الملحق الثقافي

الغيطاني.. تدوين الوجود والزمان

نص الغيطاني، خاصة في دفاتر تدويناته الأخيرة، نص خادع. وأنا أعني بالنص هنا، أسلوب الحكي السائد في مدوناته التي تبدو كما لو كانت نصاً واحداً يتناول موضوعات وتساؤلات شتى. الغالب على النص إمعان النظر في وصف مواقف وأحداث عابرة، وتفاصيل تجارب عادية مما نألفه في حياتنا اليومية، وذلك من قبيل: خبرات الحواس على تنوعها، بل حتى لذة الطعوم ذاتها، ولكن الوقوف عند هذا المستوى البسيط خادع؛ لأنه يحول دون الولوج إلى العالم الروائي الذي يميز «دفاتر التدوين» عند الغيطاني، مثلما يميز كل أدب عظيم.

نص الغيطاني يأخذك إلى عالمه الرحب الذي سوف تجد نفسك بالتأكيد في شيء منه، ربما عايشته يوماً ما أو عايشت شيئاً منه توارى في مملكة الذكريات المطوية، أو تمنيته بالخيال، وفي عالم الأحلام. ولكنك في كل الأحوال لن تتمكن من النفاذ إلى هذا العالم ما لم تتعرف على لغة النص باعتبارها لغة إيحائية مراوغة، بحيث تقول شيئاً وتقصد أشياءً أخرى تتجاوز سطح النص وظاهره.

