الملحق الثقافي

هل هذا قرننا الأخير؟

عالم الألفية الثالثة، قرن رائع ومخيف في الآن ذاته؛ فمن جهة ثمة حضارة جديدة في طور الولادة والتشكل، تبشرنا بتطورات هائلة وبإمكانية تجاوز المشاكل الكارثية التي أنتجها الإنسان منذ الثورة الصناعية وإلى اليوم، مثل الخراب البيئي، والصناعات الملوثة، والسياسات الهوجاء القائمة على الاستبداد والسيطرة، والعلم المرتبط فقط بالغايات الشريرة. لكن، ورغم كل هذه الآمال الكبيرة، يبدو هذا القرن، من جهة ثانية، مخيفاً، بل مرعب، بالنظر إلى التحولات التي من المنتظر أن يحملها، بينما نحن في الغالب غير مستعدين لها، بل غير قادرين على التفكير في مآلاتها. والحقيقة أن هذا مظهر من مظاهر التعقيد الذي نواجهه في الألفية الثالثة.



البشرية اليوم على حافة تغيرات غير مسبوقة. ورغم أن ناقوس الخطر يدق باستمرار منذراً بالعديد من القضايا المصيرية، إلا أن الحياة مع ذلك تمضي بشكل تتعزز فيه اللامبالاة بهذه المشاكل، وكأن ما نحن مقدمون عليه مجرد وقائع بسيطة ستتم السيطرة عليها. كيف يمكننا إذن فهم التحولات العميقة للألفية الثالثة؟

رمزية النسر
 تمنحنا الطبيعة هذا الدرس الذي نتعلمه من النسر. هذا الطائر العجيب عندما يتقدم به السن إلى حدود الأربعين سنة، وتبدأ قوته في الوهن، تصبح أظافره معقوفة أكثر من اللازم معوقة بذلك إمساكه بفريسته. عندها يتخذ قراراً صعباً يتوقف عليه بقاؤه واستمراريته في الحياة. يصعد إلى جبل عال ونائ ويعتصم في قمته، ثم يبدأ في ضرب منقاره مع الصخر حتى يزيله وينمو لديه منقار آخر، كما يعمل على قلع أظافره ليستبدلها بأخرى جديدة، وينتف ريشه كي ينمو مكانه ريش جديد. هذه العملية التي يقوم بها النسر ليست سهلة بالمرة؛ لأنها تسبب له آلاما حادة كما أنها تستمر لمدة 150 يوماً، ولكن لا مفر منها لأنه بدونها لن يستطيع إنقاذ حياته. بعدها ينزل النسر من الأعالي وقد استعاد شبابه، فيتمكن من العيش لمدة أخرى تقدر بثلاثين سنة أخرى.
الدرس واضح إذن، نحن في مضائق هذا المنعطف الحارق للألفية الثالثة، حالتنا شبيهة بحالة هذا النسر. نحتاج إلى القيام بتضحيات جسام واختيارات مؤلمة، ولكن لا مناص منها إذا أردنا بالفعل إنقاذ بني جنسنا. نحن أمام زلزال أنطولوجي، نوع من الانفجار العظيم، ليس على مستوى المادة والطاقة، ولكن على مستوى الوعي والتاريخ والوجود البشري، في كل الشدائد والمحن التي مر بها جنس الإنسان لا يوجد حدث يمكن مقارنته مع ما نعيشه حالياً. الأمر شبيه بالامتحان النهائي للوضع البشري، حيث نكون في مواجهة مباشرة مع النهاية.

