الملحق الثقافي

أفول التعالي أو ليل العالم

محمد سبيلا

بدأت وتيرة تطور التاريخ العالمي منذ منتصف القرن التاسع عشر تتسارع بالتدريج، بموازاة التطور العلمي والتقني والصناعي الذي شهدته البشرية المتقدمة.
وقد صاحب التحولات العلمية/‏‏التقنية تلاطم موجات ثقافية وفكرية لا تقل تسارعاً وتغيراً بالنسبة لنا نحن العرب، كما بقية شعوب التلقي والمشاهدة، وجعلتنا من أبرز ضحاياها. ولذلك اختلط علينا المشهد، وأضفنا إلى صدمة الحداثة صدمات الوعي بها. فما أن تستقر علينا موجة حتى تلطمنا موجات أخرى.
اليوم نحن العرب نعيش -على الأقل ثقافياً- في حالة «دوخة» تجاه تلاطم موجات الحداثة وما بعد الحداثة، فلا نكاد نميز إحداها عن الأخرى، خاصة أن هذه الموجات تطال كل مستويات الوجود الاجتماعي: التقنية-الصناعة-المعمار-الفن-الثقافة-الفكر...
انطلق نقاش موسع حول ما بعد الحداثة مع صدور كتاب «الشرط ما بعد الحداثي» الذي ربطها بأفول صدقية الحكايات الكبرى التي كانت تسند الخطاب الفلسفي للحداثة، والتي فتحت النقاش حول إمكان نهاية الحداثة والدخول في طور حضاري جديد لم تتحدد ملامحه بعد، لكن سمته الأساسية هي حالة الخروج والانفصال عن الحداثة والدخول في طور تاريخي جديد.
وقد متح هذا التوجه النقدي من ثراء فكري خلقه نيتشه ثم هيدجر، ساهم فيه فلاسفة كبار: هابرماس، رورتي، فاتيمو. كما نهل من مدرسة فرنكفورت التي كانت قد ساهمت في نقد الحداثة التقنية والعقل الأداتي، وأحادية بعد المجتمع التقني المعاصر، ثم اندرج فيه الفلاسفة الفرنسيون، فوكو دولوز ديريدا، في نقد العقل كقوة سيطرة، ونقد بشائر الأنوار بالحرية والتحرر، وحدود النزعة الإنسانية وحدود الذاتية.
أهم الفلاسفة الذين انبروا للدفاع عن الحداثة، مع الموافقة جزئياً على كل الانتقادات الموجهة إليها، هو هابرماس الذي ظل متمسكاً بالدفاع عن الحداثة والعقل، باعتبار أن الأخير يظل هو أداة التحرر الأساسية التي لا يجب التفريط فيها مع تعديل يتمثل في نقد الذاتية وفلسفة الذات الكامنة وراءها، مرجعاً التعثر والخلل إلى عوامل ثقافية وفكرية، أهمها فلسفة العقل والذات وتصورها الحصري للعقل، مقترحاً تصوراً جديداً للعقل يتمثل في التواصل والحوار.
البئر الفلسفي الذي تمتح منه جل تيارات نقد الحداثة هو نيتشه الذي كان سباقاً إلى نقد مثالب الحداثة. فهو قد انتقد العقل والعقلانية باعتبارهما أساساً للحداثة، وانتقد تحول العلم إلى إيديولوجيا ذات ملامح ميتافيزيقية ودينية، وانتقد انسخار العقل في خدمة سلطة المال، وانتقد انتقاص الحداثة من قيمة الماضي، وتضخيمها لمقولات التطور والتقدم، كما انتقد الديمقراطية الحديثة باعتبارها حكم الرعاع والعبيد وهيمنة العوام والقطعان الأنتروبولوجية الواهمة، وانتقد الثورة الفرنسية باعتبارها سليلة المسيحية وانتصاراً للعبيد، مثلما انتقد الاشتراكية باعتبارها حسداً صريحاً، كما انتقد الدولة باعتبارها مسخاً هائلاً جليدياً.
