الإمارات

زايد بنى أبوظبي العصرية.. وأقام صرح الاتحاد الشامخ

إعداد: د. محمد القدسي

ما تزال مدونات التاريخ تسجل أن الشيخ زايد، رحمه الله، كان زعيماً في منطقة دولة الإمارات العربية المتحدة حتى قبل أن يقوم الاتحاد، فقد أعان شعبها على امتداد مساحتها في المراحل المختلفة على أن ينهض إلى بحبوحة العيش والثراء، ويستضيء بنور العلم وينعم بوسائل الصحة، ومن عوامل الضعف والفرقة إلى اتحاد جمع إماراته السبع تحت راية واحدة طالما حلم به أبناء الإمارات ليصبح حقيقة يعيشونها بكل مظاهر الفخر والاعتزاز قرابة خمسة عقود من الزمن حتى الآن.

بداية حكم وخبرة قائد
في مدينة العين وقراها عاش الشيخ زايد وهو فتى وتنقل بين كثبانها وجبالها وواحاتها، وتعلم فنون الصيد وركوب الخيل والهجن والصيد بالصقور في رحلات صيد، كان يرافقه فيها عدد من المقربين ومن أبناء «المنطقة الشرقية» (العين) ما كان يراه فرصة ليسمع منهم ويعمل على حل مشاكلهم والمصالحة بين أطراف شاكية ومشتكى عليها امتداداً لما كان يشهده مجلسه في قلعة الجاهلي..
كان الشيخ زايد في مقتبل عمره حريصاً على مساعدة أخيه الشيخ شخبوط حاكم الإمارة في أمور كثيرة في شؤون الحكم والإدارة، وتمت تسميته عام 1946 حاكماً لمدينة العين وممثلاً للحاكم في «المنطقة الشرقية» وكان عمره ثمانية وعشرين عاماً. وقد وفرت للشيخ زايد هذه الثقة، الخبرة والدراية والحنكة في الحكم لأن «المنطقة الشرقية» ببلداتها وقراها وانتشار القبائل فيها وحولها وما يتبع ذلك من مشاكل وتداخل حدود مساحات القبائل إلى جانب وسائل العيش غير الكافية والمناسبة، كل ذلك هيأ الفرصة أمام الشيخ زايد ليقوم بتحمل أعباء مسؤولية أكبر من مسؤولية الحاكم في أبوظبي. ويمكن القول إن «المنطقة الشرقية» التي أصبح الشيخ زايد حاكمها الفعلي أخذت تقاسم مدينة أبوظبي الأهمية.
تمكن الشيخ زايد خلال فترة قصيرة من التعرف على كل ما يهم المواطن وأبناء القبائل تحديداً من خلال مجلسه المفتوح في قلعة الجاهلي أو حتى في ظل شجرة خارج القلعة يستمع، بل ويصغي إليهم بكل انتباه مهما كانت مشاكلهم أو شكواهم، عائلية أو شخصية أو ضيقاً مادياً أو مشكلة حدود بين قبيلة وأخرى، وأبعد من ذلك حالات ميراث أو طلاق، وكان يقدم لهم الحلول وأحياناً كثيرة الدعم المادي وفي بعض الحالات يأخذ رأي قاض أو قانوني ممن اعتادوا الحضور إلى مجلسه باستمرار.
يقول قائد كشافة عمان في العين أنطوني شبرد: (إن زايد أشهر شخصية في الإمارات المتصالحة، فقد اكتسب إعجاب البدو الذين يعيشون في الصحراء المحيطة بالبريمي وولاءهم).

