الاقتصادي

البنك المركزي.. أهم عناصر الحكم في البرازيل

حسونة الطيب (أبوظبي)

تعدد الفضائح السياسية، وعدم المقدرة على إحراز أي تقدم يُذكر في إصلاح نظام المعاشات، وارتفاع معدلات البطالة، عوامل تضافرت لجعل البنك المركزي البرازيلي، أهم عنصر يحكم قطاعي المال والاقتصاد في البلاد.
ولولا البنك المركزي وقوى خارجية، لعادت البرازيل هذه السنة لدائرة المشاكل مرة أخرى، وركود أكثر حدة.
وبنك البرازيل المركزي، هو السلطة النقدية الوحيدة في البلاد، الصفة التي اكتسبها منذ تأسيسه في ديسمبر 1964 من ثلاث مؤسسات، مكتب العملة والائتمان وبنك البرازيل والخزينة الوطنية.
قبل بداية القرن العشرين، نما وعي في البلاد بأهمية وجود بنك لإدارة البنوك، له سلطة إصدار الأوراق المالية، وينوب عن الحكومة في أداء دورها المصرفي. وتعود الحاجة لمؤسسة مالية لتنسيق النظام النقدي في البرازيل للعام 1694، عند إنشاء هيئة سك العملة. وبرزت فكرة بنك يلعب دور البنك المركزي والتجاري في وقت واحد، في العام 1808، تمخض عنها إنشاء بنك البرازيل في نفس العام. وتشعبت مسؤوليات هذا البنك، من دوره كبنك مركزي وجهة للإيداعات وعمليات والخصم وإصدار العملة، فضلاً عن بيع المنتجات الحصرية لإدارة الدولة والعقود الملكية. ويفسر الدور المزدوج لبنك البرازيل، الأسباب التي دعت لتأجيل إنشاء بنك البرازيل المركزي.

مجاراة التطور العالمي
وبعد سنوات قليلة، وضح أنه من الضروري، إيجاد نظام يمكّن البلاد من مجاراة التطور العالمي في القطاعين المالي والاقتصادي.
ومع ذلك، لا توجد أي مؤسسة لإدارة العرض النقدي حتى العام 1945.
وبينما يقوم بنك البرازيل، بكافة واجبات السلطة النقدية، أصدر جيتيوليو فرجاس، مدير البنك في ذلك الوقت، قراراً بإنشاء الرقابة العليا للعملة والائتمان. وتقع على عاتق هذه المؤسسة، إدارة السوق المالية غير المنظمة ومحاربة التضخم، بجانب الاستعداد لإنشاء البنك المركزي. كما يترتب على هذه المؤسسة، تحديد متطلبات الاحتياطي للبنوك التجارية ونسبة الخصم والمساعدة المالية في حالة عدم كفاية السيولة النقدية، بالإضافة لتحديد سعر الفائدة للإيداعات البنكية. وفي ديسمبر 1964، تمت المصادقة على القانون 4595 القاضي بإنشاء البنك المركزي البرازيلي كوكالة اتحادية وجزء من النظام المالي الوطني.
وباشر البنك نشاطاته في مارس 1965، حيث تنص الفقرة 65 على سريان قانون 4595، بعد 90 يوماً من نشره.
وبقيام البنك، تم تحديد الآليات القانونية للسماح له ليعمل كبنك لكافة البنوك الأخرى.
وفي العام 1985 -86، حددت إعادة تنظيم القطاعات المالية الحكومية، الحسابات والمسؤوليات، بين بنك البرازيل المركزي وبنك البرازيل والخزينة الوطنية في شكلها الجديد، بهدف التحكم التدريجي في الميزانية الاتحادية ككل وشؤون التمويل المالي. ويعكس مبنى البنك المركزي البرازيلي الرئيس، الذي تم افتتاحه في العام 1981، تطور الاقتصاد البرازيلي الذي ليس له مثيل خلال العقود القليلة الماضية، ممثلاً في الاستقرار المالي والتحكم في معدلات التضخم. ويقف البنك تحفة فنية رائعة في برازيليا، يمكن مشاهدتها من كافة نواحي المدينة.

