تقارير

أميركا وتحدي التحيزات العنصرية

أثار الرئيس دونالد ترامب غضباً واسع النطاق واستياءً بسبب تعليقاته التي وصفها البعض بأنها عنصرية تجاه هايتي ودول أفريقية والسلفادور، والمهاجرين أصحاب البشرة الداكنة من مناطق أخرى. وتعليقات ترامب ملفتة في شفافيتها. فنحن نادراً ما نسمع، هذه الأيام، خطاباً يعكس صراحة مثل ذلك النوع من المواقف الأميركية السلبية التي طالما أدت إلى عزل المهاجرين وتقييد أعدادهم. ولذا أرى أن تعليقات الرئيس الأميركي تقدم لنا فرصة للنفاذ إلى الجذور والدلالات.
وبينما كان الحديث عن نقاء الدم والمنبت وتحيزات الفوقية الحضارية من مفردات العنصرية اليومية، نجحت حركة حقوق مناهضة العنصرية والدفاع عن حقوق المهاجرين حتى وقت قريب على الأقل في إبعاد مثل هذه المفردات عن التداول في المجال العام. ومع هذا فلغتنا التي تبدو محايدة عن الأمن والقانون والثقافة والإنتاجية والاحتواء مشحونة بقوة، في الغالب، بمعانِ عنصرية، ولكن على نحو كيّس وغير ملحوظ، ولذا فهي تثير معارضة أقل من تشبيه بعض البلدان، على سبيل المثال، بأنها «حثالة»!
وتصريح الرئيس ترامب أثار الغضب العام، بل العارم، وهذا واجب، ولكن يجب أيضاً أن نتعمق في التصدي لوجهات النظر العنصرية، الصارخ منها والخافت، التي شابت في أحيان كثيرة سياسة أميركا تجاه الهجرة. ويتعين علينا هنا أن نطرح أسئلة جادة عن الكيفية التي أثرت بها العنصرية، بشكل حاسم ومستدام، على جدل الهجرة بوسائل غير ملفتة للانتباه عادةً. وتوجهات الرئيس التي تصدرت عناوين الأخبار عن تفضيل أشخاص من دول مثل النرويج، أي من البيض، هي مشاعر يمكن تحسسها أيضاً لدى المؤسسين.
فقد حصر أول قانون بشأن الجنسية في البلاد عام 1790 جنسية الولايات المتحدة على «البيض الأحرار أصحاب الشخصيات الجيدة». وكان المنحدرون من أفريقيا من بين أوائل المهاجرين الذين اختصتهم السلطات بالمراقبة والاستبعاد حين سعوا إلى دخول البلاد أو الانتقال بين الولايات. وجعل قمع الدولة من المهاجرين السود في ذلك الزمن أول «مهاجرين غير شرعيين».
واستمرت قوانين الهجرة الأميركية العنصرية دون مواربة، وكان في محورها استبعاد الآسيويين وفكرة الأصول القومية، عبر فترة الكساد الكبير والحرب العالمية الثانية وبداية الحرب الباردة وتفكيك مستعمرات الدول الأوروبية. ووجد الزعم بأن الولايات المتحدة كانت أو يجب أن تكون قلعة للبيض في عالم ملون دعماً من نظم التعليم والدين والمنح الدراسية والثقافة الشعبية. فالقانون الأميركي لم يسمح للآسيويين بالحصول على الجنسية حتى عام 1952. وبفضل جهود مناهضة العنصرية والدفاع عن حقوق المهاجرين، سقط هذا النظام عام 1965 مع إقرار قانون «هارت-سيلر» الذي مهد الطريق للم شمل الأسر وقبول اللاجئين، وسمح بدخول المهاجرين أصحاب المهارات والتعليم الرفيع. ولكن العنصرية ظلت قائمة في التطبيق وفي التوجهات الشعبية.
وفي تسعينيات القرن الماضي، تصاعدت مجدداً حركات جديدة لمؤيدي فكرة سكان البلاد الأصليين من البيض ضد المنحدرين من أميركا اللاتينية، وظهرت أيضاً جهود لاستبعاد حقوق المهاجرين في الحصول على الخدمات الأساسية، مع الدعوة للتوسع في اعتقالهم وترحيلهم جماعياً. وفي أعقاب هجمات الحادي عشر من سبتمبر، كان مبدأ إخضاع المهاجرين من الدول ذات الأغلبية المسلمة لتدقيق خاص وقيود معينة محورياً في إعادة صناعة سياسة الهجرة باسم الأمن القومي.
والأسئلة السائدة التي تعودنا طرحها عن المهاجرين صاغتها بعمق تواريخ التقييد العرقي. ولن ننجح في نهاية المطاف في التخلص من الخطاب العنصري تجاه المهاجرين ما لم نرفض أسوأ خياراته اللفظية ونواجه الأسئلة المحورية التي يطرحها على أساس غير منصف. ويمكننا هنا طرح أسئلة عديدة مثل: ما الدور الذي يلعبه عالم الشمال في منع الناس في عالم الجنوب من العيش والازدهار في المكان الذي يقيمون فيه؟ وإلى أي حد فاقمت سياسات الهجرة التقييدية استغلال العمال؟ وبأية طريقة تعكس الهجرة الجماعية من المناطق الأفقر إلى مراكز الثروة والسلطة المشكلة الأكبر لعدم المساواة عبر العالم؟

* أستاذ التاريخ المساعد في جامعة «فاندربيلت» الأميركية
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «نيويورك تايمز»