قلعة الجاهلي
يمكن وصف مجالس الشيخ زايد في قلعة الجاهلي في العين بأنها مجال لممارسة الديمقراطية الصحيحة، حيث يأخذ كل ذي حق حقه ويعبر عما يريده دون أي حواجز بصورة تجسد أن المجلس هو بيت للجميع دون أي فرق، وهذا يعود إلى حسن معاملة راعي البيت لضيوفه ضمن مظاهر الطيبة والسماحة والعطاء والإحسان، تبعاً لشعور الوالد الحكيم في تصريف شؤون أبناء أسرته الكبيرة. ومما كان يلفت النظر في تعامله مع بعض الأمور روح العدالة الحقة بما يتفق مع أحكام الشريعة بعد استشارة كبار السن من العشيرة والحضور.
امتدت إدارة حكم الشيخ زايد لتشمل كل أنواع المهام والمسؤوليات خارج أطار العين بما فيها معالجة الأزمات والخلافات التي كان حاكم أبوظبي بعيداً عنها، وكانت تحتاج إلى ذهن متفتح وحنكة في سياسة التوفيق والمصالحة مهما كان الموضوع، وهذا يعكس جانباً آخر مشرقاً في شخصيته من ناحية الالتزام بنهج أخيه الحاكم والقيام عنه بالأعباء الكثيرة. كان زايد في إدارته وحكمه «المنطقة الشرقية» يعتمد الرفق والتسامح، بل والعطاء نحو الكيانات أو الوحدات السياسية المجاورة والقريبة من إمارة أبوظبي بهدف نبذ التفرق وتجاوز مسببات أي خلاف لإحلال الوئام والتعاون في جو أخوي مع محيطه.
وفي هذا المجال كان للشيخ زايد دور بارز في معالجة الخلافات الحدودية مع دبي عام 1948 بحضور أخيه هزاع، إلى جانب نجاحه في ذلك الوقت في تبديد الخلاف مع الإمارات الأخرى ومع السعودية وعمان وقطر، ومما لاحظه الجميع أنه لم يكن يعالج مشاكل الحدود بعقلية السياسي الذي يسعى إلى توسيع حدود أرضه ونفوذه، إنما بروح التسوية التي تحفظ حقوق الجميع وتحافظ على معاني الأخوة والاحترام.
و كان المسؤول الأول والأساس في تحديد الحدود البرية لإمارة أبوظبي بما يوضح اعتماد أخيه الحاكم عليه في الأعمال المهمة خاصة مشاكل الحدود التي كانت من أبرز السلبيات في تلك الفترة من حكمه المنطقة الشرقية. وفي المقابل كان شيوخ المنطقة يدركون أن في شخصية زايد الحكمة والكرم ونكران الذات ما يؤهله لأن يكون حكماً عدلاً ينحاز فقط إلى الحق الذي يتجاوزه أحياناً سماحة وإيثاراً منه لمصلحة الآخرين من جواره الأقربين إدراكاً منه للمصير المشترك. ومن أمثلة نهجه الأخوي في التواصل حول أمور مهمة رسالته إلى حاكم (مشيخة) الشارقة وفيها يقول:
(إلى حضرة الأخ العزيز الأكرم الأفخم الشيخ صقر بن سلطان القاسمي المحترم، حاكم الشارقة سلمه الله تعالى... السلام عليكم ورحمة الله وبركاته على الدوام والسؤال عن صحتكم ونحن لله الحمد طيبين..... كتابك الشريف وصل وتلقيناه مسرورين، وبالخصوص عن ما ذكرت لنا من جهة الحدود والديار بأنها واحدة وليس بيننا وبينكم تجويز. اعلم، سلمك الله، بأننا وإياك مثل ما تحسب إخوان، إلا أن الدولة قد طلبت منا العام الماضي أن نعين الحدود فيما بيننا وبني كعب واتفقنا مع بني كعب... من العقيدات جنوب وغرب للشمال ثم على الفاو والفقع إلى النخرة، وإذا جنابك لا توافق على ذلك فنحن مستعدون أن نتنازل على الذي يرضيك ويناسب لك، وباقي الجواب بلسان رسولك محمد بن علي السحيبي... والسلام مع كل لازم شرفونا).
إن روح زايد الأخوية في رسالة لترسيم الحدود إلى أخيه حاكم الشارقة أكدت علامة من بشرى المستقبل في لقاء الإمارات.
وها هي وثيقة رسم الحدود مع السلطان سعيد بن تيمور في شهر مايو من عام 1959 تؤكد الدور الأساس الذي كان يقوم به زايد مباشرة أو نيابة عن الحاكم أخيه الشيخ شخبوط، والتي كان منها اتفاقه مع السلطان سعيد بن تيمور سلطان مسقط وعمان والشيخ شخبوط بن سلطان حاكم أبوظبي وتوابعها بشأن حدود قبائل السلطنة.
وتصل هذه السياسة المنفتحة على مصالح الأشقاء ذروتها فيما بعد في توقيع الشيخ زايد بصفته حاكماً لإمارة أبوظبي على تسوية مشكلة الحيد البحري مع إمارة دبي في شهر فبراير عام 1968 علماً بأن هدف اللقاء الرئيس بالشيخ راشد كان دراسة وضع المنطقة بعد الانسحاب البريطاني وجاءت محصلته في إعلان الاتحاد بين إمارتي أبوظبي ودبي. ويسأل راشد أخاه زايد: كيف تعطيني هذه المساحة؟ ويجيبه زايد: نحن جسد واحد، وإذا أعطت اليد اليمنى شيئاً لليد اليسرى لن يضيع شيء.