تسعير اليوم الواحد
ومن بين أهم آليات السياسة النقدية البرازيلية، سياسة تسعير اليوم الواحد للبنك المركزي البرازيلي التي يطلق عليها اسم «سيليك». وينشط البنك، في الارتقاء بسياسة الإدماج المالي، حيث يعتبر واحداً من الأعضاء البارزين في «حلف الإدماج المالي». كما أنه واحد من أهم 17 مؤسسة تنظيمية تقوم بالتزامات وطنية تجاه الادماج المالي بموجب «توجيه مايا»، خلال منتدى السياسة العالمية الذي انعقد في المكسيك في 2011. ويقع على عاتقه أيضاً، الإشراف على نشاطات البنوك التجارية وتسيير سياسة النقد الأجنبي وتمثيل البلاد أمام المنظمات المالية العالمية.
وفي غضون ذلك، يعمل بنك البرازيل، كبنك للحكومة يقوم بالإشراف على التجارة الخارجية وتلقي الودائع الإلزامية والاختيارية من البنوك التجارية وتنفيذ الصفقات التجارية التي تتم بالعملات الأجنبية، والعمل نيابة عن المؤسسات العامة والخزينة العامة الوطنية. وينبغي إدراك أن إدارة الميزانية الاتحادية، والنشاطات المالية الأخرى، تعود لوزارة المالية والبنك المركزي وبنك البرازيل.
ويرتبط البنك مباشرة بالحكومة من خلال وزارة المالية وهو عضو في النظام المالي الوطني. كما أن البنك منوطاً به، الإشراف على البنوك التجارية والبنوك ذات الأغراض المتعددة وبنوك التنمية والائتمان والتأمين وشركات الاستثمار والمؤسسات العقارية والمضاربة في السندات والأوراق المالية وشركات التوزيع وجمعيات الادخار والقروض وغيرها. يتجه بنك البرازيل المركزي، نحو تبني المعايير الحسابية العالمية التي أصدرها مجلس المعايير الحسابية العالمية، المؤسسة الخاصة غير الربحية في لندن، والتي تعمل بهدف التنسيق بين القوانين الحسابية.
ويساعد تبني هذه المعايير، في تسهيل مقارنة كشوفات حساب البنك المركزي البرازيلي، ما يوفر فهم أفضل لعمليات البنك بالنسبة للجهات الخارجية.
كما يدعم ذلك، مصداقية البنك في الخارج، خاصة أن البنوك المركزية تقوم بعمليات معينة لا تخضع لقوانين المعايير الحسابية، ما يعني حاجتها لطريقة محددة في التعامل.
وللتعامل مع مثل هذه الحالات، يخطط المركزي البرازيلي، الوضع في الاعتبار، أفضل الممارسات الحسابية المتبعة في بنوك مركزية أخرى. ويجد العمل الذي يقوم به مجلس المعايير الحسابية العالمية، الدعم من منظمات عالمية مختلفة مثل، البنك الدولي وصندوق النقد الدولي وبنك التسويات الدولية، التي تشجع المؤسسات والجهات التنظيمية حول العالم لتبني هذه المعايير. ويمضي تنفيذ هذه العملية في أرجاء العالم كافة.

استقرار القوة الشرائية
وتتلخص مهمة بنك البرازيل المركزي، في التأكيد على استقرار القوة الشرائية لعملة البلاد ونظام مالي يتميز بالقوة والكفاءة العالية. وبتنفيذه لمهامه المختلفة، يعتبر البنك في ظل عمله المستقل وجودة منتجاته وخدماته والخبرة الكبيرة التي يتمتع بها موظفوه، مؤسسة غاية في الأهمية بالنسبة لاقتصاد البرازيل واستقرارها المالي وللتنمية المستدامة، وتوزيع أكثر نزاهة للدخل بين أفراد الشعب.

إصدار العملة
وتقوم هيئة سك العملة المؤسسة المملوكة من قبل الحكومة، بسك العملة منذ العام 1969، حسبما هو محدد بالقانون.
وتصدر الهيئة الأوراق المالية والعملات المعدنية، بإيعاز من البنك المركزي.
وعند إصدار نسخ جديدة من الأوراق المالية أو العملات المعدنية، يتم ذلك على ضوء الاتفاق بين الطرفين، مع الوضع في الاعتبار القضايا التي تتمخض عن متطلبات تداول العملة والتكلفة، وسلامة العملة في وجه عمليات التزوير. كما لا تغفل عملية إصدار العملة، القيمة الثقافية والكينونة الوطنية. ويخضع إصدار العملة لموافقة مجلس هيئة سك العملة ومجلس النقد الوطني.
وتتضمن تدابير أمن وسلامة العملة، ضرورة تحليل عمليات التزوير الراهنة والمحاولات السابقة، للتعرف على نقاط الضعف ومعالجتها، فضلاً عن الوضع في الاعتبار، توجيهات مؤسسات كبيرة مثل الانتربول وتجارب بنوك مركزية أخرى.
وقسم إدارة العملة من مقره في ريو دي جانيرو، هو المسؤول عن تحديد مواعيد طلبيات السيولة، التي ينبغي المحافظة على مخزونها عند المستوى الذي يكفي طلب الأوراق المالية والعملات المعدنية، نتيجة لنمو المعروض النقدي، واستبدال العملات التالفة، وإعادة بناء المخزون الأمني.
وللعب الدور المصرفي للبنوك الأخرى، يتلقى المركزي البرازيلي، إيداعات «احتياطيات» البنوك الأخرى، في حين يقوم بدور الدائن النهائي وسن القوانين والإشراف على وتوفير الأنظمة لعمليات تحويل الأموال وتسوية الالتزامات المالية.
وفي ظل علاقته مع المؤسسات المالية، يقدم البنك خدمات وينفذ عمليات مثل، المحافظة على حسابات لإيداع الاحتياطي الإجباري والاختياري للنظام المالي «حساب الاحتياط المصرفي وحساب التسوية».
وتقديم الائتمان للمؤسسات التي تحتاج لسيولة مؤقتة، والتدخل عند المشاكل الكبيرة، بجانب عمله كمراقب لنظام الدفع البرازيلي والمشغل لنظام تحويل الاحتياطي.

