دنيا

ابنة الأفعى!

نورا محمد (القاهرة) - جاءت الأسرة هنا للإقامة، وعائلها يعمل سائقاً على سيارة أجرة يمتلكها ويغيب النهار ومعظم الليل في العمل، والزوجة ربة منزل نالت قسطاً من التعليم ولم تحصل على أي شهادة، ومع ذلك، فهي لبقة في الحديث وتجيد التحاور والأهم أنها تجيد التعامل مع الآخرين، وتحب أجواء الألفة، لذلك لم يمر غير يوم واحد، وتقدمت إلى جيرانها في الشقة المقابلة وبكل جرأة قدمت نفسها للسيدة التي فتحت لها الباب وعرضت عليها أن تقبل أن تستضيفها لديها على فنجان من القهوة أو كوب من الشاي ولا يهم المشروب والمهم التعارف، وفرضت نفسها على جارتها التي منعها الحياء من أن تردها أو تتخذ أي إجراء أو موقف آخر غير الموافقة، لكن من بداية اللقاء ظهر لها أن جارتها الجديدة سيدة لطيفة ولا مانع من التعامل معها، وهي بحاجة إلى من تؤنس وحدتها خاصة أن زوجها مسافر والأبناء في مدارسهم ولديها وقت فراغ طويل.
ويوماً بعد يوم، أصبح كل أفراد الأسرتين أصدقاء كل مع من يقابله أو يقاربه في العمر الزائرة الجديدة تحمل بين يديها الإفطار وتطرق الباب عليها، وهي تقسم لها بغليظ الأيمان أنها لا تستطيع أن تعيش أو تأكل أو تشرب من دونها، وأنها أصبحت مثل أختها تماماً أو أكثر وتسر إليها كل شؤونها وحتى خلافاتها مع زوجها وأسرته وكيف أنهم لا يتزاورون ولا يتواصلون؛ لأنهم لا يحبونها، وقد حرضوه من قبل على تطليقها لولا أنه تمسك بها خاصة من أجل الأطفال، لذلك جاؤوا إلى هنا بعيداً عن أسرته لتهدأ الحرب الدائرة بينهم، فهم يصفونها بالأفعى الناعمة سمها زعاف، لكن هذه الثانية لم تجد ذلك فيها ولم تتحفظ في التعامل معها ووجدت فيها ضالتها، خاصة أنها تقوم بمساعدتها في أعمال بيتها؛ لأنها أصغر منها سناً وأكثر قوة.
بعد عام واحد وانتهاء السنة الدراسية، حصلت ابنتها على الثانوية العامة، والآن جاء دوري لأكون طرفاً مباشراً في علاقة الجيرة بتأثير أكبر، فأنا طالب في السنة الثانية بكلية الهندسة والتحقت بها من أجل رغبة أبي وأمي وحسب مجموعي ونظرة المجتمع، جاءت جارتنا وطرقت الباب بطريقتها المعهودة التي اعتدناها وأصبحنا نعرفها قبل أن نفتح.
جاءت متهللة تحمل حلوى النجاح والعصائر ونقلت الاحتفال من بيتها إلى بيتنا باعتبارنا أسرة واحدة وفي اليوم التالي، جاءت وخلفها ابنتها التي تحمل ملف النجاح، وطلبت مني أن أساعدها في تدوين الرغبات الخاصة بمكتب التنسيق.
على مقربة منا، جلست أمها مع أمي ترتشفان الشاي وصوتهما يأتينا همهمة نسمعه، لكن لا نستطيع تفسير الكلام ولا نعرف مفرداته وضعت الأوراق أمامي وفحصتها، ثم سألت الفتاة بأي كلية تريد أن تلتحق، فقالت سأترك هذا الاختيار لك، وقلت، لكن هذا شأنك ومستقبلك، ويجب أن تختاري نوع الدراسة التي تحبين والتي تفضلين، وهذه يجب أن تكون رغبة نابعة من داخلك وحدك من غير تأثير أو تدخل من الآخرين.
قالت: سأترك لك تحديد مستقبلي واختيار كل ما يخصني، فهو يخصك وأنت صاحب القرار فيه وأصابتني صدمة من الكلام الذي بدأت أفهم مغزاه، لكن تظاهرت بالغباء، وحاولت أن أحول دفة الحديث إلى مجراه الطبيعي، وإنهاء المهمة التي أصبحت ثقيلة.
