يوم العلم

«قمة المجد»

أمين الدوبلي (أبوظبي)

لحظة ينتظرها الرياضيون.. بل يبذلون كل ما في وسعهم، من أجل الوصول إليها.. لحظة باقية في الذاكرة.. ليست مثل بقية اللحظات.. لحظة الفخر للوطن والزهو بالعلم.. لحظة فارقة في حياة كل رياضي لا تعادلها لحظة.. لحظة لها لون وطعم ورائحة.. لحظة يتجلى فيها الوطن، ويرتفع فيها العلم لتصل الرسالة للجميع.. رسالة الفخر بأبناء الوطن.. ما أحلى هذه اللحظة، وما أجملها من دقائق تعادل كل ما في الدنيا.. الآن فقط الجميع يصمت.. الآن فقط تتزين منصة التتويج بعلم الإمارات.. ليردد البطل والبعثة المرافقة كلمات ليست مثل الكلمات.. عيشي بلادي عاش اتحاد إماراتنا.. هكذا يرفع علم البلاد، عندما يحقق الرياضي الإنجاز في البطولات الإقليمية والعالمية، وتكون الفرحة فرحتين.
تمثل لحظة رفع العلم لكل رياضي قمة المجد، لأنها تقترن بعزف السلام الوطني، اعترافاً بأن الإمارات هي «الرقم واحد»، سواء كان هذا المحفل خليجياً أو عربياً أو آسيوياً أو عالمياً، وتعترف أيضاً أن أبناءها يستحقون التحية، لحصولهم على المركز الأول في المنافسات المختلفة، وفيها تتعلق الأبصار جميعها على العلم، وتخفق القلوب مع عزف السلام الوطني.
وفي ظل سياسات وطن السعادة، وحكومته الذكية، وأرض المبادرات، فإن البحث عن «الرقم واحد» أصبح طموحاً مشروعاً لكل أبناء الإمارات، لأنه أكبر وأعز اعتراف بالولاء والانتماء والتضحية، والبطل الرياضي الذي يرفع علم الدولة، ويضع يده على صدره ليردّد نشيد الوطن، هو في حد ذاته «قصة»، وهبت نفسها لعشق الوطن، قصة بدأت بالفكرة، وراودها الأمل ليضخ في شرايينها دماء التحدي، وسكنتها التضحيات بالجهد والعرق والوقت، لأن طريق المجد دائماً ليس مفروشاً بالورود.
قصة البطل مع العلم فيها نجوم، وكلها عناوين للتحدي، ورموز للإرادة والعزيمة والنصر، وخلفيتها الصراع مع النفس قبل المنافسين، ولحظات تفاؤل مشوبة بالقلق، ولحظات أخرى يتعلق فيها اليأس بأستار الرجاء، وتخفق معها القلوب والألباب، وترنو إليها أبصار العاشقين، فتجسد أروع ملاحم العطاء والوفاء، وتسطر في التاريخ إنجازات تحتفي بها الأيام، وتفتخر بها الشهور والسنون والأجيال، جيلاً بعد جيل.
هي لحظة لم ولن ينساها الوطن بكل ما فيه، ولن ينساها التاريخ بكل أحداثه وتفاعلاته، ولن ينساها أيضاً بطلنا الأولمبي الشيخ أحمد بن حشر آل مكتوم، تلك التي عزف فيها السلام الوطني، وارتفع فيها علم الإمارات خفاقاً إلى عنان السماء ليعانق المجد فوق جبل الأوليمبيوس بأثينا، ويحفر سطوراً من ذهب في تاريخ الرياضة الإماراتية، كان ذلك في يوم 17 أغسطس عام 2004 ، وكان يوماً لكل الوطن، يوماً قال عنه الشيخ أحمد بن حشر آل مكتوم: من أجل هذا اليوم، وتلك اللحظة، تتواضع كل التضحيات، وتتنازل أصعب التحديات، وتتراجع كل الأهداف الشخصية، وتندفع دموع الفرح.
في لحظة عزف السلام الوطني لمباريات «الأبيض» في مونديال 1990 بإيطاليا، كادت تسقط الدموع من أعين الجيل المونديالي الشهير، عدنان ومحسن وخالد وعلي ثاني ورفاقهم، لأن أعينهم كانت معلقة على أعلام الوطن المرفوعة في جنبات الاستاد، كانت الأعلام ترفرف لتعلن للجميع أن الإمارات حاضرة وسط الكبار، برجالها ونجومها تحاكي نجوم العالم، وتصنع التاريخ، وتقدم نموذجاً عربياً إسلامياً فريداً، يجمع بين الأصالة والمعاصرة، بين الحداثة والماضي.