استقرار وكفاءة وتطوير النظام المالي تتطلب مجموعة من المعايير والإجراءات الملائمة
يتسم دور البنك كأداة مصرفية للحكومة بعلاقة وطيدة مع إصدار العملة، الصفة التي منحتها الحكومات للبنوك المركزية، مقابل الالتزام بتزويدها بالقروض متى ما دعت الضرورة لذلك.
ويعتبر البنك الآن، الممثل المصرفي الوحيد للحكومة، حيث يحتفظ بأكثر حساباتها أهمية، ويشارك بقوة في إدارة تدفقات سيولتها النقدية، بجانب أنه المدير الاستثماري لاحتياطات الدولة في الخارج.
يعتبر تركيز معظم العمليات المصرفية الحكومية، في البنك المركزي، مهم للعلاقة الوثيقة بين الميزانيات العامة وسيولة البنك النقدية وأسواق المال. وبما أن الحكومة هي العضو الاقتصادي، حيث أعلى العائدات والمصروفات، فينجم عن النشاطات المالية مع هذه السيولة النقدية، حركات موسمية لها مقدرة كبيرة على تغيير الإيداعات المصرفية القائمة والائتمان.
وبموجب ذلك، تُعد إدارة البنك المركزي لحسابات الخزينة مهمة للغاية، لتنظيم الائتمان والمجموع النقدي الكلي.
وفي وظيفته كمشرف على النظام المالي، يتطلب استقرار وكفاءة وتطوير النظام المالي، مجموعة من المعايير وإجراءات ملائمة، بجانب ضرورة رقابته.
وفي العديد من الحالات، تقتصر مسؤولية الرقابة على المؤسسات المالية، على البنك المركزي فقط، بينما يعهد بها في بعض الحالات لمؤسسات مالية مستقلة. عادة ما يبدأ تنسيق النظام المالي، من خلال تقييد عدد المشاركين.
ويمتد التقييد في هذه الحالة، من المتطلبات التي تتعلق بجودة الإدارة، ومنها للحد الأدنى لرأس المال ثم لتطبيق معيار الضرورة أو التناسب الاقتصادي، الذي يرمي به البنك، لتفادي الفائض في عدد المؤسسات المالية وتركيزها.
ويشير عنصر آخر من عناصر التنظيم، للسيولة المطلوبة من المؤسسات.
أما القيود المفروضة على نوع النشاط الذي يمكن أن تقوم به المؤسسات المالية، فهي جزء من النظم المعمول بها في عدد من الدول الأخرى حول العالم. ويقدر عدد المؤسسات المالية التي وافق لها البنك المركزي البرازيلي بمزاولة النشاط، نحو 1812 وذلك حتى أكتوبر 2016، بجانب 22578 وكالة للخدمة المصرفية والآلاف من محطات الخدمات الإلكترونية.
كما ترصد رقابة البنك أيضاً، مؤسسات مالية في الخارج تتبع لبنوك برازيلية في 33 بلداً.
وبالإضافة لما سبق من أدوار مُوكلة للبنك المركزي البرازيلي، يقوم البنك بتقييم الضوابط الداخلية لكل مؤسسة مالية تخضع لرقابته، بهدف التصدي للتجارة المالية غير المشروعة، وغسيل الأموال وتمويل الإرهاب.
ويكمن الهدف من الرقابة، في التأكد من ملائمة وجودة الإجراءات المطبقة، لمنع استغلال النظام المالي في ممارسات غير قانونية ولضمان الالتزام بالقانون واللوائح.
وعلى مر تاريخ البنك، يجدر بالذكر أنه تعرض لحالة سرقة واحدة في فرع مدينة فورتاليزا، حيث نجح أفراد العصابة في سرقة 68 مليون دولار في 2005، دون التمكن من إلقاء القبض عليهم حتى يومنا هذا.