إنجازات زايد في العين
لمس المواطنون من أبناء العين مدى قرب الشيخ زايد منهم من خلال لقاءاته بهم يومياً في مجلسه أو في أماكن وجودهم ومزارعهم ومناسباتهم الاجتماعية، أو حتى في الطرقات يحدثهم ويسألهم عن أحوالهم كباراً وصغاراً. وقد شغل نفسه في صميم حاجاتهم ومتطلبات النهوض بمستوى عيشهم، وهذا ما جعله يضع خطة زراعية فاقت كل توقع.
فقد وجه اهتمامه نحو التربة والمياه الجوفية وتنويع الزراعات، وهذا ما حدا به إلى صيانة الأفلاج القديمة، مما زاد من كميات مياهها مع حفر الجديد منها مثل فلج الصاروج الذي طور من كميات مياه الري بشكل كبير دفعه باتجاه تنظيم عملية الري بما يعود بالفائدة على أصحاب المزارع من المواطنين ممن كانت حصص مياه مزارعهم محدودة، ومما يتناقله أبناؤه وإخوانه بسرور واعتزاز أنه شارك في أعمال حفر وشق فلج الصاروج بيده الكريمة، أما فيما يتعلق بالتربة الزراعية فقد كان له السبق في شراء الأسمدة الزراعية من ماله الخاص وتوزيعها على أصحاب المزارع لدعم عملية الإنتاج من خلال تسميد التربة. ومن أجل تنويع المحاصيل في مزارع العين والمنطقة الشرقية استقدم مهندساً متخصصاً كان يدفع له من حر ماله حيث وضع دراسة علمية نجحت في تنويع المنتجات الزراعية بإعطاء المانجو وبعض أنواع الحمضيات.

التطوير في العين
كان الشيخ زايد يدرك أن مدينة العين بموقعها وعدد سكانها واعتمادهم على الأسواق المجاورة يتطلب إكمال الصورة التي يريدها لها، وهذا ما جعله يبني سوقا تجارياً فيها عام 1958 ضم خمسة وعشرين محلاً تجارياً على صفين متقابلين يفصل بينهما طريق مسقوف يخفف عن الناس حر الشمس. واللافت للنظر أن الشيخ زايد تحمل تكاليف بناء السوق بمبلغ مئة ألف روبية من ماله الخاص وأعطاها للتجار مجاناً للقيام بعملهم. وقد جذبت هذه السوق العديد من التجار من خارج إمارة أبوظبي مثل دبي والشارقة وبلدات سلطنة عمان وكانت لهم اتفاقات مع تجار سوق العين التي أصبحت أكثر ترويجاً للبضائع منها وقبلة للمستثمرين. كما عمل الشيخ زايد على تطوير سوق القطارة مما حول المواطنين عن الأسواق الأخرى. وفي مناطق الأفلاج ولوفرة المياه بنى أحواضاً ليستحم فيها أفراد العائلات.
وقد لاقت الجهود الخاصة التي بذلها الشيخ زايد لدفع عجلة التطوير في العين جل التقدير من المواطنين الذين اعتادوا أن يقدم لهم جديداً كل يوم. وجاء بناء قلعة المربعة شاهداً آخر على اهتمامه بأمن المنطقة الشرقية من خلال تخصيصها مركزاً للشرطة، كما جاء افتتاحه لأول مدرسة في العين عام 1957 ترجمة لما كان يدور في فكره حول أهمية التعليم في بناء الأمم، وأن الوطن لا يبنى إلا من خلال أبنائه المتعلمين. كذلك وجه الشيخ زايد اهتماماً ملحوظاً لإقامة وتطوير العديد من مرافق الخدمات الضرورية للمواطنين في مجال الصحة والطرق والبلدية والكهرباء وغيرها وبخاصة في عقد الستينيات من القرن الماضي.