الوجود
لكن لكل كاتب حقيقي عالمه الخاص، وقيمة الكاتب تُعرف ابتداءً من هذا العالم، من حيث مدى رحابته وعمقه. وربما يعترض هنا بعض المجادلين من دون عِلم قائلين: ليس هناك كاتب أو أديب حقيقي وآخر غير حقيقي، ولا أفضلية لأديب على آخر أو فنان على آخر بما يتناوله كل منهما؛ لأن الموضوعات التي كنا نعتبرها عادية أو تافهة أو حتى صادمة ومقززة، يمكن أن نجدها الآن موضوعًا للفن، (ومن ثم للأدب)، كما أن مذاهب ونظريات الفن فيما يتعلق بالقيمة الفنية والذوق الفني تؤكد على نسبية هذه القيم من الناحية التاريخية والاجتماعية. وكل هذا صحيح، ولكنه لم ينل أبداً من حقيقة وجود قيم فنية وجمالية عليا متواترة عبر العصور والثقافات المتنوعة. أما مناط تلك الحقيقة عندي، فهو أن الأدب العظيم هو ذلك الذي يكون قادراً على النفاذ إلى ظواهر الوجود العام والوجود الإنساني كما تتجلى في تجربة الذات، التي هي تجربة الأديب، من خلال أصغر الأشياء وأكثرها بساطة. إنها تجربة الأسئلة الكبرى كما تتجلى من خلال الأشياء الصغرى المألوفة على نحو يثير دهشتنا. ولا يختلف الأدباء الحقيقيين إلا من حيث مجال تلك الأسئلة المهيمن على وجدانهم وهواجسهم، ومن حيث طرائقهم الخاصة، أعني أساليبهم الفنية في الاقتراب من تلك الأسئلة.
كذلك، فإن الغيطاني يسأل سؤال الوجود على نحو خاص.. على طريقته الخاصة: كيف نقرأ اللامرئي في المرئي، والوجود في العدم أو المعدوم، والحقيقي في المتخيل، والمقيم في الزائل العابر. ذلك هو السؤال الأساسي عند الغيطاني الذي ينبغي أن نتطلع إليه عبر المستوى الظاهر للنص: كل شيء عند الغيطاني هو نافذة أو ممر إلى عالم فسيح رحب.. إلى الوجود ذاته، فهو يجعلنا نتشبث باللحظة وبمتعتها وتألقها، ولكن ما إن نبلغ ذروتها معه حتى يأخذنا إلى شيء آخر يتجاوز تلك اللحظة العابرة إلى ما ورائها!
وإذ كان الغيطاني في تدويناته الأخيرة يسأل السؤال الأساسي: سؤال الوجود، فليس معنى ذلك أن إرهاصات ذلك السؤال لم تلح عليه في أعماله السابقة من قبيل متون الأهرام وغيرها. كما أن الشكل الفني في هذه التدوينات لم يكن هو الآخر مقطوع الصلة بما قبله: فالأسلوب الفني الذي يتخذ شكل رواية السيرة الذاتية حاضر في الأعمال السابقة مباشرة على دفاتر التدوين، خاصة في «الخطوط الفاصلة» و«حكايات المؤسسة». فلو شئنا أن نميز هذه التدوينات الأخيرة عما يسبقها لقلنا: إن أصداء سؤال الوجود هي ما يهيمن عليها ويشكل دافعها الجوهري، كما أن شكل رواية السيرة الذاتية في هذه التدوينات أخذ يميل تدريجيًا نحو التجريد، على نحو تخلصت فيه السيرة الذاتية من واقعيتها المباشرة واختلط فيها الواقعي بالخيالي، واستدعت أدوات «التأمل الانعكاسي» بوصفه طريقة في التفلسف والإبداع الفني معاً، تنعكس فيها الذات على نفسها لتتأمل ماهية الموضوعات التي تتداعى على الوعي، ومنه الذاكرة بوجه خاص.
ولأن الغيطاني كان منشغلاً بماهية ما يتداعى على الذاكرة؛ لم ينشغل كثيرًا بترتيب الأحداث والمواقف كما هو الحال في الأشكال التقليدية من السير الذاتية حتى في صورتها الروائية، ولقد بلغ هذا التحرر ذروته في عمله الأخير: «كتاب الرِّن»، وما تلاه من أعمال، خاصة تدوينه الأخير بعنوان «حكايات هائمة». إننا هنا أمام شكل جديد من الكتابة أشبه في تكوينه بالفسيفساء.. «فسيفساء الكتابة»: مقطوعات صغيرة لكل منها قيمة في ذاتها، ولكنها مع غيرها تشكل أيضًا صورة كلية متجانسة. لم تكن هذه الصورة الكلية في التدوينات سوى الوجود ذاته الذي تترد أصداؤه وتتناثر أشكال تجلياته: فهو تارة يتجلى في الوجود الأنثوي، وتارة أخرى يتجلى في تفاصيل العالم والحياة التي نكتشفها من خلال خبرة السفر والترحال، ومن خلال النوافذ الفعلية، فضلاً، عن نوافذ الروح القادرة على إدراك اللامرئي في المرئي؛ بل إنه يتجلى أيضاً في العدم أو المعدوم الذي يرشح في الموجود ويبقى نثاره حاضراً من خلال الذاكرة التي تَحفَظ وتُبقِي. ولكن هذا الوجود يستجمع ذاته في النهاية ليصبح هو موضوع التأمل، حتى إن كان ذلك من خلال الاسم وحده.. من خلال الكلمة التي تسمي، وهذا هو موضوع: «كتاب الرِّن» تحديداً.
ولكن الوجود لا معنى له من دون الزمان، كما عبر عن ذلك بقوة الفيلسوف العظيم مارتن هيدجر في عمله الرئيس عن «الوجود والزمان». وعلى هذا يمكن أن نقترب من معنى الزمان المقترن بالوجود في نص الغيطاني.