يوم الإفراط
حضارتنا هي حضارة الاستهلاك المعمم، هذا شيء لم يعد خافياً على أحد. نحن نستهلك كل شيء بإفراط، الأرض والماء والهواء، بل كل شيء حي بما في ذلك أنفسنا ما دام أنه لا شيء اليوم يمكن التعامل معه كمبدأ وكقيمة يجب أن تصان. يوماً ما سيتجاوز الطلب على الموارد ما هو متاح على الأرض، وبذلك سندخل في التاريخ الجديد للندرة. يسمى هذا اليوم بيوم الإفراط Over shoot Day، وهو اليوم الذي ستجد فيه البشرية نفسها قد أصبحت متجاوزة من طرف الوضع غير الطبيعي الذي نهجته؛ لذلك يسمى هذا اليوم أيضا بالفرنسية Le jour du dépassement. إننا نأكل ونسافر ونشاهد الأفلام ونستمتع في المنتجعات، وفي آخر الشهر نسحب أجورنا من الشبابيك الأوتوماتيكية كي نذهب إلى الأسواق للتبضع وشراء ما يطيب لنا. لماذا إذن علينا أن نقلق بصدد المستقبل ما دام كل شيء يسير بشكل جيد؟ هذا على أي حال هو ما يقوله م   عظمنا غير أن هذا الوضع، بكل الدعة التي يخلقها، هو وضع عابر وسيصل حدوده القصوى في يوم التجاوز/&rlm&rlm&rlm&rlm&rlm الإفراط الذي يعتقد متخصصون أنه سيحدث في منتصف هذا القرن على أبعد تقدير. فبالنظر إلى كمية الطلب على الموارد الطبيعية مستقبلاً، وبالضبط في 2030، سنكون في حاجة إلى نحو كرتين أرضيتين وليس واحدة. وهو اليوم الذي يتم حسابه إحصائياً ورقميا باعتماد «البصمة الايكولوجية» التي يتركها الإنسان على الطبيعة. سيأتي إذن يوم نكون فيه قد استهلكنا كل الموارد التي بإمكان الطبيعة أن توفرها لنا خلال فترة الاحتياج البشري، وعلينا أن ننتظر متى تستعيد البيئة عافيتها كي تكون قادرة على توفير هذه الموارد من جديد، ولكن خلال مدة الانتظار هذه سيهلك الكثير من البشر.

المفردة المخيفة
المفردة la singularité هي واحدة من المفاهيم الأساسية في فكر ما بعد الإنسانية le transhumanisme، الذي يدافع عنه الأميركي راي كورزفايل ray kurzweil وآخرون، وهي تعني اختصاراً أنه طبقاً لقانون مور الشهير، فإن الحواسيب تتضاعف قدراتها كل 18 شهراً، وبالتالي ستبلغ التطورات التكنولوجية التي بدأناها في مستهل الألفية الثالثة قمتها على الأرجح قبل منتصف هذا القرن. عندها لن نتمكن من التحكم فيما يمكن أن تقودنا إليه من تحولات اجتماعية عميقة وغير مسبوقة. على سبيل المثال، يحدث التطور في ميدان الذكاء الاصطناعي بسرعة هائلة، تؤدي إلى تطوير كفاءة الحواسيب وإلى اكتشاف المزيد من الخوارزميات المعقدة، وبالتالي في الأفق القريب سيجد الذكاء البشري نفسه قد أصبح متجاوزاً من طرف هذا الذكاء الفائق. مثال آخر يتعلق بالتعديلات التي يعرفها الجسد البشري، يوماً عن يوم نعاين عن قرب اكتساح ما هو معدني Métallique لما هو عضوي organique كما تعمل علوم NBCI الطليعية على إكساب الإنسان قدرات خارقة.
يرى كورتزفايل - مثلاً- أن الإنسان سيتمكن في المستقبل من صناعة روبوتات ناووية ذكية يمكن زرعها في مخه، وبالتالي تعمل على إكسابه ذكاء لم يكن يحلم به. كما يمكننا ربط هذه الروبوتات بالشبكة العنكبوتية وتحميل ما شئنا من الكتب والمعارف. إن ترقية القدرات الإنسانية من شأنها أن تضعنا أمام كينونة جديدة، وبالتالي وجب علينا التفكير فيها فلسفيا على نحو آخر وبشكل غير مسبوق. خذ - مثلا- فكرة الوجود، التي تناولها هيدغر في كتابه الوجود والزمان، وتحدث عن ماهية الإنسان، باعتبارها ماهية غير مستقرة وقابلة للتحول باستمرار، لكنه مع ذلك، لم يكن يتخيل أن بإمكان هذه الماهية أن تصل يوماً ما إلى تجاوز كلي لحدودها، ونفي ذاتها ضمن كينونة مغايرة تماماً. إن الحيز الخاص بما هو إنساني هو ما أضحى اليوم على المحك وهذا هو ما يخيفنا.