المدرسة النهيانية
تسجل صفحات تاريخنا أن الشيخ زايد وهو يحكم العين و«المنطقة الشرقية» عموما كان يمارس المهام الصعبة فيها التي لم تعرفها مدينة أبوظبي الساحلية ذات العدد المحدود من المواطنين وعدم وجود قبائل وليس لها حدود مع إمارات أخرى كما كان عليه الحال في «المنطقة الشرقية» ويحتاج إلى تفاهمات مع الأشقاء لرسمها وتحديدها، كل ذلك كان دعماً لحكم أخيه الشيخ شخبوط حاكم أبوظبي.

6 أغسطس 1966.
في هذا اليوم شاءت إرادة الله أن ينتقل الشيخ زايد من موقعه في العين إلى مدينة أبوظبي حاكماً للإمارة ليتابع عملية البناء الشاملة التي تتناول الوطن والمواطن والسعي المخطط لإقامة دولة عصرية تتوفر فيها للمواطن كل مرافق الخدمات من مرافق السكن والصحة والتعليم وفرص العمل إلى جانب المرافق المدنية الحديثة من طرق وجسور ومطارات وموانئ وغيرها لتعويض المواطن عن سنوات الحرمان والترقب. جاء هذا الحدث بموافقة أخيه حاكم أبوظبي الشيخ شخبوط ومبايعة من آل نهيان ومباركة من أ‌بناء شعبه الذي كان ينتظر هذا اليوم بكل لهفة وترقب.
الحدث جاء ضرورة منطقية لإعادة رسم الخريطة الحضارية للمنطقة كلها ومواكبة متطلبات العصر الذي يعيشه العالم وكان على أبوظبي أن تأخذ نصيبها منه. كما أن الشيخ زايد لم يكن بعيداً عما تشهده منطقة الخليج العربي وأجزاء من الجزيرة العربية ودول عربية أخرى والعالم من أحداث. وكان قد اكتسب الحنكة السياسية والواقعية من تعامله مع المشاكل بين العشائر إلى جانب ما عرفه بكل دقة عن أحوال الإمارات الأخرى التي كانت تسمى المتصالحة من خلال مجلس التطوير الذي أنشأته بريطانيا عام 1965 بهدف مساعدة الإمارات الفقيرة على إقامة مرافق الخدمات الضرورية من عيادات ومدارس وماء وكهرباء وطرق ومساجد ومساكن حسب الضرورة. وقد تبين فيما بعد أن ما قدمه الشيخ زايد للمجلس كان مليوني جنيه، وهو بمثابة أربعة أضعاف ما قدمته بريطانيا، وهذا ما جعل حكام الإمارات يحفظون لزايد صورة مشرقة في قلوبهم ساعدت في مرحلة لاحقة على قيام الاتحاد.
وهنا لا بد أن نذكر بالتقدير وقفات جليلة من كبير آل نهيان الشيخ محمد بن خليفة وأبنائه جميعاً، وخاصة الشيخ مبارك بن محمد الذي كانت تشده إلى الشيخ زايد صداقة قوية، وجميعهم معه دائماً خلال حكمه للمنطقة «الشرقية»، وهو يدعم حكم أخيه الحاكم الشيخ شخبوط بكل ما أوتي من جهد وتدبير، إضافة إلى أنهم كانوا أول من بايعوه على قيادة مسيرة إمارة أبوظبي في يوم من أيامنا المشهودة.
كانت مدينة أبوظبي مبعث قلق للشيخ زايد لقلة عمرانها وضعف اقتصادها وقلة ما بيد أهلها، إلى جانب حاجتها إلى الخدمات الأساسية من ماء وكهرباء وطرق ومساكن وأسواق ومستشفيات وعيادات ومدارس وغيرها، والأهم من هذا كله عدم وجود دوائر حكومية. ويلخص الشيخ زايد طبيعة ما كانت عليه أبوظبي في حديثه عام 1968 مع الكاتبة الكويتية هداية سلطان السالم التي استقبلها في أ‌بوظبي بقوله:
(أنا أشعر أن وقتي ملك لشعبي، وأن هذا البلد الذي عاش مغموراً فترة طويلة من الزمن من حقه أن ينعم بالمدنية الواعية. لقد استلمت الحكم من سنتين وطيلة هذه المدة وأنا أجد وأسهر على أمور رعيتي، وبابي مفتوح لكل مواطن، ولا يسعدني أكثر من أن أرى بلادي تحقق التقدم، وأن أرى الإنجازات تتم في كل مكان منها. إنني أريد أن أعطي لشعبي ولوطني كل شيء.. أن أبنيه وأسابق الزمن. إنني أريد أن أرى في بلادي جيلاً معافى واعياً ومثقفاً ويضطلع بدوره في بناء وطنه وفي مواصلة الزحف من أجل السعادة والرخاء، فالأوطان السعيدة تبنيها الشعوب السعيدة).