الزمان
كل عمل روائي تَجري أحداثه في زمان ما مرتبط بمكان ما، وهذا يصدق أيضًا على أعمال الغيطاني الروائية. ولكن من النادر أن تجد روائيّاً يتأمل في أعماله الزمان نفسه، وهذا هو حال الغيطاني في أعماله خلال العقدين الأخيرين، التي ظهرت تحت عنوان رئيس هو «دفاتر التدوين»، التي اعتبرها أعظم إنجازات الغيطاني ومَكمَن تفرده. حقاً إن الزمان- في بُعده التاريخي- حاضر بقوة في أعماله الروائية التي تستدعي لحظات معينة من تاريخ مصر؛ ولكن الزمان نفسه هو ما يكون حاضراً كموضوع للتأمل في هذه الدفاتر التي ليست بروايات تقليدية ولا بسيرة ذاتية خالصة، وإنما هي أفق مغاير من الحكي الروائي الذي أسميه «فن رواية السيرة الذاتية»، أعني فن رواية الذات لعالمها المعيش، أو لنقل: فن رواية معنى التجربة الزمانية المعيشة للذات. وفي غمار هذه التجربة كان الغيطاني يتوقف كثيراً عند معنى الزمان نفسه إن بطريقة مباشرة أو غير مباشرة. إن التعبير المباشر عن معنى أو سؤال الزمان يمكن أن نجده في مواضع عديدة من تدويناته، حيث يتجلى هذا التعبير في عبارات بليغة كثيفة تشبه لغة الأدب الصوفي؛ ومنها على سبيل المثال:
«ما تبقى أقل مما مضى.
يقين لا شك فيه، أعيه. أتمثله، أعيشه». ( خُلْسَات الكَرى)
«امبارح راح فين؟» (دنا فتدلى)
«هل للزمن بداية؟» (نثار المحو)
«ماذا يمكن أن يكون، لو أن ما لم يكن كان.» (نثار المحو)
«ذلك الذي كنته ولم أعد أكونه، عدة مرات كنته وتباعدنا، انفصلنا عن بعضنا، ماذا يربط كل منهم بذلك الذي أكونه الآن، الآن ما الذي يربطني بذلك الذي سأكونه؟ أي وشائج خفية.» (نثار المحو).
ولكن التعبير غير المباشر عن سؤال الزمان الذي يكمن وراء سائر هذه العبارات وأمثالها، هو التعبير الأهم:
انظر على سبيل المثال تدوينه «رَشَحَات الحمراء»، الذي ما إن تنتهي منه حتى تفطن إلى المعنى البعيد الكامن وراء خلفية الحكي: فالحمراء هي الأنثى المفعمة بالأنوثة والغواية (بل هي الدنيا في غاية رونقها) التي طالما كنا نتوق ونتشوف إليها في صبانا، ولكننا حينما ندركها في أواخر العمر، نجد أن الزمان قد جَرى عليها مثلما جَرى علينا، فتبدلت هيئتها وجمالها وزال عنها رونقها وغوايتها. هذا ما بقي في وعيي الآن من هذا التدوين الذي تناولته في كتابي «عالم الغيطاني..» وانظر تدوينه «نثار المحو»، لتعرف أنه نثار الذي مضى ولا يمكن جمعه وتفصيله، وإنما يمكن فحسب تكثيف ما بقى منه في ومضات تبدو وكأنها تدلنا على ذلك الذي انقضى، ولكنه لا يزال يرسل إشعاعه على حاضرنا. وكأننا نريد عندئذ أن نستبقي في الحاضر بقايا ذلك الذي رحل من خلال تجارب حية متناثرة عبر الزمان الذي انقضى. وانظر أيضًا تدوينه «الخطوط الفاصلة»، الذي يصف فيه تجربته الشعورية في أثناء عبوره الخطوط المؤدية إلى غرفة عمليات القلب المفتوح، حيث تتدافع على وعيه في تلك اللحظة الفاصلة كل الذكريات المتعلقة بالحياة التي تشمل الأحداث والمواقف والأصدقاء والأحبة، وحتى الطعام الذي طالما كانت النفس تتوق إليه ولم تحقق دائمًا مُناها، ذلك الطعام الذي ارتبط مذاقه بمذاق الطفولة.
كأن الغيطاني في ذلك كله يشعر دائماً بدنو الأجل، وبأن الحياة هي رحيل دائم إلى الماضي؛ ومن ثمَّ فقد أراد ألا يؤول الماضي إلى العدم، بأن يستبقيه كحضور دائم؛ وربما يكون هذا هو سر افتتانه بالحضارة المصرية القديمة وبالتراث المصري عموماً الذي لا يزال حاضراً حياً وشاهدًا على ما مضى. طالما كان الغيطاني يحدثني في السنوات الأخيرة عن شعوره بدنو الأجل، وربما كان هذا الشعور هو سر توهجه في كتاباته الإبداعية في دفاتر التدوين التي يتأمل فيها معاناة تجربة الزمان الذي يمضي ويؤول إلى العدم، أعني تجربة التشوف إلى استبقاء الماضي في الحاضر. ولا شك أن هذه التجربة لها دلالة فلسفية؛ لأنها تطرح السؤال الفلسفي الذي يظل سؤالاً أبديّاً يعكف الفلاسفة على تأمله بلغتهم الخاصة، وهو السؤال الذي يميز كل أدب رفيع. ولذلك أرى دائماً أن كل أدب (بل كل فن) رفيع لا يمكن أن يخلو من الفلسفة، ولكنه يطرح السؤال الفلسفي من دون تفلسف، أعني من خلال لغة الأدب وحدها. هذا- فيما أرى- هو مشروع الغيطاني في ذروة نضجه الذي سيجعله باقياً في مواجهة طبيعة الزمان الذي يريد أن يؤول دائماً إلى العدم أو النسيان.
 آهٍ من الزمان الذي حيَّر الفلاسفة.. ذلك الزمان الذي لا يمكن أن نعرفه بشكل مجرد من خلال معانٍ ومفاهيمَ، رغم أننا نعيشه في كل لحظة من حياتنا ووجودنا؛ وهذا هو الحال الذي عبر عنه القديس أوغسطين بقوله: «ما الزمان؟ إن سُئِلت عنه فإني لا أعرف، وإن لم أُسأل عنه فإني أعرف». ولكن الغيطاني قد عرف كيف يجيب عن «سؤال الزمان»؛ لأنه كان يستمد تأملاته في معنى الزمان من خلال تجربة حية زمانية معيشة قد تحير الفيلسوف وتثير تساؤلاته، ولكن الأديب الحق يكون قادرًا على تصويرها بشكل عياني من خلال لغة الأدب، لا لغة التصورات الفلسفية المجردة.

