتُ عليها أثناء دراسة التاريخ في جامعة الإمارات التي تعتمد على الكثير من بحوثها وأعمالها وتستخدمها كمرجع في هذا الجانب. فالراحلة «بياتريس «لها دور كبير ومساهمة فاعلة في رسم ملامح التاريخ الإماراتي الحضاري، وفي التعريف بالدور الحضاري لمنطقة الخليج العربي قبل آلاف السنين، وشكلت معلوماتها القيَمة مرجعا مهما لتاريخ المنطقة ككل.

ناصر العبودي: صاحبة أول وأهم تقرير عن تاريخ المنطقة

ويستعيد الباحث الإماراتي ناصر العبودي ذاكرة ممتدة في البعيد، عندما جاءت بياتريس دي غاردي للمنطقة قبل تشكل الاتحاد في أواخر الستينيات، وأعدت تقريرا شاملا عن ساحل عمان ،أو ما يسمى إمارات ساحل عمان حينها ، وهو أول تقرير، والأهم من نوعه عن تاريخ المنطقة القديم. لم يكن قبلها هناك دراسة بهذه العمق ، والرصانة المبنية على نتائج مسح ميداني وعملي لأراضي الدولة، والتي يقدر عمرها بآلاف السنيين.
ويضيف: اهتمت بياتريس بآثار منطقة الخليج العربي ،وهي تمتلك الكثير من الوثائق التاريخية المهمة عن آثار الخليج العربي ،وإمارة رأس الخيمة خاصة حيث أولتها اهتمامها وعنايتها. ولدي تقرير مهم اشتغلت عليه بياتريس وهو يتضمن معلومات عن المكتشفات من لقُى، وملتقطات تكشف عن اتصال جنوب شرق آسيا مع الإمارات العربية. والتقرير يشير إلى أن الإمارات العربية كان لها علاقات تجارية انطلاقا من ميناء جلفار القديم الذي لعب دورا تجاريا، واقتصاديا كبيرا مع مناطق بعيدة مع جنوب شرق آسيا. وتعود هذه العلاقة إلى القرن 14م وهذا يعكس قيمة المكان تاريخيا، ومركزه التجاري والصناعي. وتقول أمل إبراهيم النعيمي مديرة العلاقات العامة في دائرة الآثار والمتاحف في رأس الخيمة:
في فبراير من عام 1968 بدأت بياتريس دي غاردي أول مسح آثري لإمارة رأس الخيمة بناء على طلب من المغفور له الشيخ صقر بن محمد القاسمي ـ طيب الله ثراه، وبعد المسح اكتشفت مجموعة من الآثار في منطقة «شمل» والحليلة «وضاية» – وكان أول مسح للمنطقة من نوعه، وكانت دي غاردي أول من نقب في الآثار في الإمارة، وأول من وضع حجر الأساس لافتتاح متحف رأس الخيمة. فبياتريس هي من نظمت أقسام المتحف، ودور العرض ، وأنواع القطع الآثرية المعروضة منذ افتتاح المتحف عام .
وخلال 40 عاما من عملها في المسوحات الأثرية في الإمارة أسست قاعدة البيانات الخاصة بالقطع الأثرية في الدائرة، واستمرت في زيارة دائرة الآثار 15عاما متواصلة ولمدة شهرين في الربيع من كل عام، وذلك لجدولة القطع الأثرية المكتشفة في التنقيبات، وفهرسة وتشكيل كل جديد في هذا الإطار.

رائدة ومميزة ولا تنسى
وفي شهادته عنها يقول د.مارك بييتش»، رئيس التراث الساحلي وعلم الحفريات والتنقيب في هيئة أبو ظبي للسياحة والثقافة:
«التقيت بياتريس دي كاردي للمرة الأولى في جزيرة صير بني ياس قبل أكثر من عشرين سنة، عندما كانت عضواً في فريق «أدياس -Adias». كل الفريق استفاد من حكمتها، وتجربتها العظيمة في بحوث علم الآثار، في الإمارات، وقطر، وباقي الأماكن الأخرى».
ويتابع قائلاً: «أملك ذكريات عظيمة عن أيام العطل التي كنت أقضيها برفقة بياتريس، حين كنا نخرج لنقود السيارات في الجبال ، ونتجول باحثين عن المدافن القديمة، لقد كانت امرأة عظيمة ومميزة، وعالمة آثار رائدة، وصديقة لا تُنسى. لقد ألهمت «بياتريس» زملاءها، ليس بعمق معرفتها وإطلاعها ،وخبرتها فحسب بل بكلماتها ولطفها وأخلاقها وتشجيعها.