قصر الحصن في الستينيات
قالت الكاتبة هداية سلطان السالم حينها: إن إمارة أبوظبي بقيادة عظمة حاكمها تختصر الزمن لتحقق نهضة حديثة ومباركة. وليس أحب إلى قلب عربية أن ترى كيف يصنع المخلصون المستقبل وكيف يقهرون الطبيعة القاسية ويكيفونها من أجل شعب سعيد في وطن سعيد
عنوان كان بمثابة شهادة عربية صادقة كتبها الرئيس المصري جمال عبد الناصر كتأشيرة على تقرير أعده الإعلامي سعيد عمارة الذي أوفده إلى أبوظبي في مهمة رسمية للتعرف إلى الشيخ زايد وإعداد تقرير رسمي عن الاجتماعات التي يعقدها حكام تسع إمارات في منطقة الخليج العربي بهدف إقامة اتحاد فيما بينهم استباقاً للانسحاب البريطاني مع نهاية عام 1971.
وقد التقى الإعلامي المصري بالشيخ زايد يوم 7 يوليو 1968 في فيلا رحبة للشيخ مبارك بن محمد آل نهيان في موقع قريب من مول الخالدية في أبوظبي الحالي، حيث استغرق اللقاء أكثر من ساعة تحدث فيه الشيخ زايد عن تنمية وتطوير إمارة أبوظبي في دولة حديثة وتعويض الشعب عما عاناه من حرمان وقاساه من تخلف وضيق العيش. كما تناول الشيخ زايد في حديثه مشروع جمع شمل منطقة الخليج في كيان اتحادي قوي من الإمارات مع الانفتاح على الأمة العربية والعالم.
وفي اليوم التالي رتب أحمد خليفة السويدي بطلب من الشيخ زايد طائرة حملت الإعلامي المصري إلى مدينة العين ليخرج بانطباع راسخ عن أن الشيخ زايد قائد في كل مجال.
وبعد رجوعه إلى القاهرة أعد تقريراً عن مهمته التي استغرقت أسبوعين من 14 صفحة وقدمها للرئيس المصري الذي أحالها إلى مكتب وزير الثقافة والإرشاد القومي وقد أشر عليها بعبارة مولد زعيم في الخليج.
وقد انطلق الشيخ زايد بعزيمته وحكمته وعطائه وفق برامج وخطط إلى تأسيس الدوائر الحكومية المتخصصة وإصدار الميزانية اللازمة بمبلغ 230 مليون جنيه استرليني للصرف على المشاريع المختلفة كمصنع الألبان ومصنع علف الحيوان بهدف تنمية الثروة الحيوانية إلى جانب إقامة مصنع للإسمنت بطاقة 75 ألف طن سنوياً ومحطة للطاقة بقوة 69 ميجاواط. وتضمنت الخطة الخمسية التي تمتد لعام 1973 إنشاء محطة للتجارب الزراعية وثلاث مدارس ثانوية وست مدارس ابتدائية موزعة على عدة جزر. ولا بد من الإشارة إلى مدى اهتمام الشيخ زايد بالجانب الصحي حفاظاً على مواطنين أصحاء يساهمون في بناء وطنهم، وقد تضمنت الخطة الخمسية تطوير المستشفى الوحيد بزيادة عدد أجنحته مع الشروع في بناء مستشفى جديد بمئتي سرير. كل هذا إلى جانب بناء الميناء وتحسين شبكة الطرق وإقامة ثلاثة آلاف مسكن لذوي الدخل المحدود. ويأتي مع أولويات ذلك كله وضع أسس بناء الإنسان المواطن الجديد مع توفير الأمن والاستقرار.
لعل أبلغ دلالة على نهج الشيخ زايد الذي يتسم بالحكمة، وبعد النظر عندما التقى أخاه الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم في شهر فبراير عام 1968 واتفقا على الاتحاد وفق ما سمي إعلان دبي، فقد قام الشيخ زايد بالموافقة على تسوية الحيد البحري بين أبوظبي ودبي بشكل نهائي.