الحداثة في منظور نيتشه الفلسفي هي سيادة العمومية والعقلانية الاستبدادية، وهيمنة العدمية من حيث هي تنامي الشعور باللامعنى والفراغ والعبث، وهي عنده في النهاية منحدر وانحطاط يجسد أمراض الإنسانية الأوروبية.
اللحظة الفلسفية الثانية في نقد الحداثة تمثلها فلسفة هيدغر التي هي فلسفة لا تخلو من نفس نيتشوي، كما أنها فلسفة عمقت النقد الفلسفي للحداثة مما جعلها أرضية مرجعية ملهمة لما بعد الحداثة. فالتاريخ الأوروبي، والتاريخ الإنساني في نظر هيدجر ليس صعوداً في مدارج التقدم بل انحدار في مدارج الانحطاط (Verfall) والتيه (Irre).
الانحطاط الذي يتحدث عنه هيدغر هو «الانحطاط الروحي» أو «ليل العالم» وعلامته الرئيسية هي «هروب الرموز الدينية الكبرى»، أو ما كان قد عبر عنه نيتشه بـ«أفول التعالي»، وهي سيرورة متعددة الأضلع أولها تليّل (من الليل) أو انظلام (من الظلام) العالم، ووجهها الثاني متعلق بالإنسان ويتمثل في قطعنة أو تقطعن (من القطيع) (gregarisation) الناس وسيادة العمومية (الرأي العام، والحس المشترك) والجماهيرية (في الذوق والثقافة) والتماثل، وتفاهة الحديث اليومي، وعبادة الأبطال في مختلف المجالات، واحتقار الإبداع والتميز...
ورغم أن هيدغر ينبه عدة مرات إلى ضرورة عدم الوقوع -من جديد- في تصور غائي، تيولوجي للتاريخ، فإن تصوره للتاريخ يعود ليقترب من التصور الذي يحذر منه، والذي يجعل التاريخ متجهاً حتماً وضرورة نحو غاية محددة يلخصها مبدأ اسكاتولوجي هو التصور القيامي للكينونة.
أفكار هيدغر السوداوية هاته هي تعبير عن لحظة (ابتدأت مع نيتشه) خضعت فيها الحداثة لمراجعة فكرية نقدية عميقة لتعثراتها ولتناقض سيرورتها مع وعودها، وللعنف وللحروب التي رافقتها (الحرب العالمية الثانية).
هناك ثلاثة معالم فكرية كبرى شاهدة (مشاهدة وإشهاداً) على تطورات الحداثة الأوروبية في قرونها الأولى. فهيجل هو الشاهد الكبير على الحداثة في مراحلها الظافرة الطافحة بالبشائر والوعود والانتصارات.
التاريخ في نظر هيجل سيرورة وصيرورة. سيرورة يحكمها العقل وصيرورة تتوجه نحو غاية. وحتى عندما يبدو لنا في الظاهر أن أحداث التاريخ بلا معنى أو منافية للعقلانية فهذا مجرد خداع أو وهم يعبر فقط عن مكر العقل، فهو سيرورة تتقدم من بداية إلى غاية، وتحقق تدريجياً مقولة التقدم.
ومن حيث إن هيجل ونيتشه متعاصران ومتلاحقان (الأول توفي سنة 1831 والثاني توفي سنة 1900)، فإن أولهما يعبر بتفاؤل عن تطور الحضارة الغربية وعقلانيتها الصاعدة، والثاني يعبر عن لحظة أزمة وتعثر مفصلي سيبلغ مدى أقصى في أواسط القرن العشرين مع الحرب العالمية الثانية بألفاظ أكثر تشاؤماً واكتئاباً، وسيعتبر أن مسار التاريخ هو خطوة إلى الأمام وخطوة أو خطوات إلى الخلف.
هذا التراث الفكري الضخم والثري لكل من نيتشه وهيدغر سيصبح تراثاً مرجعياً لجل تيارات «ما بعد» الحداثة.