لقد أثارت إعجاب الجميع، بسبب أسلوبها في التأكيد والالتزام بمبادئها وقيمها الخاصة أثناء العمل، وبين أجيال من خبراء الآثار الشباب الذين كانوا في أفضل أحوالهم يبدون قليلي الترتيب والاهتمام بمظهرهم، كانت «بياتريس» تطل في بداية كل يوم عمل بإطلالة أنيقة وبشعر مرتّب، ولا تنطلق لعملها قبل أن تتم ترتيب إطلالتها ومكياجها، مع ابتسامة خفيفة، وحاجب مرفوع قليلاً، كانت تستطع أن تجعلنا جميعاُ نشعر بالإحراج الخفيف بسبب مظهرنا اللامبالي مقارنة بإطلالتها وأناقتها.
إنها خبيرة آثار مميزة، وسيدة حقيقية، من طراز أصيل بات نادرا، وسنفتقدها بشدة .

أسطورة علم الآثار
يصف الباحث الميداني محمد حسن القيوضي بياتريس بأنها «أسطورة علم الآثار»، ويبدي في شهادته حولها بمعلومات جمعها بحماسة تستحق الإعجاب، ويقول:
في عام 2002 بدأت بالتحول من الدراسة النظرية للتاريخ (الوثائق والمراجع) إلى التطبيق العملي له (التراث وعلم الآثار).
ومن البداية سمعت عن أسطورة علم الآثار العالمية «بياتريس دي كاردي» وعن أعمالها الرائدة ليس في الخليج العرب فحسب، بل أيضا في بريطانيا وإيران وباكستان. كان الآثاريون الأجانب أمثال البريطاني د. مارك بيتش والأميركي د. بيتر ماجي و الألماني د. كريستيان فلدا يتحدثون عنها باحترام عظيم كأنها من «القديسات» ويجلون آراءها ، وينتظرون مقابلتها في المؤتمرات، أو زيارتها الموسمية للدولة. وقد رغبت أنا، وبشغف كبير بمقابلتها للتعرف عليها عن قرب، والتماس آرائها في بعض أعمالي البحثية.
في شتاء 2004 علمت أنها في رأس الخيمة في بيت الضيافة المخصص للآثاريين الزائرين في منطقة «ضاية» على الطريق القادم من خت. كانت عجوزا في الـ 90 من عمرها، ومع ذلك كانت تحُضر للمواقع الآثارية..! إنه عمر يرجو المرء أن يبلغه حيا بأية حال، فكيف بأن يكون في صحة تؤهله للعمل في ميدان الآثار..!؟ رأيت بريق النشاط والهمة في عينيها، كما أحسست بلطفها الكبير معنا نحن الآثاريين الشباب (كنت يومها في الثانية والثلاثين من عمري).
إن الباحث في علم الآثار يرجو عادة الانتهاء من العمل الميداني بسرعة ليتفرغ للبحث والتحليل، بينما ترى هي أن الميدان ، وحقل التنقيب هو علم الآثار.
قابلتها في ديسمبر 2004 في صالون منزل د. كريستيان فلدا وزوجته الآثارية -أيضا- «إمبكا». كانت جلسة شاي بريطانية كلاسيكية: شاي أحمر مع حليب وسكر على الجانب، ومع قطع البسكويت الإسكتلندي - ذو الخطوط الحمراء المتقاطعة على غلافه، والإبريق الذي كلما برد سخَن وكلما انتهى ملأ. تناقشنا جميعا في نتائج تنقيبات ذلك اليوم في رأس الخيمة القديمة. وكان المتحف ينقِب في ما يعرف ب «بيت النجدي»، والذي يظن أنه البيت الذي سكنه البحار العربي الخليجي الأشهر: أحمد بن ماجد. كان البيت عبارة عن قصر، أو حصن بأبراج وساحة داخلية وغرف. وبدأ العمل فيه منذ شتاء العام الماضي، وكان ذاك الموسم الثاني. أخبرتني «بياتريس» بحبها الشديد لرأس الخيمة. وأنها وقعت في حبها منذ أول زيارة لها في عام 1968 وحيث كانت البيئة لا تزال نظيفة، والسهول والوديان على حالتها البكر الطبيعية. تخبرنا أنها كانت تستطيع أن تميز بسهولة كبيرة المواقع الآثارية، وأن عدة دقائق في الموقع كافية لها لتتوقع حجم الغنى والقيمة الآثارية المحتملة للموقع وحجم للُقى التي ستستخرج منه.
عندما جاءت بياتريس لرأس الخيمة كانت في الخامسة والأربعين من العمر، وكانت قد قضت 30 عاما في التنقيب والمسح والبحث الآثاري. أخبرتنا أنها جاءت للتأكد من امتداد حضارة العصر البرونزي، والتي اكتشفتها غرب باكستان ثم تتبعتها إلى جنوب إيران و توقعت أن تجد امتدادها في شمال الإمارات المتصالحة (آنذاك). كانت قد غادرت غرب باكستان (أو بلوشستان) عندما أصبحت غير آمنة كليا. وأثناء عملها بداية الستينيات في إيران أوقفها المكتب الأمني الإمبراطوري عن عملها...! ورغم تخلف الأحوال في الإمارات آنذاك إلا أنها تقول أنها كانت أكثر أمانا من «باكستان» وأوسع ترحابا من إيران الإمبراطورية..!!