نثار المحو
انظر تدوينه «نثار المحو»، لتعرف أنه نثار الذي مضى، ولا يمكن جمعه وتفصيله، وإنما يمكن فحسب تكثيف ما بقى منه في ومضات تبدو وكأنها تدلنا على ذلك الذي انقضى، ولكنه لا يزال يرسل إشعاعه على حاضرنا. وكأننا نريد عندئذٍ أن نستبقي في الحاضر بقايا ذلك الذي رحل من خلال تجارب حية متناثرة عبر الزمان الذي انقضى.

خطوط فاصلة
في «الخطوط الفاصلة» يصف تجربته الشعورية أثناء عبوره الخطوط المؤدية إلى غرفة عمليات القلب المفتوح، حيث تتدافع على وعيه في تلك اللحظة الفاصلة كل الذكريات المتعلقة بالحياة التي تشمل الأحداث والمواقف والأصدقاء والأحبة، وحتى الطعام الذي طالما كانت النفس تتوق إليه ولم تحقق دائماً مُناها، ذلك الطعام الذي ارتبط مذاقه بمذاق الطفولة.

ما وراء اللحظة
الغيطاني يسأل سؤال الوجود على نحو خاص.. على طريقته الخاصة: كيف نقرأ اللامرئي في المرئي، والوجود في العدم أو المعدوم، والحقيقي في المتخيل، والمقيم في الزائل العابر. ذلك هو السؤال الأساسي عند الغيطاني الذي ينبغي أن نتطلع إليه عبر المستوى الظاهر للنص: كل شيء عند الغيطاني هو نافذة أو ممر إلى عالم فسيح رحب.. إلى الوجود ذاته، فهو يجعلنا نتشبث باللحظة وبمتعتها وتألقها، ولكن ما إن نبلغ ذروتها معه حتى يأخذنا إلى شيء آخر يتجاوز تلك اللحظة العابرة إلى ما ورائها!.