وهكذا سار الحديث سجالاً بيني وبينها هجوم من جانبها ودفاع وفرار من جانبي وتجاهل، حتى استنجدت بأمها لتتدخل في المشاركة في اختيار الكلية التي يودون أن تلتحق بها ابنتها، فجاءتني صدمة أكبر مثل من خرج من حفرة ليسقط في بئر أو كالمستجير من الرمضاء بالنار، عندما جاء ردها مطابقاً لرد ابنتها، فقالت الفتاة ألم أقل لك لا تحاول أن تجادل وكي أنهي الموقف قلت لها إنني أدرس الهندسة وأنت ليس مسموحاً لك بالالتحاق بها وليس أمامك إلا كلية اللغة العربية، فقالت ما تختاره سأقبله فوراً وما قلت ذلك إلا كمخرج من الموقف، وفي النهاية تم ذلك وليتني ما فعلت.
بعد أيام قليلة من بداية العام الدراسي، جاءت تطلب مني المساعدة في شرح قصائد الغزل؛ لأنها لا تفهمها، فقلت لها أنا لا أفهم في الشعر، وإن كنت أحبه قالت: وأنا أحبه لأنك تحبه وجاءت بقصائد كل الشعراء العشاق لحبيباتهم من عنترة لعبلة وقيس لليلي وكثير لعزة وجميل لبثينة، وقد فهمت وتأكدت أن هذا كله مجرد حجج لتثبت لي أنها تحبني، ولكن بطريق اللف والدوران وكل لبيب بالإشارة يفهم، وعندما وجدت كل السبل إلى قلبي مسدودة اعترفت صراحة بأنها لا تستطيع الحياة من دوني ولا تنام من التفكير فيّ، وكالعادة فشلت في إقناعها بأنها صغيرة على الحب وعليها أن تلتفت إلى مستقبلها.
مهما كانت المناعة والمقاومة، فإنني في النهاية شاب، وقد سحرتني بكثرة كلامها المعسول الذي يجب أن يكون من جانبي أيضاً، لكنني لست من الشباب المندفع الذي يصبو إلى الفتيات حتى لو تقدمن نحوه خطوات أو حتى هرولن، واقتربت نحوها ببطء مع المحافظة على المسافة التي بيننا، لكن المناعة في النهاية لها حدود ووقعت في غرامها، واعترفت لها بذلك وعندما انتهيت من دراستي الجامعية وجدتها تطلب مني أن أتقدم لأسرتها لأطلب يدها رسمياً خشية أن يسبقني أحد إليها، فقلت لها إني لا أملك من حطام الدنيا شيئاً وما زلت أحصل على مصروفي من أبي، فكيف أتحمل نفقات بيت وأسرة؟، وجادلتني وحاولت أن تقنعني بأنها بلا مطالب، ولن يكون لها أي شروط.. مجرد خاتمين «ربط كلام»، لكن هذا لم يدخل رأسي؛ لأنه مجرد كلام غير مقنع ولا يفيد وكنت صلباً، فالوقت غير مناسب بالمرة.
عاد أبي إلى عمله وتوقفت أسفاره إلى الخارج واستقر بنا المقام في شقة أرحب في مدينة أخرى، وحان وقت الرحيل من هنا لتتباعد بيننا المسافات يومها ودعونا جميعاً بالدموع الغزيرة التي جعلت الجميع يبكون، كما لو كنا في جنازة ولم يمض إلا أسبوع واحد حتى جاءت جارتنا السابقة وابنتها محملة بالهدايا لتقدم لنا التهنئة والتبريكات على المسكن الجديد، لكن حدث شيء غريب لم يكن اللقاء بينها وبين أمي حاراً مثل ذي قبل وقد لاحظت هذا التغير منذ فترة، ولكن لم أفهم أسبابه ولم أحاول أن أتدخل فيه ومما زاد الأمر غموضاً أن أمي الوحيدة التي لم تتأثر برحيلنا من جانبهم، بل على العكس أقامت حفلاً في بيتنا الجديد بحجة الانتقال إليه ظاهراً، ولكن عبرت بشكل خفي أن الاحتفال أيضاً بسبب الخلاص من جارتها بخلاف شكل العلاقة التي كانت بينهما وامتدت سنوات، والجديد أن أمي ترفض استمرار العلاقة بيني وبين الفتاة وأيضاً لم تفصح عن السبب ولم يكن ذلك وقت نقاش الموضوع تركته باعتبار أن لكل حادث حديثاً.