قرننا الأخير
من الطبيعي إذن أن نقلق حيال الوضع البشري، وأن نتساءل كما فعل عالم الفلك البريطاني مارتن رييس Martin rees: هل هذا هو قرننا الأخير؟. أكيد أن ثمة أخطاراً نتوحد فيها جميعاً، بحيث لا يمكن القول إنها تخص الآخرين ولا تخصنا. أو أن هذه المشاكل نحن غير معنيين بها لأنه لدينا مشاكلنا الخاصة. في الحقيقة جوهر المنعطف الألفي الذي نعيشه يكمن في هذه النقطة بالضبط. فرغم المظاهر الدراماتيكية التي قد توحي أننا نعيش في عالمين إلا أن نتائج هذا المنعطف ستطال الجميع. إنها سمة تميز عصرنا الكوكبي بامتياز، ما من خلاص فردي عندما نتحدث عن الانهيار البيئي وإنقاذ الأرض، أو عن ضرورة الانتقال من الطاقات الأحفورية إلى الطاقات البديلة، أو عن إلزامية التخطيط السكاني لمواجهة الانفجار الديموغرافي، أو عن تدارس الذكاء الاصطناعي وما تطرحه من صعوبات أمام الذكاء البشري، وغيرها من المواضيع التي تتطلب منا اتخاذ قرارات مصيرية إذا ما أردنا عبور هذه المضائق الشائكة للألفية الثالثة.
وكما حدد مارتن رييس فإننا نقف حالياً في نقطة حرجة جداً حيث تراوح نسبة نجاتنا (50%) مقابل نسبة 50% يمكن أن نتجه فيها إلى الانهيار والدمار الشامل. نحن إذن إما أمام حضارة جديدة، أو عودة إلى عصور الظلام التي ستكون حتما أسوأ من سابقتها. إن القرار بيدنا ولكن هل سنكون في مستوى اللحظة التاريخية؟. لهذا السبب يؤكد جيمس مارتن أن: «القرن الحادي والعشرين فريد في تاريخ البشرية، لكنه سيسبب تحولاً كبيراً يساعد البشرية على البقاء»، وهو يقصد بذلك أن الامتحان الصعب الذي نعيشه حاليا إذا نجحنا فيه وعبرنا هذا المنعطف فإننا غالبا ما سنتعلم حكمة كبيرة ستساعدنا على الاستمرارية في البقاء. حكمة ستكون خلاصة لتجربة الوجود الإنسانية.
في نهاية الأمر، يمكننا القول إن الحضارة البشرية قد تقدمت بفضل حل المشكلات التي اعترضتها، غير أنها اليوم تواجه مشكلة المشكلات جميعها، العقدة الغوردية التي لا سبيل للتخلص منها بضربة سيف واحدة. هناك أحداث استثنائية غير مسبوقة تنتظرنا في منتصف هذا القرن، وسواء كانت هذه الأحداث إيجابية أو سلبية، أي سواء أكانت باتجاه حضارة نوعية أم عصور ظلام جديدة، فإننا على ما يبدو غير مهيئين لها بعد، أولا بسبب الطمأنينة الزائفة التي خلقتها حضارة الاستهلاك التي رسخت في وعينا الجماعي فكرة أننا كلما استهلكنا بكثرة، كلما قمنا بدعم وجودنا والسيطرة على حياتنا. وثانياً بسبب غياب مثل هذا الفكر الاستراتيجي من مناهجنا التعليمية، التي في الغالب الأعم تعلمنا التعامل مع ما هو قائم لا مع ما هو قادم.
ويبقى القول إن هذا المخاض ليس جديداً، فالتاريخ يعرض علينا أمثلة عديدة عن حضارات استطاعت أن تعيد تشكيل ذاتها باتجاه فجر جديد مثل الحضارة العربية إثر خروجها من شبه الجزيرة العربية وانتشارها في العالم، والحضارة اليونانية عندما سعت لتأسيس نظرة جديدة للإنسان والكون، ثم هناك الحضارة الغربية عندما خرجت من عصور الظلام. كما يعرض علينا التاريخ كذلك نماذج لحضارات أخرى فشلت في امتحان العبور هذا، أبرزها  ما حدث للحضارة العربية ذاتها عندما لم تستطع التكيف مع المعطيات الجديدة التي خلقها عصر النهضة والأنوار. التحولات والتشكلات الحضارية شيء مألوف داخل التاريخ، والجديد اليوم هو أنه لا يعاش على صعيد كل حضارة بشكل معزول، بل هو يمس الإنسانية جمعاء، وتطال نتائجه أبعاد الكرة الأرضية كافة. ما هو أكيد اليوم هو أننا نعيش مسحاً للطاولة، ولكن على المستوى الكوني.