ومع «الأبيض» نفسه ولكن بعد 17 عاماً، في ملعب مدينة زايد الرياضية، وتحديداً في نهائي «خليجي 18» عام 2007 ، كان العلم يقف شاهداً وشامخاً ملئ المدرجات، بل كانت مدرجات الاستاد كلها علم كبير للدولة، يوثق اللحظة، ويفاخر بجيل مطر وعبدالرحيم، وراشد، وماجد، ومحمد عمر، وهلال، وفيصل، وعمران، وفهد مسعود، ونواف مبارك وبقية زملائهم، كان العلم عنوان الفرحة في هذا اليوم الخالد في الذاكرة، وظل نشيد الوطن يصدح طيلة أيام النصر، مقترناً بحلم طال انتظاره لأكثر من 40 عاماً.
وفي أولمبياد لندن عام 2012، كانت جماهير الإمارات وأعلامها تشهد ميلاد جيل جديد، اعتاد لاعبوه على القيام بدور البطولة، واعتلاء منصات التتويج منذ الصغر.. في لندن حضر العلم مع منتخب الإمارات الذي شارك للمرة الأولى في هذا المحفل الكبير، وعزف السلام الوطني، وعرفت الجماهير من عشاق الكرة، خصوصاً وكل الرياضات على وجه العموم في العالم بأسره كيف يعشق أبناء الإمارات وطنهم، وكيف يكونوا سفراء فوق العادة له في كل مكان، وكيف تكون لهم بصمة في «عاصمة الضباب». في البحرين أيضاً وفي مساء 30 ديسمبر عام 2013 كان العلم يملأ شوارع المنامة.. كان يزين الميادين، والسيارات، وكانت ألوانه تزين وجوه شباب الوطن، وفي الليلة التي سبقت لقاء النهائي بين الإمارات والعراق، في هذه الليلة «لم تنم المنامة»، لأن جماهير «الأبيض» كانت تحتفل بالكأس والعلم، وكأنها تضمن نتيجة لقاء الغد، لثقتها في عموري ورفاقه مبخوت وعامر وخليل وإسماعيل والحمادي، وكان «سمعة» بينهم قائداً وداعماً وخبيراً في الملعب عند الحاجة إليه، وكانت بالفعل المقدمات تؤدي إلى النتائج وتنتصر للمنطق ومفاهيمه، حيث احتفلت الجماهير بالكأس والعلم في اليوم التالي بعد الفوز في استاد مدينة خليفة الرياضية، وانتقلت الفرحة إلى شوارع أبوظبي ودبي والشارقة وعجمان ورأس الخيمة والفجيرة وأم القيوين، وارتفع العلم يرفرف على كل بيوت الوطن، وملأ النوافذ، وعمت ألوانه كل قلوب شعب الإمارات.
وفي أستراليا عام 2015 عزف «الجيل الذهبي» نفسه، نشيد الوفاء ليس للوطن وحده، ولكن لكل العرب، حيث إن «الأبيض» أفضل ممثل للمنتخبات العربية كافة، ومبخوت وخليل وعموري نجوم فوق العادة، ترتفع لهم الأعلام عند هز شباك المنافسين، وتخفق لهم القلوب عند تقديم الإبداعات والمهارات والمراوغات والفنون، والأداء هو الأروع، ولما لا ؟؟ فقد أطاح «الأبيض» البطل الياباني على استاد سيدني، وقدم ليلتها ملحمة بكل المعاني في ربع نهائي البطولة، سواء في الوقت الأصلي، أو الإضافي، أو في ركلات الجزاء الترجيحية، في يوم الفوز على البطل كان العلم في المدرجات يضرب أروع أمثال الصمود والتحدي، والإمارات وكرتها ماضيتان في كتابة تاريخ النصر والإبداع.
وعندما صعد بطلنا العالمي في الجو جيتسو، فيصل الكتبي الصيف الماضي لاستلام الميدالية الذهبية على منصة التتويج لبطولة الألعاب العالمية ببولندا، توشح بعلم الإمارات، ويعلن اعتزازه وفخره بأن العلم وألوانه وخطوطه أغلى عنده من العرق والتعب وجهد السنين.