الملحق الثقافي

إغواء المتاهة

المتاهة امتحان الرواية الدائم الخطورة.
***
بدل أن تهدر طاقتك في الخروج كيفما اتفق من المتاهة، التفت إلى ما هو أهم من ذلك، أن تكتشف تصميمها الشيطاني من الداخل.
***
أن تتطابق حياتك مع المتاهة، ويدلّ  كل واحد منكما على الآخر، هذا هو الصوت المرعب الذي ظلّت المكتبات تهسْهسُ  به لك في كل كتاب لعين.
***
لا جسارة في الهروب من المتاهة، وهو هروب غير ممكن في كل الأحوال، إنما الجسارة في مجابهة قدريتها المميتة، لا كما فعل ثيسيوس بمصارعة وحش المينيتور، بل إن تصنع متاهتك الخاصة، تلك الراقدة خيوطها تحت حجر منسي في خيالك. مجابهة القدر القاتل لكل متاهة كامن في قدرة خيالك على السفر خارجها باستمرار. هذا السفر ممكن عندما ينصرف خيالك إلى ابتكار متاهاته على نحو خاص للتأكيد، وليس للتكرار. لا على سبيل محاكاة المتاهة الأصل، وهي مجهولة الخرائط على كل حال، بل على سبيل الزجّ بخيالك في الخطورة الحَرِية به.
***
الطريقة الوحيدة لترويض وحش المتاهة، كامنة في الموسيقى.
***
توهمنا الأمكنة بالتنوع والاختلاف، الحقيقة المرعبة أنها تتشابه على نحو تراجيدي ضمن لعبة سوداوية محكمةٌ دواليبُ متاهتِها الإنسانية.
***
ما أن تتخطى طفولتك، تنزلق مباشرة إلى شرك المتاهة، لا خلاص من متاهة إلا في أخذها على محمل عبث طفولي دائم.
***
المتاهة والزمن صنوان، حيث ينعدم الزمن تنعدم المتاهة، إننا تراجيديون على نحو متاهيّ بسبب اختراع هذا الشيء المرعب المسمى : الزمن .
***
ليست المتاهة عقاباً دوماً، قد تكون مسلّية وممتعة طالما كانت نُزهة في حلم.

