تقارير

أميركا.. وأعباء المهمة الإفريقية

قتل الجيش الإندونيسي ما يربو على مليون شخص لأنه اشتبه في أنهم شيوعيون في منتصف عقد الستينيات من القرن الماضي، وقد مهّد ذلك الطريق لاستفحال تعدّيات ديكتاتورية نظام «سوهارتو»، الذي حكم تلك الدولة على مدار أكثر من ثلاثة عقود. وقد كشفت وثائق تم رفع السرية عنها من السفارة الأميركية لدى جاكرتا عن درجة استثنائية من التواطؤ الأميركي فيما لا يزال يعتبر واحدة من أكبر الجرائم أثناء الحرب الباردة. فالولايات المتحدة لم تتجاهل المعلومات التي كان من الممكن أن تحول من دون وقوع بعض الاعتداءات فحسب، ولكنها أيضاً ربما سهّلت أعمال القتل عن طريق منح الجيش الإندونيسي آنذاك الأموال والمعدات وقوائم بالمسؤولين الشيوعيين.
والكشف عن مثل تلك المعلومات الصادمة قلما يجد من يعيره اهتماماً في الولايات المتحدة، ويرجع ذلك، جزئياً على الأقل، إلى ما يبدو انكماشاً في دوائر الاهتمام بسبب الاستقطاب العام في واشنطن، على الصعيدين السياسي والأخلاقي.
وعلى رغم الانشغال بالأوضاع السياسية الراهنة في الولايات المتحدة، إلا أنه لا يخفى على أحد أيضاً أن بعض حملات مكافحة الإرهاب ثبت أنه قد يؤثر على حقوق الإنسان والديمقراطية أكثر من أي شيء آخر تفعله الإدارة الأميركية. ومثل مصائب الحرب الباردة ضد الشيوعيين، قد لا تخضع حملات مكافحة الإرهاب لرقابة سياسية وشعبية، على رغم أن تبعاتها تكون على مرأى ومسمع من الجميع.
ومن المثير للدهشة، على سبيل المثال، أن تنبيه كثيرين، ومن بينهم السيناتور «ليندسي جراهام»، وهو أحد صقور السياسة الخارجية، إلى الوجود العسكري الأميركي في النيجر، سبق مقتل أربعة جنود أميركيين في كمين هناك. ويلحُّ الآن أحد أنصار التدخلات الخارجية، السيناتور «جون ماكين»، على البنتاجون من أجل الحصول على مزيد من التفاصيل بشأن تلك المهمة التي كلفت الأميركيين بعض الأرواح، والتي لم يكن يعرف عنها أي شيء من قبل.
ولا تشكل المهمة في النيجر سوى جزء صغير فقط من الاستراتيجية الأميركية الطموحة الأكبر لمحاربة الإرهاب في إفريقيا منذ بداية الألفية الجديدة. وبالطبع، يدفع الأفارقة ثمناً أكبر لتلك السياسات، على صعيدي حقوق الإنسان والخسائر في الأرواح. فمنذ أسبوعين فقط، قيل إن قوات الأمن الأوغندية أطلقت الرصاص على حشد معارض، وكادت تصيب زعيم المعارضة «كيزا بيسيجي».
وفي كتابها الجديد، الذي يشمل تحقيقات وتحليلات صحافية مميزة: «فوضى خاصة.. أميركا وأوغندا والحرب على الإرهاب»، تكشف المؤلفة «هيلين إبستين» أن بعض القادة الأفارقة يعتبرون من أكبر المستفيدين من تدخلات أميركية لم يتم الإعداد لها جيداً ولا تخضع لرقابة كافية، ضد أعداء أميركا في الخارج.
وبعض القادة الأفارقة يتقاسم اللوم ليس فقط في الحروب الدائرة في الكونجو، التي أزهقت ملايين الأرواح، فضلاً عن استمرار العنف والفوضى في شرق القارة، وظهور حركة «الشباب» الإرهابية، التي قتلت أكثر من 300 شخص في العاصمة الصومالية مقديشو الشهر الماضي، كما يتحملون أيضاً مسؤولية كبيرة عن اجتياح المتمردين لرواندا عام 1990، والذي أفضى إلى إبادة جماعية هناك في عام 1994. وبالطبع، لابد أن تشمل قائمة الجرائم الاستثنائية هذه دور بعض النظم الإفريقية في الحرب الأهلية الدائرة في جنوب السودان.
وكما كانت الحال مع حلفاء الحرب الباردة مثل «سوهارتو» والفيتنامي الجنوبي «نجو دينه ديم»، نجح قادة أفارقة كثر في إبقاء الإدارات الأميركية المتعاقبة في صفهم بتقديم أنفسهم على أنهم مدافعون أقوياء عن المصالح الأميركية، وحائط صد لا استغناء عنه ضد العدو الأيديولوجي، الذي كان في الماضي «الشيوعية» وأصبح الآن «التطرف».
غير أن «إبستين» تكشف بتفصيل مزعج أن هذه الحرب الجديدة نشرت العنف والفوضى والحكم القمعي في أرجاء أفريقيا، وربما ولدت إرهابيين جدداً أيضاً. فلم تزدهر حركة «الشباب» في الصومال، إلا بعد أن خربت تلك الدولة الإفريقية. وفي الوقت الراهن تتجاهل أميركا أساليب وممارسات بعض النظم في شرق القارة لأنها تستفيد من قواتها في المعركة لمواجهة إرهاب تنظيم «الشباب».

* محلل سياسي أميركي
يُنشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»