على المحك
إن ترقية القدرات الإنسانية من شأنها أن تضعنا أمام كينونة جديدة، وبالتالي وجب علينا التفكير فيها فلسفيا على نحو آخر وبشكل غير مسبوق. خذ - مثلا- فكرة الوجود، التي تناولها هيدغر في كتابه الوجود والزمان، وتحدث عن ماهية الإنسان، باعتبارها ماهية غير مستقرة وقابلة للتحول باستمرار، لكنه مع ذلك، لم يكن يتخيل أن بإمكان هذه الماهية أن تصل يوماً ما إلى تجاوز كلي لحدودها، ونفي ذاتها ضمن كينونة مغايرة تماماً. إن الحيز الخاص بما هو إنساني هو ما أضحى اليوم على المحك وهذا هو ما يخيفنا.

المفردة المخيفة
المفردة la singularité هي واحدة من المفاهيم الأساسية في فكر ما بعد الإنسانية le transhumanisme، الذي يدافع عنها الأميركي راي كورزفايل وآخرون، وهي تعني اختصاراً، أنه طبقاً لقانون مور الشهير، فإن الحواسيب تتضاعف قدراتها كل 18 شهراً، وبالتالي ستبلغ التطورات التكنولوجية التي بدأناها في مستهل الألفية الثالثة  قمتها على الأرجح قبل منتصف هذا القرن. عندها لن نتمكن من التحكم فيما يمكن أن تقودنا إليه من تحولات اجتماعية عميقة وغير مسبوقة.

درس النسر
تمنحنا الطبيعة هذا الدرس الذي يمكن أن نتعلمه من النسر، فهذا الطائر العجيب عندما يتقدم به السن، وتبدأ قوته في الوهن، تصبح أظافره معقوفة أكثر من اللازم فتعوق إمساكه بفريسته. عندها يتخذ قراراً صعباً ومؤلماً. يصعد إلى جبل عال ويعتصم في قمته، ثم يبدأ في ضرب منقاره بالصخر حتى يزيله وينمو لديه منقار آخر، وهكذا يعمل مع أظافره ليستبدلها بأخرى جديدة، وينتف ريشه كي ينمو مكانه ريش جديد. هذه العملية تسبب له آلاماً حادة ولكن لا مفر منها، لأن بها إنقاذ حياته. بعدها ينزل النسر من الأعالي وقد استعاد شبابه، فيتمكن من العيش لمدة أخرى تقدر بثلاثين سنة.
نحن في مضائق هذا المنعطف الحارق للألفية الثالثة، نشبه النسر، ونحتاج إلى القيام بتضحيات جسام واختيارات مؤلمة، ولكن لا مناص منها إذا أردنا بالفعل إنقاذ بني جنسنا.