***
كل شيء هنا يرتهن إلى المتاهة، الوجود واللغة والإنسان والفن ... هل هذا يعني أنها قدر لئيم ... أخطر من ذلك، هذا يعني أنها حلم شخص نسي أن يستيقظ من منامه.
***
كلّما كنّا متاهيّين، كلّما كنا أكثر إنسانية، يقول ميشيل تورنييه، كأنه درس فرعوني تردّده رياح المتوسط بأفزع الأصوات.
***
كل خروج من متاهة، هو دخول ضمني في متاهة أخرى، وعلى هذا النحو تتناسل وتستفحل دوائرها العجائبية والمفزعة... حرِيٌّ بك أن تضاعف من الدخول في غرفها ولو إلى ما لانهاية، ليس ابتغاء الخروج، وهو أمر مستحيل، وإنما بحثاً عن إيقاعها السري، الخفي. القبض على الإيقاع، هو الإمساك بروحها الشريرة.
***
أن تصنع متاهة، وتسقط في فخّها كما حصل للمهندس الإغريقي ديدالوس، ذلك هو الشر الخطير الكامن في الفن، أغلب الفنانين لا يدركون سره، ومتى أدركوه اكتشفوا أنهم مجرد أشباح  لشيء ابتكروه.
***
لا قيمة لمدينة ليست في الواقع محض متاهة، لا معنى لمتاهة ليست في الواقع محض حلم.
***
ثمة متاهات نسيت مفاتيحها في جيوب أغبى ساكنيها.
***
ليس هناك أفدح من أن تزجّ بأعمى في متاهة.
***
من لا متاهة له، لا سؤال له . من لا سؤال له لا فن له. من لا فن له، لا متاهة له.
***
تتحول المتاهة إلى أعظم قصيدة على نحو فاتن عندما يتماهى شكلها مع جمال امرأة غامضة ومريبة.
***
ما تخشاه كل متاهة هو أن تستعمل خيالك وتجازف به خارج الحدود المرسومة.
***
في كل متاهة يرابط وحش المينيتور في صلبها. المبدأ الشائع في كل أسطورة هو أن تصارعه وتقتله قبل أن يفتك بك... ليس هذا ما يؤرق الفنان، ما يؤرقه فعلا، هو أن لا يتحول الفنان ذاته إلى وحش مينيتور.
***
كل متاهة هي مسألة بوليسية في العمق، ما أقل الذين يتحرّون أو يحقّقون في ملابسات «الجريمة البكر» ، في غموضها الخارق.
***
الاصطدام بالمتاهة بفعل النزوع الدائم إلى التحرر منها لا جدوى منه، إنما التحرر يبدأ باكتشاف المتاهة المنسية في أعماقك، من هنا تبدأ اللعبة.
***
لا يعدو رسمنا لمتاهة أو تخطيطها أن يكون رسما لخطة الجريمة الكامنة في تخييل أسمائنا.
***
ما خطَّهُ رجل الكهف على جدار المغارة، يتكرّر في كل فن هنا بصورة من الصور... أن تجرح حائط المتاهة وتكتب عليه بطريقة رجل الكهف، يجعل المتاهة تمتحن معنى وجودها في خيال مهندسها.. ما تجرحه على حيطانها ليس خيط أريان للنجاة، إنه الجرح الذي تتنفس به المتاهة المغلقة.
***
ما الذي يغريك في تخطيط المتاهات على نحو مستمر ؟ ما يغريني هو أن أطرد مللها، أن لا أتعوّد على غرابتها وغموضها. أن أبقى على صلة متوقدة ومحتدمة بمعنى لانهائيتها.
***
من يدير ظهره لحقيقة المتاهة، إنما ينصرف عن وجهه المنعكس في مرايا مرعبة تتضاعف بلا حدود.
***
الطريق المجهولة التي استغرقتَها حتى الآن للخروج من المتاهة، إنما هي الطريق ذاتها إلى أعماقك... وهْمُ الخروج لا يعدو أن يكون دخولا مضاعفاً في أدغال غابتك الداخلية.
***
إن كنت مديناً لمتاهة ما، فلسبب واحد: علمتني أن ظلي ليس لي، بل لشخص آخر غيري.
***
الأشباح هم سكان المتاهة الحقيقيون، نحن هنا طارئون على عالمهم... لا يستأنس الشبح بوجودك أو مزاحمتك لعالمه، بل كل ما يخشاه أن تتعلم كيف تعيش في متاهته على طريقته، أن تتحول إلى شبح مضاعف.
***
المتاهة إنما تصرخ في وجهك، من أنت؟ تصدح بالسؤال لتتعرف هي نفسها على أحد وجوهها المبهمة، اللامعلومة. المتاهة تتحاشى أن تسألها من أنتِ ؟ إنها تنبغ في أشكال صرفك عن سؤالها، وتدفع بك إلى حدود قصوى تكتشف فيها إحدى مساحاتها التي تجهلها هي نفسها، أو نسيتها بالأحرى... عندما يطأ الواحد منا أو ينجح في الوصول إلى هذه المساحة الغريبة، المريبة، يكشف ليلها عن نجمة قطبية تتألق بنور من أنوار معادن جسدك.
***
كل متاهة هي خريطة طريق مستحيلة نحو ذاتك. السخرية اللاذعة أنها لا تفضي إلى ذاتك، بل إلى ظلك.
***
لا تهدر وقتك في السعي الدائم نحو إيقاظ هذا الشخص الذي يحلم بك. هذا الشخص الذي زج بك في متاهة داخل منامه الكابوسي. لن يستيقظ أبداً وحلمه سرمدي تقول الحكاية منذ الأزل... ما الحلّ إذن ؟ انصرف إلى حلمك ، إلى المتاهة التي يرسمها كابوس منامك أنت، ولا تقترف خطأ التفكير في العودة من أدغال حلمك هذا... هذا ما سيفعله الشخص الذي تحلم به أنت أيضاً، وتزجّ به في جحيم متاهتك...
***
من يرسم المتاهة ليتخلص منها، إنما يضاعف من الإقامة فيها دون أن يعي ذلك... ارسم متاهتك باستمرار لكي يظل خيالك على قيد الرؤيا والسفر... أن ينام خيالك ينذر الأمر  بسقوطك الأكيد في أغبى فخ من فخاخها.
***
هنا الوردة، هنا نرقص مقولة شائعة منحولة عن مقولة هيجل «هنا الصخرة ، هنا اقفز « الملمح إليها في أسطورة إغريقية خاصة بجزيرة رودوس.
«هنا المتاهة. هنا نحلم» يقول السطر الأول من كل رواية عظيمة.
***
أقوى النصوص وأجملها على الإطلاق، هي تلك التي تجعل المتاهة تحكي عن نفسها بلسانها القوطي، دونما ارتكاب خطأ فادح في ترجمة هذيانها المرعب.
***
في صلب كل ميتافيزيقا تنسج المتاهة مسكنها الأثير.
***
المتاهة ليست حديقة كيما نحتكم إلى بستاني في معرفة دليلها، إن وُجد هذا البستاني أصلا. ليست غابة دائماً بالضرورة. المتاهة قد تكون قفراً وخراباً معدوم النبات والوحيش. أخطر المتاهات تلك المشيدة من سراب، تلك المحبوكة من سديم.