زايد وراشد
تعيدنا هذه المبادرة الأخوية إلى أمثالها في تعامله مع الإمارات والوحدات السياسية وسلطنة عمان في تحديد الحدود معها وفيها كان الشيخ زايد حريصاً على ألا يتفاوض في هذا الأمر من منطلق السياسي الذي يساوم ليأخذ، بل على العكس من ذلك لأنه يؤمن أن العلاقات الأخوية هي المعيار الحقيقي للقادة الذين يعملون على تقريب البعيد وإزالة كل ما هو غريب، وهذا كان نهجه فيما بعد في رسم حدود الإمارات مع السعودية وعمان.
ومن واقع متابعته شخصياً لمصادر الأخبار المقروءة والمسموعة لمتابعة أحداث العالم واهتمامه بنقل صوت وصورة أبوظبي كبلد متطور له شأنه على كل الأصعدة الخليجية والعربية والدولية أطلق الشيخ زايد عام 1968 إذاعة أبوظبي في افتتاح حضره الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة أمير البحرين، رحمه الله. وبعد عام واحد وتحديداً في ذكرى عيد الجلوس الثالث في السادس من أغسطس/‏‏‏‏‏‏ آب عام 1969 افتتح الشيخ خليفة بن زايد ولي العهد آنذاك تلفزيون أبوظبي رافداً حياً لإعلامنا في نقل صور الأحداث بين أبوظبي والعالم، تبع ذلك في شهر أكتوبر من العام نفسه البدء في صدور صحيفة الاتحاد عاملاً أساسياً في مسيرة الإعلام في أبوظبي، ثم في دولة الإمارات مع قيام الاتحاد، وكان صدور الصحيفة أسبوعياً وتحولت إلى الإصدار اليومي عام 1972 بطلب من الشيخ زايد مع زيارة الرئيس السوداني جعفر النميري لدولة الإمارات.
وعلى جانب آخر، بذل الشيخ زايد قصارى جهده لبناء أفضل العلاقات مع دول الجوار في الخليج العربي والأشقاء في الوطن العربي ومد يد العون للشقيق والصديق، والسهر على راحة المواطن أينما وجد، وهذا ما جعل الشيخ زايد يتوجه نحو شريحة كبرى من أبناء إمارة أبوظبي، وهم بدو الصحراء، حيث أقام لهم مدناً وقرى حديثة توفرت فيها كل مرافق الخدمات كما هي في مدن الدولة وحاضرها تنتصب فوق رمالها التي أصبحت خضراء أكثر من مائتين وخمسين مليوناً من أشجار البيئة. وهكذا تمكن الشيخ زايد من بناء أبوظبي الحديثة المتطورة التي جعلها العنصر الأول من رؤيته بكل مرافقها وخدماتها وصروحها العلمية والثقافية والصحية والاجتماعية والاقتصادية والتكنولوجية، مع وصول المرأة إلى قمة ما أراده لها.
وها هي ذي أبوظبي عاصمة إمارات الخير وقلبها النابض وقد اكتملت صورتها الحضارية في أرجاء العالم بقيادة صاحب الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، وبمتابعة حثيثة من صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة بشكل يضعنا أمام صورة رائعة مماثلة في متابعة الشيخ زايد في العين والمنطقة «الشرقية» لشؤون حكم أخيه الشيخ شخبوط على مدى عشرين عاماً.
وفي مسيرة حكم الشيخ زايد لأبوظبي منذ شهر أغسطس عام 1966 وتفرغه لإقامة دولة عصرية ورئاسته لدولة الإمارات طوال سنوات عمره في مبايعة دائمة من شعبه ومن أعضاء المجلس الأعلى للاتحاد بشكل ندر مثيله في العالم، برزت تطورات على ساحة الأحداث كان هو في قلبها محلياً وخليجياً وعربياً وعالمياً، حيث أعطته الفرصة ليتابع من خلالها تحقيق رؤيته الثلاثية الثاقبة في إقامة أبوظبي المتقدمة، وتوحيد الإمارات في دولة واحدة، ولقاء دول الخليج العربية وفق أي كيان أو مسمى. ومن هنا نصل إلى حقيقة راسخة في أن الشيخ زايد كان زعيماً (صنع التاريخ) لشعبه في الإمارات ولأمته العربية والمجتمع العالمي في بعض قضاياه الساخنة إلى جانب البعد الإنساني، وهذا سبب مبايعته الدائمة واستمرارية بصمات عطائه في كل مجال ومكان حتى الآن.