انقطعت العلاقة بين الأسرتين إلا من بعض الاتصالات بيني وبين الفتاة على فترات متباعدة جداً، وبعد أن أفصحت عن رغبتي في الزواج منها، وجدت أمي ترفض بشدة وبشكل قاطع، بل وتأمرني ألا أفتح هذا الموضوع، ولن توافق حتى لو كانت هذه آخر فتاة في الدنيا، ولكن المحير أنها لم تبد سبباً واحداً لرفضها هذا ما جعلني أتمسك بها، أما أبي فقد وقف على الحياد وأخيراً عبر عن رأيه بأنني صاحب الحق في اختيار شريكة حياتي، واعتبرت ذلك موافقة صريحة وازددت إصراراً على موقفي، وتمت الخطبة على مضض من جانب أمي التي لم تحضر وتمارضت حينها، وتعكر صفو الاحتفال لأن الجميع يدركون أنها غير موافقة، ولم يكن بها أي مرض.
جاءتني فرصة عمل بالخارج وقد سعدت جداً، فذلك سيعجل بإتمام الزواج وتعاهدت مع خطيبتي على الوفاء والصبر وتحمل الفراق إلى أن يقضي الله أمراً كان مفعولاً ويلتئم الشمل ويجمعنا بيت واحد، وشعرت بأن الدنيا تبتسم لي واقترب من تحقيق أمنياتي وأتزوج فتاتي، وإن كان الفراق صعباً والسفر قطعة من عذاب ومعاناة الغربة والوحدة بعيداً عن الأهل والأحبة.
ومضت الأيام، وبعد عامين قررت العودة لإقامة حفل الزفاف وعقد القران على أن أقضي عدة أسابيع مع زوجتي، ثم تلحق بي بعد عدة أشهر وحملت الهدايا للجميع وكان لخطيبتي نصيب الأسد، وإلى هنا ما زالت أمي عند موقفها وغير راضية عن هذه الزيجة بأي شكل ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل إنها تبذل كل ما في وسعها لفسخ الخطبة، وتوجهت إلى أسرة خطيبتي للاتفاق على الترتيبات وحفل العرس والمدعوين والأثاث وكانت الفتاة مرتبكة وعلى غير عادتها في التعامل والحديث معي وأبديت ملاحظتي تلك، فكان جوابها أنها حالة طبيعية لأي فتاة مقبلة على الزواج والانتقال إلى حياة جديدة.
لم يكن في التفاوض أي تعقيدات وأبدى كل طرف استعداده لما هو مطلوب منه طبقاً للعرف السائد، واتفقت مع خطيبتي على أن نخرج اليوم في نزهة وقامت لترتدي ملابسها فأمسكت بالموبايل الخاص بها والذي كنت قد أرسلته لها من قبل أثناء سفري وكان من أحدث وأغلى نوع وقتها، وبكل حسن نية وبعيداً عن التجسس أو التلصص بدأت أقلب فيه لأعرف إمكاناته في قائمة الرسائل وجدت كماً هائلاً كلها رسائل حب وغرام من شخص آخر يبثها أشواقه الملتهبة إلى هنا انتهى الفضول ودخل الشك وبدأ الفحص والبحث عن الحقيقة، فكانت الرسائل كلها مرسلة إليها حسب التواريخ خلال الفترة التي تغيبت فيها بالخارج لأعد لها عش الزوجية، وعلى الهاتف الذي أهديته لها واشتريته بالمال الذي تعبت فيه يا لها من مفارقات صادمة.
خرجنا إلى حيث المكان الذي قررنا الجلوس فيه ولم أتكلم كثيراً، فقد ضاع مني الكلام، فقط مددت يدي إلى هاتفها وفتحت الرسائل وقدمته لها وكانت مبرراتها واهية وحجتها ضعيفة لم تستطع أن تثبت براءتها رغم أنني تركت لها الحرية الكاملة في الحديث ولم أقاطعها، إلى أن انتهت وتوقفت عن الكلام وانتقلت إلى الدموع ولم يكن عندي رد إلا أنني انسحبت معلنا فسخ الخطوبة وإنهاء كل شيء، وعدت إلى البيت لأخبر أمي بما حدث، فكان ردها أن قامت وصلت ركعتي شكر لله وبعدها قالت الحمد لله الذي خلصك من «الحية ابنة الأفعى»، فهي مثل أمها التي حاولت من قبل أن تغري أباك وتتزوجه بعد أن اعتزمت الطلاق من زوجها، لعلك تكون الآن قد فهمت أسرار رفضي وفرحتي بعد الانتقال من مجاورتهم وفتور العلاقة معهم.