ثم تابعت تقول.. إنها أول ما قدمت سنة 1968 سمعت بالكشف العظيم الذي وجدته بعثة دانمركية سنة 1959 في جنوب شرق جزيرة أبوظبي (أم النار) وأنها تنتمي لحضارة العصر البرونزي. ولكنها عندما اطلعت على اللقى المكتشفة، أدركت فورا أن ما تبحث عنه ليس هناك؛ بل هو أبعد شمالا في رأس الخيمة. لهذا تركت أبوظبي وتوجهت لرأس الخيمة لتبدأ بجولات استكشافية (مسح) للعثور على مواقع محتملة.
وقد وجدتها بكل سهولة، بل واستطاعت تحديد موقع ميناء «جلفار» - شمال مدينة رأس الخيمة.
أخبرتنا بياتريس بأن المغفور له الشيخ صقر بن محمد القاسمي لما سمع باكتشافها دعاها ، وشكرها شخصيا، وعرض عليها المساعدة في كل ما تحتاجه. وكان الشيخ يومها بصدد تأسيس متحف وطني ليرسخ المكانة التاريخية للإمارة، ولم يدر في خلده أن تحدث اكتشافات تعود بتاريخ رأس الخيمة لأكثر من 25 قرنا قبل الإسلام..!! وقد استفادت هي من تلك المساعدة السخية من حكومة رأس الخيمة، فتوسعت بالمسوح الآثارية، وساعدتها الحكومة للتنسيق مع إمارة الفجيرة لتذهب وتستكشف كل الساحل الشرقي.
أخبرتنا بياتريس بعدها أن العلاقة بينها وبين الشيخ الراحل قد ترسخت. فكانت تبدأ بزيارته أولاً عندما تأتي للتنقيب في كل عام، وهو يستبشر بقدومها...! بل كانت أحيانا تذلل الصعوبات للمنقبين عند اصطدامهم بالتعقيدات البيروقراطية، فتختصر عليهم الوقت بموافقة من الشيخ الحاكم نفسه مباشرة، رحمه الله. و كانت لا تزال تفتخر بوسام القاسمي الذي مُنح لها كأول شخص في سنة 1989 بيد الشيخ صقر وتعتبره من أعز الهدايا الخاصة التي منحت لها.
مر الوقت سريعا في حديثنا معا، ولم نكن نقاطعها، فنحن نتعلم من قامة بحجم قرن من الخبرة والتجارب. قامة عاصرت المؤسسين الكبار لعلم الآثار الحديث ويتمور ويلر- واضع علم التنقيب الحديث، وهوارد كارتر – مكتشف توت عنخ آمون، وغيرهم. كانت تتوقف لتسألنا إن كانت أطالت في الحديث أو أشعرتنا بالملل..! ونحن نطلب منها المزيد..
كنت يومها قد أنهيت رسالتي في الماجستير (يوليو 2004) عن التغيرات المناخية القديمة في الإمارات. وأردت نصائحها في ما علي البحث عنه لتوسيع دراستي، خاصة وهي من خريجي قسم التاريخ والاقتصاد. فأجابتني بأن ذلك مجال لم يتطرق له الكثيرون، وأنني أحتاج لتوسيع دائرة بحثي ليشمل الدول المجاورة، لأن بعضها قد يكون تأثر بالتغيرات المناخية القديمة، بشكل أكبر، وأعمق وأوسع من تأثر بعض مناطق الإمارات، خاصة مع صغر مساحة الإمارات نسبيا. وأرشدتني بأن الاقتصاد يتأثر فورا بالتغير المناخي خاصة في تلك الأزمنة القديمة التي لم تكن الحكومات تلعب فيها دورا كبيرا سواء لتنمية الاقتصاد أو إنقاذه عند اضطرابه. كانت توجيهاتها ذهبية. كانت تستمع لشرحي، أنا الذي كنت في عمر أحفادها وتوجهني لنقاط النقص أو الضعف في آرائي، ولكن لم تكن تخطِّئني.
تميزت «بياتريس» بأخلاق النبلاء، فهي لا تمارس نظرة فوقية بل تشرك محدثها في الحديث وتقنعه برأيها بأسلوب رقيق وهادئ.
وقد آلمنا جميعا خبر وفاتها، ولكن لكل إنسان نهاية. ولقد أوسعت هي حياتها إنتاجا، وظلت شعلة للعلم الذي نذرت حياتها له، ولسوف يظل عطاؤها يتدارس ويُبحث لأجيال قادمة من الآثاريين.